- المدرسة الجغرافية البيئية أو الحديثة (Environmental  school):
وهذه المدرسة تمثل الوسطية بين الحتمية والإمكانية، ويرى أصحابها أن البيئة تؤثر في الإنسان، والإنسان يؤثر في البيئة, وأنه يوجد مجال مشترك بين الحتمية والإمكانية، وإذا كانت الجغرافية هي العلم الذي يدرس الأرض بوصفها وطناً للإنسان، وهي العلم الذي يجمع بين الظاهرات الجغرافية الطبيعية والبشرية في المكان من وجهة نظر إنسانية, فقد سادت المدرسة البيئية الفكر المنهجي الجغرافي فترة طويلة من الزمن، وما زال صداها يسمع حتى الآن، بين فئة محددة من الجغرافيين، وخصوصاً في إنكلترا على يد بال، وحديثاً على يد ستودارت، الذي أعاد إحياء هذه المدرسة عن طريق إدخال فكرة النظم البيئية (Ecosystems)([1]).
إن وجهة نظر المدرسة البيئية أن الإنسان يعد عنصراً مهماً من عناصر البيئة، وعلاقته بها علاقة تكافلية، وتقع عليه مسؤولية إدارتها بشكل صحيح، وعليه عدم التهرب من هذه المسؤولية. وبشكل عام يمكن القول: إن المدرسة البيئية تجمع بين المدرستين الحتمية والإمكانية، ومن أنصار هذه المدرسة (جريفت تيلور)، الذي يسميها حتمية قف وسر (Stop and go Determinism)، بمعنى أن الإنسان هو الذي يختار ويبذل الجهد ولكن البيئة هي التي تعطي وتستجيب، والإنسان لن يستطيع تغيير الأوضاع الطبيعية تغييراً جذرياً، بل هو قادر فقط على تعديلها وتهذيبها لمصلحته([2]).
أي أن الكثير من الجغرافيين قد انتهوا إلى حل وسط في هذه المسألة ومنهم روكسبي، وفلير في إنكلترا، وجريفت تيلور وكارل ساور في أمريكا، وذلك بتسليمهم بحرية الإنسان في اختيار إمكانيات البيئة، هذه الإمكانيات المحددة بالظروف الجغرافية، أي أن عناصر البيئة متعددة، وفيها الكثير من الإمكانيات، ولكن الإنسان هو الذي يختار منها ما يناسبه ويستغله بالشكل الذي يتناسب مع إمكانياته وقدراته المتطورة دائماً، أي إمكانية أو احتمالية براغماتية (Pragmatic Possibilism).
والإنسان ليس مجرد مخلوق سلبي لا حول له ولا قوة بل هو صاحب عقل وإرادة وهو الذي يحول المواد الخام الطبيعية من مجرد مواد خام كامنة إلى ثروات وموارد ذات قيمة فعلية، والمدرسة البيئية بهذا المعنى تحفظ للجغرافية مكانتها ووحدتها الطبيعية والبشرية.


(1) صفوح خير، الجغرافية موضوعها ومناهجها وأهدافها، دار الفكر، دمشق، 2000م، ص 47 .
(2) علي موسى، محمد الحمادي، فلسفة الجغرافية، مرجع سابق، ص 101 .

Post a Comment

Previous Post Next Post