مجلس العقد
سبق وأن ذكرنا أن إتحاد المجلس شرط في إبرام العقود، والغرض من هذا الشرط، هو تحديد المدة التي يصح أن تفصل القبول عن الإيجاب حتى يتمكن من عرض عليه الإيجاب من المتعاقدين أن يفكر في الأمر فيقبل الإيجاب أو يرفضه، ولو أردنا أن نشترط على الطرف المقابل القبول فوراً، لألحقنا به الضرر من جراء ذلك، إذ ربما لا يتهيأ له الوقت الكافي للتدبر.
وفكرة مجلس العقد في الفقه الإسلامي كما يقول عنها الأستاذ السنهوري ( نظرية بلغت من الإتقان مدى كبيراً لولا إغراقها في المادية، فلا يطلب من المتعاقد الآخر القبول فوراً بل له أن يتدبر بعض الوقت، ولكن من جهة أخرى لا يسمح له أن يمعن في تراضيه إلى حد الإضرار بالموجب وذلك بإبقائه معلقاً مدة طويلة دون الرد على إيجابه، فوجب إذن التوسط بين الأمرين، ومن هنا نبتت نظرية مجلس العقد ) ( ) .

حدود مجلس العقد:
يؤخذ من أقوال الفقهاء رحمهم الله أن المجلس هو المكان الذي يضم المتعاقدين ويبدأ من وقت صدور الإيجاب ويستمر ما دام المتعاقدان منصرفين إلى التعاقد ولم يبديا إعراضاً عنه.
ويعتبر المجلس منفضاً في حالة الإعراض كما قلنا وفي حالة قيام العاقد وتركة المكان الذي صدر فيه الإيجاب.
ويعتبر المجلس قد استنفد غرضه في حالة قبول أو رفض الطرف الثاني.
ولو انفض المجلس دون أن يقبل الطرف المقابل، فالإيجاب يعتبر لاغياً في هذه الحالة ولا فائدة في قبول الطرف الآخر بعدئذ، فإن أفصح عن قبوله، عد قبوله إيجاباً مبتدأ يحتاج إلى قبول من الطرف الأول في مجلس الإيجاب المبتدأ.

تبدل مجلس العقد:
لقد تفرغ عن الكلام عن مجلس العقد واعتبار اتحاده شرطاً في صحة العقد، حكم ما لو تبدل مجلس العقد، كأن يكون الطرفان الراغبان في إبرام عقد من العقود راكبين في عربة أو سفينة أو سائرين على الأرض، فهل يعتبر المتعاقدان في مثل هذه الحالة في مجلس واحد، وبالتالي ينطبق عليهما من الأحكام ما ينطبق على غيرهما ممن يضمهما مجلس واحد ؟ 
إن فقهاء الحنفية قد صوروا مجلس العقد تصويراً مادياً عندما اعتبروا فيه وحدة المكان، فالمجلس على رأيهم يتبدل بالمشي، لأن الإيجاب وقع في مكان ثم وقع القبول في مكان أخر، وعليه فلا يعتبر العقد مستكملاً شروطه في هذه الحالة، فلا ينعقد.
وكذا الحال في السير على الدابة، وفي الوقوف ثم المشي أو السير، وتختلف السفينة عندهم عن الدابة من جهة أن المجلس لا يتبدل بجريان السفينة، لأن الماء هو السبب في تحريك السفينة ولا دخل للفرد في ذلك، والمتعاقدان لا يملكان إيقافها بعكس الدابة.
فعلى هذا الرأي يتبدل المجلس بالنسبة للراكبين على الدابة ولا يتبدل بالنسبة للراكبين على ظهر السفينة.
ويتبدل المجلس كذلك بالمضي في الصلاة أو في الشرب أو في الأكل أو في نوم المتعاقدين مضطجعين لا جالسين ( ).
اعتراض الأستاذ السنهوري على تحديد مجلس العقد بوحدة المكان:
  أثار المرحوم السنهوري اعتراضاً حول تحديد الحنفية مجلس العقد بالمكان دون أن ينظروا إليه من الناحية الزمنية، حيث قال: أليس الأولى أن ننبذ الوحدة المكانية والاستعاضة عنها بالوحدة الزمنية ( ) فعلى هذا الرأي نجعل مجلس العقد ممتداً مدة الزمن الذي يظل فيه المتعاقدان مشتغلين بالتعاقد سواء برحا في مكانهما أو غادراه، فإذا اشتعل كلاهما أو أحدهما بشيء أخر وأعرض عن الكلام في العقد، فعندئذ نحكم بانقطاع المجلس واعتباره منفضاً، ولا يحكم بانفضاضه فيما سوى ذلك حتى لو برحا هذا المكان. وعندئذ لا حاجة بنا إلى التمييز بين المشي والسير وبين سير الدابة وجريان السفينة، ثم لا نحتار بعد فيما استحدث من طرق المواصلات كالسير بقطار السكة الحديدية والسفر بالسفن وغير ذلك.
والرأي الذي ذكره الأستاذ السنهوري وجيه لما ذكره من تعليل ولما فيه من تيسير... والله أعلم.

الآثار المترتبة على نظرية مجلس العقد:
يترتب على القبول بمجلس العقد الأحكام التالية:
أولاً: أن يكون للطرف المخاطب بالإيجاب خيار القبول لحين انقضاض المجلس، فهو غير ملزم بالقبول، إذ لو ألزمناه بذلك، لآل الأمر إلى تجارة من غير تراضٍ وهذا لا يجوز.
ثانياً: أن يكون للطرف الموجب خيار الرجوع عن إيجابه إلى أن يصدر القـبول أو ينفض المجلس، وهذا هو رأي جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية، والحنابلة. ( ) 
وخالف المالكية حيث لم يجيزوا الموجب حق الرجوع ( ) .
وقد دلل الجمهور على وجهة نظرهم هذه بما يلي:-
‌أ- أن الثابت للقابل بالإيجاب حق التملك في المعقود عليه، في حين أن الثابت الموجب حق الملك، وهو أقوى من حق التملك فيقدم عليه.
‌ب- أن الالتزام لا يتحقق إلا إذا وجد العقد، والعقد لا يتم إلا بتطابق الإيجاب والقبول، فما لم يوجد قبول، لا يعتبر العقد موجوداً ومن ثم لا ينشأ التزام، ومن هنا جاز الموجب الرجوع عن إيجابه قبل القبول إذا لم يوجد بعد التزام يمنعه من الرجوع.
وقد احتج المالكية بقولهم: " إن الموجب قد بذل ذلك من نفسه وأوجبه عليها، فليس من حقه الرجوع بعد ذلك ". 
ثالثاً: أن يعطي المتعاقدين خيار المجلس وهذا الخيار يعني أن لكل عاقد الحق في فسخ العقد ولو بعد إبرامه ما داما في مجلس واحد، فإذا انفض المجلس بطل الخيار.
وخيار المجلس محل خلاف بين الفقهاء، فقد أثبته الكثير من فقهاء السلف، منهم ابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب وشريح والشعبي وبه قال الشافعية والحنابلة. ( ) مستدلين بالحديث الصحيح الذي رواه ابن عمر وهو أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال " إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يفترقا وكانا جميعاً أو يخير أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك أحـدهما البيع فقد وجب البيع " متفق عليه 
وقد أنكر المالكية والحنفية خيار المجلس، بحجة: أن في الفسخ إبطالاً لحق الطرف الآخر، فلا يجوز، وحملوا الحديث على خيار القبول ( ).

ويسوغون رأيهم بالآتي:
1. أن الأخذ برأي القائلين بخيار المجلس يقتضي تعليق العقد لحين انفضاض المجلس، ولما كان وقت انفضاض العقد غير منضبط فهو متوقف على التفرق، وفي ذلك محاذير كثيرة.
2. أن القول بخيار المجلس يزعزع من قوة العقد الملزمة، وما هي الفائدة من اشتراط تطابق الإرادتين واقتران القبول والإيجاب إذا كان العقد غير مستقر ومعرضاً للفسخ. 
3. إذا كان القصد من خيار المجلس هو إعطاء حرية أكثر للمتعاقدين في المضي في العقد أو الفسخ، ففي خيار القبول وخيار الرجوع من التدبر والتروي ما يكفي الطرفين لاتخاذ القرار الحاسم لإمضاء العقد أو إلغائه.
4. أما الاحتجاج بالحديث فقد حملة الأحناف على خيار القبول وفيه إشارة إليه، فإن المتعاقدين متبايعان حالة المباشرة لا بعدها، أو يحتمل خيار القبول فيحمل عليه.

العقود التي لا يشترط فيها اتحاد المجلس:
اتحاد المجلس شرط في جميع العقود ما عدا ثلاثة: الوصية، والإيصاء، و الوكالة.
أما الوصية: ( وهي تصرف مضاف إلى ما بعد الموت ): فيستحيل فيها تحقيق اتحاد المجلس، لأن القبول لا يصح من الموصي له في حال حياة الموصي، وإنما يكون بعد وفاته مصراً على الوصية. 
وأما الإيصاء: ( وهو جعل الغير وصياً على أولاده ليرعى شؤونهم بعد وفاته ): فلا يلزم القبول فيه في حياة الموصي، وإنما يصح بعد وفاته.
وعلى كل حال لا يصبح وصياً إلا بعد وفاة الموصي، وإن قبل في حياته.
وأما الوكالة: ( وهي تفويض التصرف والحفظ إلى الوكيل في أثناء الحياة ) فمبنية على التوسعة واليسر والسماحة، فلا يشترط فيها اتحاد المجلس، لأن قبولها قد يكون باللفظ ( القول) أو بالفعل بأن يشرع الوكيل في فعل ما وكل فيه، ويصح فيه توكيل الغائب ( أي غير الموجود في مجلس العقد ) ويكون له صلاحية القيام بالعمل فيه بمجرد علمه بالوكالة. ( )  ويرى الحنابلة : أنه يعد كالوكالة كل عقد جائز غير لازم ، يصح القبول فيه على التراخي ، مثل الشركة والمضاربة والمزارعة والمساقاة ، والإيداع والجعالة .

Post a Comment

Previous Post Next Post