التعاقد بين الغائبين
إن التعاقد بين الغائبين كالتعاقد بين الحاضرين، يجب أن يتم في مجلس العقد، وللموجب فيه خيار الرجوع في إيجابه، و للمتعاقد الآخر خيار القبول، ويجب فيه مطابقة القبول للإيجاب على النحو الذي فصل في المباحث السابقة.
إلا أن التعاقد بين الغائبين له خصائص كما ذكر الأستاذ السنهوري يتميز بها عن التعاقد بين الحاضرين من حيث:
أ- مجلس العقد.
ب- وقت تمام العقد.
ج- خيار الرجوع وخيار القبول وخيار المجلس.
أ- مجلس العقد في التعاقد بين الغائبين:
الأصل في الإيجاب والقبول أن يقترن أحدهما بالأخر في مجلس واحد، فإذا أوجب أحد المتعاقدين في غياب المتعاقد الأخر، لم يتوقف شطر العقد على الشطر الأخر إلا في المجلس، بحيث لو أراد فضولي أن يقبل وهو في المجلس نيابة عن المتعاقد الغائب، انعقد العقد على رأي الأحناف، وتوقف على إجازة الغائب ولا يتوقف شطر العقد على الشطر الأخر فيما وراء المجلس إلا إذا كان التعاقد بواسطة الرسالة أو الكتابة، هذا ما صرحت به كتب الحنفية، حيث قال صاحب الهداية: ( والكتاب كالخطاب وكذا الإرسال حتى اعتبر مجلس بلوغ الكتاب وأداء الرسالة ) ( ).
فعلى هذا يكون مجلس العقد في التعاقد بين الغائبين غير مجلسه في التعاقد بين الحاضرين، فالمجلس الثاني هو محل صدور الإيجاب، أما المجلس الأول فهو محل بلوغ الإيجاب إلى المتعاقد الغائب، أي محل أداء الرسالة أو بلوغ الكتاب، وهذا الفرق كما يقول الأستاذ السنهوري اقتضته طبيعة التعاقد بين الغائبين، فالمتعاقد الأخر غائب عن المجلس الذي صدر فيه الإيجاب، فلا بد من بلوغ الإيجاب إليه، ومحل بلوغه يعتبر مجلس العقد ( ).
ب- متى يعتبر العقد مبرماً بين الغائبين؟
العقد يتم بين الحاضرين عند سماع كل عاقد كلام صاحبه في مجلس العقد، ولو لم يسمع الطرف المقابل كلام صاحبه لا يصح العقد، وهذا ما نص عليه الفقهاء في كتبهم، قال ابن الهمام معقباً على كلام صاحب الهداية في قوله: ( البيع ينعقد بالإيجاب والقبول ). يعني إذا سمع العاقد كلام صاحبه، ولو قال البائع لم اسمعه وليس به صمم وقد سمعه من كان حاضر المجلس، فلا يصدق. ( )
ولما كان من المتعذر عند التعاقد بين الغائبين سماع العاقد كلام صاحبه، فقد اعتبر الفقهاء عند التعاقد بالكتابة أو المراسلة قبول القابل حين بلوغه الخبر، هو وقت انعقاد العقد، ولا يشترط أن يكون القبول قد وصل إلى علم الموجب، وفي هذا الصدد يقول الكاساني عند كلامه عن التعاقد بواسطة الرسالة: (أما الرسالة، فهي أن يرسل رسولاً إلى رجل ويقول للرسول: بعت عبدي بكذا، فإذا بلغ الرسول المرسل إليه وهو المشتري، وقال في مجلسه ذلك: قبلت، انعقد البيع). ( )
وفي التعاقد بواسطة الكتابة يقول ابن عابدين: ( صورة الكتابة أن يكتب: أما بعد، فقد بعت عبدي فلاناً منك بكذا فلما بلغه الكتاب قال في مجلسه ذلك: اشتريت، تم البيع بينهما ). ( )
ولم تشترط النصوص في الحالتين لتمام البيع سماع المشتري قبول القابل.
ج- خيار الرجوع للمتعاقدين الغائبين:-
أثبت الفقهاء للمتعاقدين الحاضرين في حالة تعاقدهم في مجلس واحد خيارات ثلاثة، وهي خيار الرجوع وخيار القبول وخيار المجلس.
فهل يثبت هذا الحق للمتعاقدين الغائبين أم لا ؟
إن خيار الرجوع الموجب حق أثبته جمهور العلماء للمتعاقدين الحاضرين، وهو يثبت كذلك عندهم للمتعاقدين الغائبين. إلا أن الفرق بينهما أنه لو نطق الموجب بالرجوع بعد القبول، فلا يسمع فيما لو كان العقد بين غائبين، أما عند التعاقد بين حاضرين، فالرجوع مقبول على رأي من يجيز خيار المجلس فقط، أما عند غيرهم فلا وخيار الرجوع للقابل لا يقبل على رأي من ينكر خيار المجلس سواء كان العقد بين حاضرين أم بين غائبين، لأن العقد قد تم بقوله قبلت.
أما على رأي من يجيز خيار المجلس، فرجوع القابل مقبول عنده فيما لو تم العقد بين حاضرين، لأن تفرق الأبدان غير حاصل، فعلى هذا ما زال العقد قابلاً للإنفساخ عندهم، وفي حالة التعاقد بين غائبين فلا يتصور خيار المجلس.
ولكن هل يشترط في الرجوع ذاته أن يسمع من الطرف المقابل قياساً على وجوب سماع الصيغة الأولى وهي الإيجاب والقبول في حالة إبرام العقد بين حاضرين أو غائبين ؟
إن فقهاء الحنفية قد صرحوا في كتبهم، أن للعاقد بعد صدور الإيجاب منه الرجوع عن كلامه قبل صدور القبول من الطرف الثاني، سواء صدر الإيجاب من البائع أو المشتري، ذكر ذلك ابن عابدين نقلاً عن البحر، حيث قال: ( والحاصل أن الإيجاب يبطل بما يدل على الإعراض وبرجوع أحدهما عنه وبموت أحدهما ). ( )
وبخصوص سماع كل طرف رجوع صاحبه، لم يشترط الأحناف في التعاقد بين الغائبين علم الطرف المقابل عند رجوع الموجب عن كلامه، وإنما يكتفي بالإشهاد على رجوعه كما هو الحال في حالة قبوله للبيع، وهذه المسألة تعتبر من وسائل الإثبات فقط.
قال ابن الهمام: ( ويصح رجوع الكاتب والمرسل عن الإيجاب الذي كتبه وأرسله قبل بلوغ الأخر وقبوله، سواء علم الآخر أو لم يعلم، حتى لو قبل الأخير بعد ذلك لا يتم البيع, وهذا بخلاف ما لو وكل بالبيع ثم عزل الوكيل قبل البيع، فباع الوكيل، فبيع الوكيل قبل علمه بالعزل نافذ). ( )
إرسال تعليق