الثلاثاء، 28 فبراير 2017

الحضارة في العصر العباسي

*الحضارة والثراء والترف  في العصر العباسي
    " لقد تفنن الخلفاء ، والوزراء في بناء القصور ، حـــتى ليشبه بعضها مدنا صغرى تمتلئ بالأفنية ، والأساطين ، والقباب ،والجداول ،والبسـاتين ، والجداول ،والبرك ، والنافورات " وذلك راجع إلى ما ورثه العرب مـن حضارات البلاد المفتوحة سواء من العراق أم الشام ، أم غيرها ، ومثل هـذا البذخ تمتع به الخلفاء ، وحواشيهم من البيت العباسي ، ومن اتصل بهم ، أما باقي طبقات المجتمع فظلت تعاني من التقلب في أوضاع الحياة المعيشية 0   
   وفي ظل الترف لطائفة دون أخرى " انحــــــــدرت الحياة الاجتماعية انحدارا شنيعا 000 وكان أثــر الحاجة عنـــد المحرومين أن احــــتالوا على العيش بتجارة الرقيق ، وكــــثرت الجواري في منازل الأغــنياء ، واضطر كثير من الناس تحت ضغط الفقــر إلى احتراف الغناء ، ومنادمة الـوزراء ، والخلفاء وتبع ذلك كله تهاون في بعض الفضائل ، وإلحاد في الشرائــــــع ، ورقة في الدين ، وشيوع في الزندقة 000 وظهرت ألوان من الأدب تنحـــو ناحية الهدم لا البناء ، وكان ذلك على سمع الخلافة وبصرها من غير نكــير صارم ، ولا نهي رادع ، ونتيجة لكــــل ذلك برزت على الأفق ظاهرتــــان اجتماعيتان : هما الزهد من ناحية ، والمجون من ناحية أخرى ، ولــــــقد عبر الشعراء عن الظواهر الاجتماعية في أشعارهم 0
  كـــما ظهـــرت الشعـــوبية فـــي العــصر العباســـــي فـــــذكر أحــمد أمـــين ( ت : 1377 هــ ) وأرجح أن اسم الشعوبية لم يستعمل إلا في العصر العباسي الأول " وأخذ يدلل على رأيه 0
والشعوبيون " قوم يصغرون شأن العرب ولا يرون لهم فضل عــــلى غيرهم 0
و" الشعوبية وإن كانت لم تعرف بهذا الاسم إلا في العصر العــــباسي إلا أنها حركة مــمتدة الجـــذور مـــنذ بداية الفتـــح الإسلامي لدولتي الفرس والروم  0
ومن مظاهر الحياة الاجتماعية الاحتفال بالأعــياد ، والــــــــمواسم ، ومواكب الخلفاء ، وحفلات الزواج  " فلقد احـــــتفل الخـــــلفاء العــباسيون بالعيدين احتفالا دينيا ، فيؤمون الناس في الصلاة ، ويلقون عليهم خـطبة في فضائل العيد ، كما احتفل أهل بغداد بالأعياد الفارسية ، وبخـاصة النيروز ، والمهرجان 000 وكانت الأنوار تسطع في أرجاء المدن ليالي العيد)0 ولقد تناول الشعراء العميان هذه المظاهر في أشعارهم 0
العناصر ، والأجناس المكونة للمــجتـــمع في العصر العباسي فهي : ـــ
1ـــ العنصر العربي : وكان قد أقصي عن النفوذ في الدولة ، والخــلافة ، وكان للمعتصم في ذلك أثر بين 0
2ـــ العنصر الفارسي : كان عماد النظام السياسي ، والإداري لــــلدولة ، ولكن الترك أقصوهم عن منزلتهم 0
3 ـــ العنصر التركي : وكان لهم النفوذ السياسي في الدولة ، وقضوا على  نفوذ الفرس ، والعرب ، وتولوا شتــى المناصب الرفيعة في الــدولة ،على الرغم من ضعف أخلاقهم الاجتماعية 0
4 ـــ العنصر الرومي : فقد كثر أسراهم في بيوت الخلفاء ، والأغــنياء 0
5 ـــ العنصر الزنجي : وكان يجلب هذا العنصر مـن سواحـــــــل أفريقيا  الشرقية ، وكانت لهم ثورة ما بين عامي (255: 270 هــ ) ، وكانت حربا على الأجناس 0  ومن ثم نرى تعدد الأجناس في العصر العباسي 0
*الحياة العقلية في العصر العباسي :
      ويراد بها " حركة النفس الإنسانية في جميع أنواع العلوم والفنـــــون ، والثقافات ، والآداب  "وتختلف الشعوب عقليا ونفسيا اختلافا كبيرا000 وهذه العــــــــقليات، والنفسيات تختلف تبعا لاختلاف البيئة الطبيعية والاجــتماعية التي تحـــــيط بالأمة ، فالشعوب تقف في العالم على درجات متسلسلة الرقي ، وكـل درجة بها مميزاتها العقلية ، والنفسية " ولكن أكبر ما امتازت به العرب حـدة الذكاء ، وحــضور البديهة ، وفصاحــة القول ، ولـــذلك كان أكـــبر مظاهر حياتهم لغتهم ، وشعرهم ، وخطبهم ، وأمثالهم  0
   " ولما كان العلم دائما نتيجة الحضارة إذ فيها يكـــثر المال ، وتـــتوفر سبل العيش ، فيجد قوم من وقتهم 000 مع سهولة الحصول على عـيشهم ما يمكنهم من التفرغ للعلم ، والبحث في نظرياته وقضاياه " 0
  وهذا ما تحقق للعرب في هذا العصر فبخروج العرب من جزيرتهم ، وامتزاجهم بحضارات ، وثقافات متعددة تقدمت الحياة العقلية تقدما ملحـوظا في شتى الــفنون ، والعلوم " فتتقدم الثقافة الإسلامية ، ويرتقي المــــــستوى الفكري ، وتظهر النـــتيجة لذلك حاجة ملحة إلى بحث العــــــــقائد الدينيـة ، والآثار المنقولة ، بحــــثا يعتمد على الفلسفة الـــــتي بدأ القــــــوم يدرسونها ويفهمـــونها ، فتتــكون الفـــرق الكلامية ، ويثـــــور الجــــدل بــــين الفرق الإسلامية 000 وكان الأدب العربي يتأثر بهذه الأحــــداث العميقة التي تهز العالم الإسلامي هزا عنيفا " 0
النثــــــر الفــــــــني في العصر العباسي :
طرأت تطورات جديدة على النثر في الجاهلية وعصر صدر الإسلام والعصر الأموي بفعل امتزاج الثقافات الفارسية واليونانية والهندية، عن طريق النقل والترجمة والاقتباس ونظراً إلى أن العباسيين أقاموا دولتهم معتمدين على العنصر الفارسي فقد حاولوا أن يبينوا هذه الدولة بالطريقة الفارسية من حيث إنشاء الدواوين والوزارات التي أخذ الكتاب يتنافسون في تقلد مناحيها ، إذ إنه كان يشترط فيمن يستوزر أن يكون صاحب قدرة وثقافة واسعة وقد أظهر النثر العربي في هذا العصر مرونة جعلته يستوعب ينابيع الثقافات المختلفة إذ لم يعد يقتصر هذا النثر على الجانب الخطابي ، ولم يعد يكتف بالحكمة الفطرية بل اعتمد على الفلسفة والعلوم والمعارف المختلفة والتاريخ وأصبح يحمل مضامين تلك العلوم ، وظهر النثر العلمي والنثر الفلسفي والنثر التاريخي – النثر اللغوي – النثر الشعري والنثر الجدلي…
وكان المعتزلة والمتكلمون قد جعلوا صناعة الكلام لديهم تقوم على:
1- إحسان من الكلام .
2- ربط المناظرة بالمسائل الدينية و العقيدية .
3- الاعتماد على بعض المعاني الفلسفية .
4- اتخاذ أسلوب البراعة في القول.
وقد بلغ النثر العباسي ذروته على يد أبي العلاء المعري في رسالة الغفران التي قلّدها الايطالي (دانتي) في (الملهاة الإلهية).
عوامل ازدهار النثر في العصر العباسي :
1)     التقاء الآداب العربية بالآداب الأخرى ( الترجمة ، والتعريب ).
2)     ارتقاء الثقافة ، ونضوج العقل ؛ نظرا لامتزاج بين العرب وغيرهم من الأمم.
3)     تفاعل النثر مع العلوم والمعارف التي اكتسبها العرب من الأمم الأخرى .
4)     كثرة العلماء والمفكرين الذين اخلصوا في عملهم سواء من العرب أم الموالي .
5)     الاستفادة من الحضارات الأجنبية المتعددة التي استوعبتها الحضارة العربية ، وتأثرت بها وأثرت فيها .
6)     الاستقرار السياسي في أطول فترات هذا العصر ، مما ساعد على الاستقرار الفكري ، والتطور العقلي ، وعمق البحث .
مظاهر ازدهار النثر ورقيه في العصر العباسي :
1)     تطور النثر من حيث الفكرة ، والصورة ، والعبارة ، وهي عناصر الأسلوب . فمالت الفكرة إلى الدقة والعمق ، والترتيب المنطقي ، كما كثرت الصور البلاغية ، وتنوعت العبارة بين الإيجاز ، والإطناب ، والمساواة.
2)     اتساع موضوعاته ، وتعدد فنونه .( نثر أدبي ، علمي متأدب ، علمي خالص ) وتنوعت فنونه بين  ( الكتابة ، والخطابة ، والمقامات ).
3)     ظهور مذاهب فنية متعددة( ابن المقفع ، الجاحظ ، ابن العميد، القاضي الفاضل ). 4)   منافسته للشعر ، وسمو قدره .
فنون النثر في العصر العباسي
طال النثر العباسي خطوات كبيرة، فواكب نهضة العصر وأصبح قادراً على استيعاب المظاهر العلمية والفلسفية والفنية كما أن الموضوعات النثرية تنوعت فشملت مختلف مناحي الحياة ..
فـالكتابة الفنية توزعت على ديوان الرسائل والتوقيعات وغيرها .. وكان المسؤولون يختارون خيرة الكتاب لغة وبلاغة وعلماً لتسلم الدواوين، ولاسيما ديوان الرسائل الذي كان يقتضي أكثر من غيره إتقان البلاغة والتفنن في الإبداع، و مستوى رفيعًا من الثقافة. إضافة إلى النثر الفني المتمثل في القصص و المقامات و النقد الأدبي، و النوادر، و الأمثال و الحكم ، و التدوين، و الرحلات، و التاريخ، و العلوم. وكلها فنون لها نصوص رائعة دالة على تمكن عالٍ من أدوات الإبداع النثري.
وظهرت الرسائل الأدبية التي تضمنت الحكم و جوامع الكلم و الأمثال و الفكاهات و كانت موضوعات الرسائل تتراوح بين الأخبار و الأخوانيات ، والاعتذار وغير ذلك وراجت الرسائل الطويلة في العصر العباسي فتناولت السياسة والأخلاق والإجتماع، كرسالة الصاحبة لابن المقفع، ورسالة القيان ورسالة التربيع والدوير للجاحظ، ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري.
وعظم شأن القصص في العصر العباسي، فاتسع نطاقه وأصبح مادة أدبية غزيرة، وتنوعت المؤلفات القصصية فأقبل الناس على مطالعتها وتناقلها ومنها ما اهتم بالحقل الديني ككتاب قصص الأنبياء المسنى بالعرائس للثعلبي، وقصص الأنبياء للكسائي، وقصة يوسف الصديق ، وقصة أهل الكهف ، وقصة الإسراء والمعراج ومنها القصص الاجتماعية والغرامية والبطولية ككتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني، وقصص العذريين، وسيرة عنتر، وحمزة البلوان، وسواها ومنها القصص التاريخية التي تناولت سير الخلفاء والملوك والأمراء كما عرف العصر العباسي القصص الدخيلة المنقولة، نذكر منها كليلة ودمنة، وكتاب مزدك، وكتاب السندباد، وبعضاً من ألف ليلة وليلة، وأكثره خيالي خرافي يدور بعضه على ألسنة الحيوان.
وإلى جانب القصة ازدهر أدب الأقصوصة، وكتاب البخلاء للجاحظ خير مثال على هذا النوع من الأدب وقد امتاز الأدب القصصي العبسي بدقة الوصف والتصوير وبراعة الحوار، والقدرة على استنباط الحقائق وتصوير مرافق الحياة، وتسقط العجائب والغرائب، والكشف عن العقليات والعادات والتقاليد.
وفي العصر العباسي ظهر فن المقامة، وضعه بديع الزمان الهمذاني، ولقي كثيراً من الرواج في العصر العباسي وما بعده .. وهو سرد قصصي يتناول الأخلاق والعادات والأدب واللغة , ويمتاز بأسلوبه المسجوع وإغراقه في الصناعة وكثرة الزخارف والمحسنات المتنوعة .. وفضلاً عما ذكرنا اهتم النثر العباسي بتدوين العلوم على أنواعها وهذه العلوم كانت إما عربية إسلامية كعلوم الشريعة والفقه والتفسير والحديث والقراءات والكلام والنحو والصرف والبيان وغير ذلك، وإما أجنبية التأثير كالمنطق والفلسفة والرياضيات والطب والكيمياء والفلك وعلم النبات والحيوان وغير ذلك. بهذا حاولنا أن نلقي نظرة على الأدب العباسي، شعره ونثره، وأن توضح أهم ما تناوله من موضوعات وما امتاز به من خصائص عامة.
أرى أن الطريقة المدرسية التاريخية التقليدية الجافة!! في عرض أعلام الأدب للمتلقين تحتاج إلى معاودة نظر ، وإلى تطوير وتحديث .
المقامات: نشأةً وتطورًا
المفهوم : للمقامة تعريفات كثيرة ،تختلف تعبيرًا وتتفق تفكيرًا، يمكن الخلوص إلى مفهوم شامل لها نصه: هي حكاية قصيرة، قد تكون في صفحتين أو أكثر قليلاً، بحيث تُلقَى في مجلس واحد، وأسلوبها متصنِّع بيانيًّا وبديعيًّا، وتشتمل على عِظَة أو مُلحَة أو نادرة أو مغامرة، وتنتهي عادة بمفاجأة غير متوقعة، لها راوٍ، وبطل يعتمد على الحيلة ووسائل الخداع والتلون ليحقق غرضه، وهو الكدية( الشحاذة) غالبًا.
وهذا المفهوم جمع بين متطلبات شكل المقامة ومضمونها، ويمكن تفكيكه إلى الأركان الآتية حسب ورودها في النص المقامي:
1-الراوي .    2- المجلس .    3- الحكاية .     4- اللغة المتصنعة .     5- الحوار .      6- البطل .      7- النُّكتة أو الفكرة أو العظة أو المفاجأة (المغزى).

نشأة المقامة ورائدها
والمقامة فن عربي أصيل في بيئته ومخترعه وشكله. وليس كما يزعم أحد الباحثين من أنه فارسي !! ذلك لأن أول نص مقامي عُرِف عند الأعاجم كان بعد ترجمة مقامات الحريري إلى السريانية، كما أن رائد المقامة الفارسية القاضي حميد الدين البلخي (ت 559هـ) اعترف بتقليده للحريري في إبداعه، كما اعترف كثير من مؤرخي الأدب المحدثين : مستشرقين وعربًا، بعروبة هذا الفن النثري الحكائي الرائع . وقد جاءت المقامة مزيجًا رائعًا من تيارين مُسَيْطِرَيْنِ في القرن الرابع الهجري: تيار اجتماعي حيث شيوعُ الحِرْمان والفقر والتسوُّل في الطبقات الوسطى والدنيا، وتيار فني حيث شيوعُ مذهب التصنُّع والتكلف الأسلوبي في طبقة النُّخْبة المثقفة المبدعة أدبيًّا . وقد اختلفت كلمة المؤرخين في رائدها على النحو التالي :
- أرجع ابن عبد ربه (ت 382هـ) المقامات إلى عهد أبعد من القرن الرابع الهجري معددًا نصوصًا ذُكِرتْ فيها لفظة المقامة، ويمكن تأويلها على المدلول اللغوي لا الاصطلاحي .
- يذهب الحصري ( ت نحو 413هـ) صاحب (( زهر الآداب )) إلى أن بديع الزمان الهمذاني تأثر بأبي بكر بن دريد الأزدي في أحاديث الأربعين، ويؤيد ذلك د/زكي مبارك، ود/شوقي ضيف ـ رحمهما الله تعالى ـ لأن من معاني المقامة الحديث، كما أن أحاديث ابن دريد مصوغة في شكل رواية وسنَد يتقدمها، ثم هي غالبًا مسجوعة، وتمتلئ باللفظ الغريب، وهي أحاديث أُلِّفت لغرض تعليم الناشئة اللغة ، بالضبط كما حاول بديع الزمان في أحاديثه ، وان كانت خفيفة رشيقة .
- يذهب الحريري والقلقشندي (ت831هـ)إلى أن الهمذاني له فضل السبق في ابتداعها وعملها، فهو سبّاق غاياتٍ وصاحب آيات، وان المتصدي بعده لإنشاء مقامه، ولو أُوتِي بلاغة قدامة، لا يغترف إلا من فُضالَته، ولا يسري ذلك المسرى إلا بدلالته .

- أما المحدثون من مؤرخي الأدب فقد اختلفوا أيضًا، فقد ذهب كارل بروكلمان مذهب ابن عبد ربه إلى أن المقامات ـ كلفظ ـ موجودة في التراث العربي منذ وجوده، ففي الجاهلية كانت تعني "مجتمع القبيلة"، وفي العصر الأموي كانت تدور حول مفهوم ديني خصوصًا لدى طبقة الزُّهَّاد والمتصوِّفة، ثم تطورت إلى المدلول الأدبي في القرن الثالث الهجري وما بعده.
- ويذهب جرجي زيدان إلى أن أحمد بن فارس ( ت 395 هـ ) شيخ الهمذاني هو رائد المقامات ومخترعها، ولا دليل له على ذلك!!!
والرأي الراجح
 المقبول تاريخيًّا وعقليًّا أن الهمذاني هو رائد المقامات، اخترعها مصطلحًا ونصًّا، متأثرًا في ذلك بثلاثة أدباء أعلام، هم :
*ابن دريد الذي وجَّه الهمذاني وجهةً شكليةً تعليمية بأحاديثه .
* الجاحظ الذي ألهم الهمذاني المضمون الأساسي لمقاماته وهو الكُدْيَة، وذلك عن طريق رسالته التي تحدث فيها عن الكُدْيَة والمُكْدِين من حيث وسائلُها وأقاصيصُها .
* الشاعر أبو دُلَف الخزرجي، المعاصر لبديع الهمذاني، والذي قدم له نموذجًا واقعيًّا لبطل مقاماته (أبي الفتح الإسكندري) فهو جوَّال جوَّاب محتالٌ في كسب الرزق بالأدب والشعر...
وقد تبع الهمذاني وقلده في هذا الفن جمهور غفير من أدباء العصر العباسي والمملوكي والعثماني والحديث . من أشهرهم: الحريري، وصلاح الدين الصفدي، والسيوطي، وشهاب الدين التلمساني، وحافظ إبراهيم، ... و غيرهم. مع تطور ـ إلى درجه كبيرة ـ في طريقة بنائها تعبيريًّا وتفكيريًّا.
ورغم هذا الحضور الإبداعي لفن المقامة إلا أنه لم يحظَ باهتمام نقدي تراثي، فقد تجاهله كبار النقاد، ولم يشيروا إليه أية إشارة ايجابية على الإطلاق، ويُستَثْنَى من ذلك عبارة أو عبارات موجزة خاطفة عند ترجمة الهمذاني أو الحريري، على النحو الذي نجده عند القلقشندي في موسوعته "صبح الأعشى" الذي وصف المقامات بأنها "في الغاية من البلاغة وعلوِّ الرتبة في الصنعة"!!
بل إن ناقدًا كابن الأثير ازدرى المقامة، وفضّل فنَّ الكتابة عليها، متجنيًا على الحريري وناقمًا عليه !! ولم يُعرَف فضل المقامة نقديًّا إلا في العصر الحديث على يد د/ زكي مبارك، ود/ شوقي ضيف، والباحثين في الأدب المقارن مثل الدكتور محمد غنيمي هلال، والدكتور عبدالحكيم حسان، والدكتور الطاهر مكي... وغيرهم ممن ألفوا في فن المقامة من حيث تاريخه وأعلامه وقيمته .

قيمة فن المقامة :
رغم أن هذا الفن متكلف الأسلوب، يتجاهله الكثيرون بسبب ذلك إلا أن هنا نجد له آثارًا طيبة اجتماعيًّا وثقافيًّا ونقديًّا، على النحو التالي:
• المقامة مُعَلِّّمةٌ : المقامة بين أجناس النثر كالمنظومات العلمية في أجناس الشعر، تُعلّم متذوقها وحافظها غريبَ اللغة، وجليل العبارات، وكيفية بناء الأسلوب المسجَّع المتصنِّع، فهي تقدم رصيدًا معجميًّا رائعًا، ووسيلة للتمرن على الإنشاء المتأنق بيانيًّا وبديعيًّا، ومستودعًا للحِكَم والتجارب الإنسانية المؤثرة.
• المقامة مُثَقِّفةٌ: كانت في البداية مُوسعةً لغوية أو جمهرة أدبية، ثم تطورت إلى مُوسِعة علمية متخصصة، منها الطبية، والتاريخية، والجغرافية، والدينية، والفكرية . وتتبُّع أسماء مقامات الهمذاني والحريري ـ فقط ـ يدل على ذلك .
• المقامة مُصَوِّرة : تعد المقامة وثيقة تاريخيةـ إلى حد ما- تسجل جزءًا من عالمنا الإسلامي زمانيًّا ومكانيًّا وحياتيًّا، فهي وصف للعادات والأحداث والتقاليد البارزة في الطبقات الوسطى والدنيا .
• المقامة مُمْتِعةٌ: جاءت المقامة في أطار قصصي فكاهي غالبًا، وعقلي أحيانًا كإطار ترغيبي مُشَوِّق، ينتهي بمفاجأة هزلية . وقد وصلت بعض المقامات إلى درجة عالية من الحَبْكة بين أجزائها، وإحداث عقدة مثيرة ومؤثرة .
• المقامة مشرِّفةٌ نقديًّا : شرّفت المقامة الأدب العربي القديم، إذ كانت دليلًا نصيًّا على إدراك العرب للفن القصصي، بل إن بعض المقامات وصلت إلى مستوى عالٍ من الفن، يجعلها قصة عصرية – بكل تِقْنِيَاتِها – تنوء عن مضارعتها اليوم (القرن الحادي والعشرون ) أية قصة في تحليل الشخصيات ودرس النفسيات. وتعد المقامة الأسدية، والمقامة البشرية من الأقاصيص ذوات العُقَد . ولو استدعى نظر الأدباء قديمًا في المقامة من خيال أكثر من الصياغة، لكان يمكن أن تكون أساسًا لفن القصة القصيرة . وكان يمكن أن تكون أخصب جنس أدبي عربي لو لم تنحرف عن النقد الاجتماعي في مضمونها، إلى ميدان المُماحكات اللفظية والألغاز اللغوية والتصنُّع التعبيري الذي لا طائل وراءه . وتعد ـ كذلك ـ نواة للمسرحية العربية الفُكاهية(الملهاة)، إنها في هذا الميدان تحتاج ـ فقط ـ إلى سيناريست مبدع أصيل .
تأثير الحضارات الأخرى في الأدب العباسي :
أ‌- التأثير الفارسي:
كان التأثير الفارسي في الحضارة الإسلامية أقوى في مجال الأدب حيث كان الأدب الفارسي الشرقي اقرب إلى ذوق العرب و أحاسيسهم من الأدب اليوناني.
في العصر العباسي قام من يجيدون اللغتين الفارسية و العربية بترجمة الكتب الفارسية و من هؤلاء :
- عبدالله بن المقفع - أبناء خالد - الحسن بن سهل
و نخص بالذكر المقفع حيث ترجم تاريخ الفرس و قيمهم و عاداتهم و سير ملوكهم فضلا عن كتب أدبية منها:
- كليلة و دمنة - الأدب الكبير - الأدب الصغير - كتاب اليتيمة
لم تكن حضارة الفرس في مجال الأدب فقط فقد امتلكوا تراثا في العلوم الأخرى كالهندسة و الفلك و الجغرافيا، لكن تأثير اليونان في العلوم العقلية كان أقوى من تأثير الفرس.
ب‌-التأثير اليوناني:
التأثير اليوناني في الأدب كان محدودا و لا يزيد عن نقل بعض الكلمات مثل:
- القنطار - الدرهم - القسطاس - الفردوس - بالإضافة إلى بعض الحكم
كانت الحضارة اليونانية ذات تأثير قوي في العلوم العقلية و هذا نتج عن معتقدات اليونان أنفسهم و اهتمامهم بالعقل و ارتفاع شانه على حساب الأعمال اليدوية أو المجال الأدبي، فنقل العرب عنهم في مجال الفلسفة عن أفلاطون و أرسطو و في مجال الطب عن جالينوس و ابقراط.
لبرز مظاهر التأثير اليوناني كانت خلال العصر الهلينستي حيث امتزجت حضارة اليونان بالقسم الشرقي و اخذ المسلمون منهم ما يتوافق مع الإسلام و نبذوا ما يتعارض معه.
ت‌- التأثير الهندي:
حركة الفتوح الإسلامية امتدت إلى الهند في أواخر القرن الأول الهجري، أي في خلافة الوليد بن عبدالملك( 86 -96 ﻫ) و استؤنفت في منتصف القرن الثاني الهجري في عهد أبي جعفر المنصور ( 136- 158 ﻫ) و نشطت مرة أخرى في القرن الخامس الهجري، و ذكر في ذلك بعض المؤرخين:
- الجاحظ:" اشتهر الهند بالحساب و علم النجوم و أسرار الطب".
- الاصفهاني: " الهند لهم معرفة بالحساب و الخط الهندي و أسرار الطب و علاج فاحش الداء....".
جزء كبير من ثقافة الهند و علومهم انتقل إلى فارس بحكم العلاقات التجارية بين الطرفين قبل الإسلام و من ذلك أن كسرى انوشروان أرسل طبيبه برزويه إلى الهند لاستحضار كتب و مؤلفات في الطب فعاد بالكثير منها و يقال أن قصة كليلة و دمنة انتقلت من الهند ضمن ما نقله برزويه من كتب بالإضافة إلى لعبة الشطرنج.
. تطور حركة الترجمة و ازدهارها:
حركة الترجمة إلى العربية أخذت تتسع و تزداد قوة في العصر العباسي بفضل:
1. تشجيع الخلفاء العباسيين و رعايتهم لهم و قد فتحوا بغداد أمام العلماء و اجزلوا لهم العطاء و أضفوا عليهم ضروب التشريف و التشجيع بصرف النظر عن مللهم و عقائدهم. في حين أن حركة الترجمة في العصر الأموي كانت محاولات فردية لا يلبث أن تذبل بزوال الأفراد.
2. غدت ركنا من أركان سياسة الدولة فلم يعد جهد فردي سرعان ما يزول بزوال الأفراد سواء حكام أو غير ذلك بل أصبح أمرا من أمور الدولة و ركنا من أركانها.
و في حين أن الترجمة في العصر الأموي اقتصرت على الكيمياء و الفلك و الطب، نجد انه في العصر العباسي صارت أوسع نطاقا بحيث شملت الفلسفة و المنطق و العلوم التجريبية و الكتب الأدبية.
من أمثلة اهتمام الخلفاء العباسيين بالعلماء و المترجمين:
1. الخليفة أبا جعفر المنصور ( 136- 158 ﻫ) : و قد عني بترجمة الكتب إلى العربية سواء من اليونانية أو الفارسية، و في تلك المرحلة نقل حنين بن إسحاق بعض كتب ابقراط و جالينوس في الطب و نقل ابن المقفع كتاب "كليلة و دمنة" من الفهلوية.
2. هارون الرشيد (170 -194 ﻫ): عندما كثر أعداد العلماء في بغداد انشأ لهم دار الحكمة لتكون بمثابة أكاديمية علمية يجتمع في رحابها المعلمون و المتعلمون و حرص على تزويدها بالكتب التي نقلت من آسيا الصغرى و القسطنطينية.
3. المأمون ( 198-218 ﻫ) : ازداد اهتماما ببيت الحكمة، فوسع من نشاطها و ضاعف العطاء للمترجمين و قام بإرسال البعوث إلى القسطنطينية لاستحضار ما يمكن الحصول عليه من مؤلفات يونانية في شتى ألوان المعرفة، فاخرج المأمون لذلك جماعة منهم الحجاج بن مطر، و ابن البطريق فاخذوا مما اختاروا و قد ذكر ابن النديم انه كان بين المأمون و إمبراطور القسطنطينية مراسلات بهذا الشأن.
في العلوم الإسلامية : أبو حنيفة , مالك , الشافعي , ابن حنبل , و من البصريين عيسى بن عمر الثقفي و أبو عمرو بن العلاء والكوفيين أبو جعفر الكراسي و الكسائي و الفراء, محمد بن عمر الواقدي .
في الأدب :  و هم كثيرون :
في الشعر: ابن العتاهية العراقي صاحب الزهديات ,و أبو نواس البصري منشد الخمريات ,و أبو تمام السوري صاحب الحماسة ,و تلميذه البحتري السوري , و امتنبي الكوفي أمير الشعراء, و شاعر الفلاسفة أبي العلاء المعري ,و غيرهم كثار.
في النثر : و ظهر المترجمون :ابن المقفع الفارسي الأصل مترجم كليلة و دمنة ,و الطبيب جورجيس بن بختيشوع و الحجاج بن يوسف بن مطر , و المبدعون أمثال الجاحظ صاحب البخلاء و بديع الزمان الهمذاني سيد المقامات ,و سهل بن هارون و غيرهم .
في الرياضيات : و نظرا للتطور المبهر لهذا المجال فلابد من عباقرة قادوا هذا الازدهار أمثال أبو عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي و كذا أبناء شاكر
في الطب : أبو بكر الرازي جالينوس العرب صاحب أكبر كتاب في الطب ٌ الحاوي ٌ , ابن النفيس , ابن سينا,ابن البيطار , و الصيادلة :أبو القاسم الزهراوي ،الطبري , ابن زهر , موسى بن العازر,أبو قريش عيسى الصيدلاني , ابن الوافد , الإدريسي ,البغدادي و غيرهم
نظراً لامتداد العباسيين في فترة القوة واقتدارهم وسيطرتهم على مقاليد الخلافة، توسعت الحياة وتدفقت الأموال وتوافدت إلى العاصمة عناصر أعجمية طبعت الحياة الاجتماعية بمنهاج تفكير جديد حيث اختلطت العادات و الأعراف الأعجمية مع الأعراف العربية، وقويت شوكة الحركة الشعوبية واهتمت الدولة بالزراعة وشق الأمنية للري وعززت الصناعة، ومال الناس إلى اللهو وشاع الفراغ فتفننوا في المأكل والملبس والمشرب وراحت أسواق الغناء والرقص وشاع التسري ، وانتشرت تجارة الرقيق ومال الناس إلى ممارسة هويات مختلفة كالصيد والشطرنج وسباق الخيل، وزاد الاهتمام بالعلماء والأدباء والشعراء والمغنين والموسيقيين فأصبحت مجالس هؤلاء تعج بها بلاطات الخلفاء والأمراء.
-       الحياة الفكرية والأدبية:
حاول الخلفاء العباسيون بناء دولتهم على غرار بناء الدولة الفارسية فاهتموا بالأدباء والشعراء لما لهم من أثر كبير في بناء الدولة وتقدم سيرها وفتحوا أمام أرباب العقول والمذاهب ورجال الفكر حرياتٍ واسعة وكثر الباحثون والدارسون وأئمة المذاهب الدينية وتم تدوين الحديث وتسجيل اللغة والشعر، وكثر المترجمون عن اليونانية والسريانية، ونشأت فلسفات حياتية ودينية وزهدية انطلقت من مزج الدين بالفلسفة أحياناً، وتسلح العلماء والأدباء بالجدل والمنطق، وقد كان الفكر الاعتزالي من أهم التيارات الجارفة في العصر العباسي حتى إن المأمون اعتنق هذا المذهب رسيماً وشايعه على ذلك المعتصم والواثق، وتفرعت المعتزلة إلى فرق أهمها (البشرية) نسبة إلى بشر بن المعتر الهلالي، و(الثمامية) نسبة إلى ثمامة بن أشرس، والهذبية نسبة إلى أبي الهذيل العلاّف و(النطاعية) نسبة إلى أبي اسحق النظّام، و(الجاحظية) نسبة إلى أبي عثمان عمرو الجاحظ.
وكانت البصرة المرتع الخصيب للاتجاه الاعتزالي والتي كانت قد احتضنت الجاحظ فكراً وأدباً وشخصيته إذ أنها مركز حساس يصل إيران بالعراق والجزيرة العربية بالشام أيضاً، وقد وصف الجاحظ عصره وبيئته قائلاً:
"وقد أمكن القول، وصلح الدهر، وهبت ريح العلماء وكسد الحيّ والجهل، وقامت سوق البيان والعلم".
الأسباب التي أدت إلى نهضة الأدب في العصر العباسي  :
على الرغم من الانحلال السياسي الذي أصاب الدولة العباسية في العصر العباسي
الثاني إلا أن الأدب شعرا ونثرا ظل مزدهرا وذلك لوجود عدة عوامل منها :
-حرص الخلفاء على نقل العلوم عن الحضارات الأخرى كالفارسية والهندية واليونانية
-تشجيع الترجمة ودراسة هذه الآثار وتحليلها والإضافة عليها ، ولم يكن العرب مجرد ناقلين .
-ازدهار الثقافة الدينية والاهتمام بالتفسير وعلوم الحديث .
-ازدهار العلوم اللغوية وظهور مدرستي البصرة والكوفة في النحو والاهتمام بالنقد الأدبي .
 - ظهور تيار جديد في الشعر العربي، يسمى مذهب المحدثين ،أحدث نوعاً من التجديد في منهج بناء القصيدة العربية ، وأكثر من البديع .
سمات الأدب في هذا العصر :
-النضج العقلي والعلمي .
-اهتمام الحكام بالعلم والثقافة والفن والأدب .
-تعدد الحواضر الأدبية من مثل القاهرة ودمشق وحلب وقرطبة .
 - التنافس الشديد بين الدويلات ومنافستها بعضها البعض فى جذب الشعراء والعلماء والأدباء والفنانين .
-التنافس الشديد بين الشعراء وذلك ليحظوا بالمكانة المرموقة .
-ظهور حذاق في الشعر والأدب كالمتنبي وأبى العلاء المعرى .
-الامتزاج بين أبناء الأمة العربية وغيرهم من الأجناس الأخرى ونشأة جيل جديد من المولدين يحمل الخصائص العربية والأجنبية ( مثل بشار بن برد وابن الرومي ) .
-انتشار التطور الحضاري المادي مثل بناء القصور والحدائق والتماثيل والنافورات ووصف الشعراء لكل هذه المظاهر مما أثرى الدرس الأدبي .
-الرقي الثقافي الذي اتسعت آفاقه عن طريق التأليف والترجمة ومجالس العلم والثقافة.


أساليب النثر وخصائصه  في العصر العباسي
أ‌-      أساليب النثر في العصر العباسي:
نظراً لتطور فن النثر في هذا العصر انطلاقاً من الحاجة لبعض فنونه ( الرسائل الديوانية) أو إظهار القدرة والتفنن في ذلك من خلال الرسائل الديوانية والأخوانية فإن الكتاب اهتموا بهذا الفن وصنعوا له طرقاً مختلفة ولكنها تلتقي في نقطتين أساسيتين تظهران أسلوب النثر في ذلك العصر :
1-     ايصال المعنى الدقيق والطريف إلى القارئ .
2-     إثارة الجمال في نفس القارئ والسامع .
وبذلك يكون أسلوب النثر قد انتهج طريقاً واضحاً لايصال المعنى ، وقد أوضح الجاحظ في مقدمة كتابه " البيان والتبين " هذا الطريق من خلال اعتماد النقاط التالية:
1- فصاحة الألفاظ.   2-عدم تنافر الحروف.
3-     أداء الألفاظ للمعاني الدقيقة .
4-     اعتماد أسلوب البلاغة العربية في توصيل المعاني.


ب‌-    خصائص النثر :
بما أن كتاب النثر في العصر العباسي اطلعوا على ما كتب في النثر في المصادر العربية كالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، والمصادر الهندية واليونانية من خلال ما ترجم من كتب فلسفية ، فإن كتاب النثر اعتمدوا في كتابة منثوراتهم على خلط الطريقتين العربية والأعجمية مما جعل النثر يتميز بخصائص مختلفة بين الكتاب ويمكن حصرها بـ:
1-     استعمال الألفاظ المتوسطة التي تنفي الألفاظ المتوعرة والألفاظ السوقية الساقطة.
2-     ايجاد ضرب من التلاؤم الموسيقي الذي يكسو الكلام كسوة الازدواج والترادف الصوتي وكلام البديع.
3-     اعتماد مذهب السجع.
4-     التركيز على تصنيع العبارة وترصيعها وزخرفتها .
5-     اللجوء إلى المبالغات والتهويلات والاعتذار بكثرة العبارات المنمقة.
ملاحظة:
وقد وصل النثر في هذا العصر إلى درجة الاهتمام بالشكل أكثر من المضمون بحيث تبدو القطعة النثرية المكتوبة مقصودة لذاتها ، يريد الكاتب أن يعبر عن مقدرته وموهبته فيها أكثر مما يريد أن يعبر عن معنى من المعاني التي يحتاجها الإنسان .
أهم كتاب النثر في العصر العباسي:
من ابرز  كتاب النثر في هذا العصر الجاحظ وابن المقفع وسهل بن هارون وأبو بكر الخوارزمي وبديع الزمان الهمذاني و الحريري.
وقد اهتم ابن المقفع وسهل بن هارون بمذهب الصنعة في العصر العباسي ، وترجع أهمية بن المقفع في النثر العربي إلى أنه يعد أفضل من نقل الثقافة الفارسية إلى العربية ، وما نقل إلى الفارسية من ثقافات يونانية أو هندية ، وقد ترجم كتاب "كليلة ودمنة " إلى أكثر من ثلاثين لغة كبرى لما لهذا الكتاب من أهمية كبيرة وقد كان (جوته) وكثيراً ما يذكران أن طفولتيهما عامرة بما ترجم عن العربية ( كليلة ودمنة – ألف ليلة وليلة)
الأدب الأندلسي  سماته وأغراضه
دخول العرب إلى الأندلس:
يا أهل اندلس لله دركم ماءٌ وظلٌ وأنهارٌ وأشجار
ما جنة الخلد إلاّ في دياركم   ولو تخيرتُ هذا كنت أختار
ما إن انتهى موسى بن نصير من فتح بلاد المغرب العربي حتى كلّف أحد قادة الجيوش طارق بن زياد بالعبور إلى مضيق الجبل المسمى باسمه والانطلاق إلى بلادٍ جديدة تتميز بالسحر والجمال والخير الوفير.
ذلك أن ملوك القوط وعلى رأسهم الملك (لذريق) كانوا قد سيطروا على البلاد سيطرة ظلم وحاولوا إجبار اليهود المقيميين في تلك البلاد على التنصر، فما جعل هؤلاء اليهود يتعاونون مع الفاتح الجديد ويقدمون له الخدمات ويقودون الجيوش الجديدة إلى مدن الأندلس إضافة إلى أن (يوليان) أحد ملوك مدن المغرب الساحلية قد اراد الانتقام لابنته التي كانت تعمل وصيفة في بلاط الملك (لذريق) والذي انتزع هذا الملك عفتها بحيث جعل (يوليان) يقدم السفن للعرب الفاتحيين ناهيك عن أنّ العرب أنفسهم كانوا يحملون رسالة القرآن إلى البلاد الجديدة التي يريدون فتحها ولم يمض عام (592هـ) حتى أصبح الأندلس إمارةً عربية كرّست بناء الدولة إذ أنه أعاد الخلافة الأموية إلى الأرض الأندلسية بعد غيابها من الأندلس.
وهكذا استقر العرب المسلمون في تلك البلاد وسموا مدنها باسم مدن المشرق ، ونهضوا بعمرانها نهضة قوية وحاولوا مطاولة الخلفاء العباسيين من حيث مقاومة الافرنج والوصول إلى مشارف مدينة (باريس) في معركة (بلاط الشهداء) .
ومن حيث بناء المدن والقصور التي ما تزال شامخة إلى يومها هذا كقصر الحمراء.
ومن حيث الارتقاء الثقافي المعرفي والأدبي حيث تشكلت نهضة كبيرة في الأدب والدين والفلسفة والغناء والموسيقى.
ومما يلفت النظر شيوع الشعر في المجتمع الأندلسي، إذ لم يكن الشعر وقفًا على الشعراء المحترفين، وإنما شاركهم في ذلك الأمراء والوزراء والكتاب والفقهاء والفلاسفة والأطباء وأهل النحو واللغة وغيرهم، فالمجتمع الأندلسي بسبب تكوينه الثقافي القائم على علوم العربية وآدابها، ثم طبيعة الأندلس التي تستثير العواطف وتحرك الخيال، كل ذلك جعل المجتمع يتنفس الشعر طبعاً وكأنما تحول معظم أهله إلى شعراء , وسوف نتحدث هنا عن اتجاهات الشعر الأندلسي وأغراضه الشعرية  .
أ ـ اتجاهات الشعر الأندلسي :
       اتجه الشعر في الأندلس إلى ثلاثة اتجاهات :
1ـ الاتجاه المحافظ :
 الذي يهتم بالموضوعات التقليدية ويتبع منهج القدماء في بناء القصيدة من حيث الأسلوب البدوي، حيث تحوي ألفاظه جزالة وعبارات لا تخلو من خشونة وحوشيّة، أما بحوره فطويلة وقوافيه غنائية، ويحتذي هذا الاتجاه نماذج المشرق.
   أما الغزل فكان يعبر عن الحب الصادق، فلا مجال إلا لفارس عاشق أو عاشق فارس يُذكر بعنترة بن شداد، ولعل أهل الأندلس كانوا يتمثلون عالم الآباء والأجداد، حيث الصحراء والكثبان والواحات وهم في عالم يبعد عن ذلك العالم، وكأنهم يستلهمون العالم المثالي، وبالرغم من ذلك كان لهذا الاتجاه سماته الخاصة في الشعر الأندلسي، وقد جعلت تلك السمات لهذا الشعر ذاتية مستقلة وطبعت الملامح الأولى للشعر الأندلسي وميزته عن الشعر المشرقي، ومن أشهر شعراء هذا الاتجاه عبد الرحمن الداخل وأبو المخشي والحكم بن هشام وعباس بن ناصح وغيرهم من شعراء الفترة الباكرة.

2ـ الاتجاه المحدث :
 وهو الاتجاه الذي حمل لواءه بالمشرق مسلم بن الوليد وأبو العتاهية وغيرهما, من دعاة التجديد، الذين ثاروا على الاتجاه المحافظ وطرقوا موضوعات جديدة بأسلوب متنوع، خالفوا فيه طريقة القدماء في بناء القصيدة، وعرفت الأندلس هذا الاتجاه على يد عباس بن ناصح، حيث نقله من المشرق، وتمثل الاتجاه المحدث في الأندلس باهتمامه بأغراض لم تكن قائمة بذاتها في القصيدة من قبل، فظهرت القصائد بأسلوب قصصي لا يخلو من روح الدعابة والسخرية، أما صوره فتتألّف من عناصر حضرية في لغة يسيرة الألفاظ وإيقاع يميل إلى البحور القصيرة والقوافي الرقيقة، ويعد الشاعر يحيى بن حكم الغزال من أشهر رواد هذا الاتجاه.
3ـ الاتجاه المحافظ الجديد :
 الذي ظهر في المشرق بسبب تطرف الاتجاه المحدث ومن ثم هو محاولة لإعادة الشعر العربي إلى طبيعته وموروثه دون جمود أو بداوة، وقد عمد هذا الاتجاه إلى الإفادة من رقي العقل العربي بما بَلَغَتْه الثقافة العربية الإسلامية من نهضة واسعة في مجتمع توفرت له أسباب الحضارة، وكان هذا الاتجاه محافظًا في منهج بناء القصيدة ولغتها وموسيقاها وقيمها وأخلاقها وروحها، ولكنه مجدد في المضمون وفي معاني الشعر وصوره وأسلوبه، ويمثل أبو تمام والبحتري والمتنبي دعائم هذا الاتجاه في المشرق، وقد عرفت الأندلس هذا الاتجاه على يد نفر من الأندلسيين رحلوا للمشرق وعادوا للأندلس بأشعار البحتري وأبي تمام، وكانت فترة الخلافة في ذروة نضجها، إذ كان المجتمع الأندلسي في هذه الفترة قد تجاوز الانبهار بالمستحدثات الحضارية التي بهرت شعراء القرن الثاني وأصبح أكثر استقراراً وتعقلاً، ومن أعلام هذا الاتجاه ابن عبد ربه وابن هانئ والرمادي وغيرهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق