الإئتمان الموثق
الاعتماد الموثق
وهنا نقف في محطة أخرى ألحقناها إلحاقاً لأنها تشرح أهمية وشجاعة الاتصالات الحديثة بوسائلها النابضة بالحياة والميسرة للمعاملات والمقربة للمسافات، وهي المتعلقة بالاعتمادات المستندية، وهي وسيلة تسهل المعاملات، وتحكم ربطها بواسطة وسائل الاتصال السابقة.
فالبنوك الآن تضطلع بدور كبير في شئون التجارة والاقتصاد وعمليات الائتمان التجاري. فهي تمارس نشاطها وتحركها عن طريق العديد من العمليات المصرفية ذات المواصفات الخاصة والأحكام المميزة.
وهذا النظام لم تكن له جذور قانونية تقليدية معينة، وإنما بعث لحاجة العمل التجاري وتوفير الأمن والثقة بين الباعة والمشترين طبق عادات وأعراف وقعت محاولة في صيغة ميثاق ليستأنس به ويستنار بأحكامه.
فالبيع قد يتم بين متعاقدين كل واحد منهما في جهة بعيدة كل البعد عن جهة ومقر صاحبة ومعاقدة، ويكون ذلك بواسطة الاتصالات السريعة لأن الناس دوماً في حاجة أكيدة للسرعة في قضاء حاجياتهم.
ومن هنا جاءت هذه الطريقة التي نشرحها وهي مكملة متممة لما توفره تلكم الوسائل الاتصالية السريعة، فالبضاعة تسلم تسليماً حكيماً معنوياً قانونياً فقط لا بالمناولة والحوز المادي وإنما بتسليم المستندات الخاصة بها وهي سند الشحن وسندات تحقق سلامة تأمين البضاعة وسلامتها ووزنها ونوعها ووصفها مما تحقق معه إنهاء البائع لواجباته المفروضة عليه في انتظار قيام المشتري بما عليه من واجبات.
والمشتري عليه أن يدفع الثمن بواسطة البنك الذي يتعامل معه، وفي ذلك ضمان مؤكد لحقوق البائع.
وجاء التفكير في هذه الوسيلة لدفع كل خطر ولضمان حقوق كل الأطراف عند وجود فاصل مكاني يحول دون التعاقد الفردي والتبادل الحيني للثمن والمثمن بطريقة " خذ .. وهات " المتعارفة.
وهذا النظام نشأ بدافع الحاجة العملية ثم تطور وتغير تحت ضغط تلكم الحاجة وإلحاحها. والعرف وحده هو الذي يحدد أحكام هذا النظام محترماً في ذلك المقاصد الاقتصادية والأهداف العملية وسلامة كل ذلك من شوائب مخالفة القوانين والأنظمة.
يقول أحد رجال القانون المختصين، الأستاذ على عوض، في كتابه " الاعتمادات المستندية " ، أنه قد لا يستطيع أحد المتعاقدين أن يبدأ بتنفيذ التزامه قبل أن ينفذ الآخر التزامه ، أو قبل أن يطمئن هو بشكل أكيد إلى أن هذا التنفيذ سيحصل ، فاتجه التفكير إلى الاستعانة بالمستندات التي تصدر بمناسبة تنفيذ هذا البيع ، إذ هي تمثل حيازة البضاعة والحقوق الناشئة من البيع وتكشف عن مدى تنفيذ البائع لالتزامه وإلى الاستعانة بشخص وسيط يثق فيه كل من البائع والمشتري تمر عن طريق المستندات والثمن وبشروط تجعل كل واحد مطمئناً .
فيشترط البائع في عقد البيع على المشتري أن يطلب إلى بنك بعينه أن يتعهد أمامه هو بدفع الثمن متى سلمه المستندات الخاصة بتنفيذ البيع والتي بها يتسلم المشتري البضاعة. ويقال عندئذٍ: إن بنك المشتري يفتح بهذا التعهد اعتماداً مستندياً لصالح البائع.
ويسمى المشتري هنا الآمر، لأن يأمر البنك الفاتح أو المصدر الخاطب أو الإخطار والذي يرسله البنك إلى المستفيد متضمناً تعهده.
وقد يكون تعهد البنك في هذا الخطاب غير مؤكد أو غير نهائي، أي قابلاً للرجوع فيه أو للنقض، وفيه يكون البنك مجرد وكيل عن المشتري الآمر لا يلتزم بأي التزام شخصي أو مستقل أمام البائع، ولهذا يكون للمشتري أن يلغي أوامره السابقة ويطلب إلى البنك الرجوع في وعده الذي أخطر به البائع، كما يكون للبنك أيضاً أن يرجع في هذا الوعد متى قام سبب يبرر ذلك في علاقته بالمشتري الآمر كما لو ساء المركز المالي للمشتري.
والمعتاد أن يشترط البائع في البيع على المشتري أن يكون تعهد البنك في خطابه قطعياً، بمعنى أن يتعهد أمام البائع تعهداً شخصياً مستقلاً منفصلاً بحيث لا يكون له بعد ذلك أن يرجع في تعهده أياً كان مصير علاقة البنك بالمشتري الآمر ولا ما يطرأ على المركز المالي للمشتري، كما لا يكون للمشتري أن يأمر البنك بالرجوع في تعهده ولا أن يرجع هو في تعليماته التي أصدرها للبنك من قبل، وهكذا يحصل البائع على الطمأنينة التي ينشدها من تدخل البنك وتبلغ أقصاها في حالة ما يؤكد بنك آخر تعهد بنك المشتري.
وقد انتشر استخدام الاعتماد المستندي في أعقاب الحرب العالمية الأولى، إذ كان المصدرون من الولايات المتحدة الأمريكية يطلبونه من المشترين في أوروبا، ثم أمتد بعد ذلك إلى كافة أنحاء العالم.
وجاء في المرشد العلمي الذي وضعته غرفة التجارة الدولية في شأن هذا الاعتماد سنة 1978م أن الاعتماد المستندي هو بعبارة وجيزة تعهد مصرفي مشروط بالوفاء أو هو تعهد مكتوب من بنك يسمى المصدر مسلم للبائع المستفيد بناءاً على طلب المشتري وطبق تعليماته للقيام بالوفاء في حدود مبلغ محدد خلال فترة معينة في نظير مستند مشترط.
والالتزام بفتح الاعتماد ينشأ تسهيلاً لعقد العقود وسرعة تنفيذها بتسلم الثمن والبضاعة وهذا يتم غالباً بواسطة هذه الآلات السريعة العصرية المتطورة.
ومن هنا نفهم سبب إلحاق هذه الوسيلة بتلك الوسائل, لأنها تتكامل معها وتجر إلى نفس المرفأ وتنتهي بالعقود إلى النفاذ السريع العاجل في شبه اطمئنان وسلامة وأمن مع سرعة تتماشى وعصر السرعة والمادة وفقد الثقة، وفتح الاعتماد هو تسهيل للوفاء وضمان له.
إرسال تعليق