Pages

الأربعاء، 8 أبريل 2015

السيطرة العثمانية على العراق ولاية البصرة في العهد العثماني



السيطرة العثمانية على العراق
المطلب الاول
ولاية البصرة في الإدارة العثمانية
شهد العراق صراعا داميا بين الاقوام الغازية منذ سقوط الدولة العباسية عام 1253م,  حيث تعاقب على احتلاله اقواما مختلفة اغلبها قبائل جبلية وصفت بالشراسة والقسوة, كما انها كانت على درجة كبيرة من التخلف, كما هو الحال مع التتر وعبثهم في بغداد وتدمير حضارة قد دامت 400 سنة اثناء الحكم العباسي. ومن هذه القبائل ايضا القرة القوينلو التي رفعت الخروف الاسود شعارا لها, واخرى رفعت الخروف الابيض شعارا لها كما في الاق قوينلو. علاوة على أن الصفويين الذين استخدموا المذهب كحجة لهم في غزواتهم المتتالية على العراق. واخيرا توج العراق بالاحتلال العثماني عام 1537م  حتى زال في الحرب العالمية الاولى عام 1914 بعد فترة حكم قاربت اربعة قرون.
لقد عانى العراق في فترات الاحتلال الى تدهور شديد, حيث امتد إليه الخراب الذي شمل جميع جوانبه الاقتصادية والثقافية والاجتماعية, ولم تسلم مدنه الرئيسية من الخراب والاهمال بسبب الادارة السيئة التي جاءت بها الاقوام المحتلة. وقد وصفت بغداد في تلك الفترة والتي كانت قبلة العالم في الحضارة والتمدن ايام العصر العباسي, على انها " مجموعة من الأزقة الضيقة والبيوت المهدمة, وقد خربت جميع جوامعها التي استحال لونها الى لون السواد, حتى الاسواق التي لا تعدو ان تكون شبيه بالصحراء "(1).
أما الدولة العثمانية التي تعتبر أفضل من سابقاتها, الا انها لم تولي اهتماما في اختيار الولاة الأكفاء في ادارة الولايات, بل اعتمدت على المحسوبية والولاءات والتقرب من وكلاء السلطان (النظار) وما يدفع لهم من الاموال لقاء الحصول على منصب الولاية. واحيانا يتفق الوالي على إيجار الولاية لقاء دفع مبالغ سنوية يدفعها للسلطان العثماني, كما يحسب إيجار الولاية حسب موقعها وما تنتجه من مردودات مالية, وفي النهاية أن الاموال التي تدفع الى السلطان يسترجعها الوالي بفرضه الضرائب الباهضة والغرامات والاتاواة على بسطاء الناس من الفلاحين واصحاب الحرف البسيطة.
 والحالة هذه كما في" أفراسياب أحمد" الذي استأجر ولاية البصرة من الوالي علي باشا عام 1596 لقاء دفع ثمانية اكياس روبية على ان تستمر الولاية مرتبطة بالدولة العثمانية وتدفع الجراية السنوية لخزينة الدولة.
 
(1) د.العابد, صالح, د. نورس علاء موسى كاظم, العراق في التاريخ " عصر الغزاة " , دار الحرية للطباعة, بغداد, 1983, ص601
ولم تختفي مشكلة تأجيرالولاية طيلة الحكم العثماني, فمدحت باشا الذي شغل مناصب عدة في الدولة العثمانية كان ناقدا للحالة التي تمر بها الدولة, وقد كتب السير هنري اليوث في صحيفة ناينتيس سنشيري عام 1888 انه قابل مدحت باشا ونقل عنه قوله " ان التبذير في بلادنا قد بلغ درجة لا تطاق, فالمالية ترسل الى "المابين " فيصرفها السلطان في ملذاته, والوكلاء ( النظار) يبيعون الوظائف بيع السلع, فالوالي يشتري وظيفته من الصدر الاعظم ويذهب الى الولاية فيعامل الأهالي بانواع الظلم وضروب الجور الامر الذي خرب الولايات, وهذه هي الاسباب التي أوقعت البلاد في أزمة شديدة لا سبيل الى الخلاص منها..(1)"
إلا ان نظرة مدحت باشا الأصلاحية وسعيه في انقاذ الأمبراطورية العثمانية من سياسة الفوضى لم تسلم من تأمر أزلام السلطان وحاشيته, فقد اعتقل وسجن في قلعة الطائف ثم قتل بالسم عام 1883 (2).  
لقد حاول مدحت باشا عند تسلمه منصب ولاية بغداد عام 1869 والذي كان يتصف "بالحنكة السياسية والاصلاحية" في إصلاح الأوضاع المتردية في بغداد, ثم بعد ذلك حاول على تأكيد سلطة الدولة العثمانية على إمارات ساحل الخليج العربي, حيث ان الإدارة العثمانية في السابق قد أهملت هذه المناطق لكونها ضعيفة في إراداتها المالية التي تدخل لخزينة الدولة في اسطنبول. فأغلب أراضي هذه المناطق تتصف بالصحراوية, وغالبية سكانها بدوا يجوبون الصحراء تبعا لمراعي ماشيتهم, فمن العسير على السلطة العثمانية ان تفرض ضرائب على مثل هؤلاء, علاوة على انعدام الزراعة بسبب قلة المياه, مما جعلت انظارها تلتفت الى العراق بشكل كلي باعتباره بلد الزراعة ومصدرخيراتها.
ولاية البصرة:
كانت ولاية البصرة قبل مجئ مدحت باشا الى العراق في الربع الاخير من القرن التاسع عشر جزء من ولاية بغداد, حيث كان العراق في العهد العثماني ولاية واحدة متمثلة في بغداد, الا ان تفاقم الاوضاع السياسية والاقتصادية دفعت بالعثمانيين الى تقسيم العراق الى ثلاث ولايات هي بغداد والموصل والبصرة.
فالبصرة كانت قبل هذا التاريخ تشتعل فيها ثورات القبائل التي انهكتها تصرفات حكام الدولة العثمانية, ولغرض امتصاص الغضب الشعبي قامت بتنصيب احد ابناء البصرة هو راشد بن مغامس في ادارة شؤون البصرة, الا ان راشد نفسه الذي كانت تدفعه النزعة الاستقلالية اعلن الثورة بوجه الحكم العثماني, لكن ثورته الاستقلالية لم يكتب لها النجاح حيث فشلت عند مواجهته للجيش العثماني عام 1546 (3).

 
(1 العابد, د. صالح, د. نورس علاء موسى كاظم, مصدر سابق, ص577
(2) حتاته , يوسف كمال بيك, د. الدملوجي صديق, مدحت باشا " حياته- مذكراته-محاكمته" الدار العربية للمطبوعات, بيروت, ط1, 2002 , ص158
(3) د.العابد, صالح, د. نورس علاء موسى كاظم, مصدر سابق, ص575

بعدها اندلعت ثورة اخرى تزعمها علي آل عليان عام 1549 وقد اتخذ من المدينة (نهر صالح) قرب القرنة مقرا له, وقد فشلت محاولات السلطة العثمانية في اخمادها. بعدها توالت الحملات العثمانية في القضاء على آل عليان, حيث أفشلوا حملة عثمانية عام 1553, ثم جهزت الدولة العثمانية حملة اخرى عام 1567 اشتركت فيها قوات من الموصل وشهرزور مزودة بأربعمائة سفينة مع مئتين مدفع, والحملة بقيادة والي بغداد اسكندر باشا, فواجهت الحملة مقاومة شديدة مما حدى بالوالي الى قطع اشجار النخيل واتلاف المحاصيل الزراعية فأضطر ابن عليان الى طلب الصلح(1).
خضعت البصرة وبقية مدن العراق لحكم المماليك الجورجيين في النصف الثاني من القرن الثامن عشر نتيجة لحالة الفوضى وعدم الاستقرار التي تعيشها الدولة العثمانية, ورغبة المماليك الابتعاد عن العثمانيين واقامة حكم مستقل, وقد تمتعت البصرة في عهدهم بنوع من الرخاء والاستقلال السياسي عن مركز الخلافة العثمانية, وفي زمنهم تزايد النفوذ البريطاني عام 1789, وتم تأسيس وكالة لشركة الهند الشرقية ثم رفعت تمثيلها الى قنصلية, وارتبطوا بعلاقات تجارية مع اوربا(2) .
 بيد ان عهد المماليك أيضا لم يخل من ثورات عشائرية قد تميزت باتساعها وعمق تأثيرها, ومن أبرزها الثورة التي امتدت من الفرات الاوسط الى البصرة في عهد الوالي سليمان باشا الكبير عام 1787 , وقد تزعم هذه الثورة سليمان الشاوي من رؤساء العبيد, وثويني العبدالله شيخ قبيلة المنتفك, وحمد الحمود شيخ الخزاعل, واستهدفت القضاء على المماليك, وقد تمكن الثوار من فرض سيطرتهم على البصرة وتولى حكمها الشيخ ثويني العبدالله. الا ان حكم العرب للبصرة وتوابعها لم يدم طويلا, اذ جهز المماليك حملة كبيرة لمواجهتها, ودارت بينهما معركة رهيبة في مكان يسمى ( أم الحنطة ) قرب البصرة انتهت بعودة الهيمنة المملوكية. وقام الرحالة البريطاني في زيارة أرض المعركة وقد كتب عنها " انها لابد كانت مذبحة رهيبة, فالميدان كله مغطى بعظام الرجال و الخيول "(3).
وفي اخر عهد المماليك كان العراق يخضع لداود باشا في بغداد الذي استقل عن الدولة العثمانية, وكان يطمح ان يتبع أثر محمد علي في حكم مصر الذي تمرد على العثمانيين. وقد استطاع خلال بضع سنوات أن ينشأ جيشا قويا مدربا على النمط الاوربي في التدريب والتنظيم, الا أن سوء حظه ضرب العراق مرض الطاعون عام  1831, وانتشر بشكل عجيب في بغداد حيث كان يؤدي الى وفاة مابين 1000-  1800 في اليوم , حتى داود نفسه وحرسه الخاص وخدمه  في القصر وجيشه الذي يحيط به قد أفناهم الطاعون(4).



 
(1) العابد, د. صالح, د.نورس علاء موسى كاظم, مصدر سابق, ص577
(2-3) المصدر السابق
(4) أداموف, الكسندر, ولاية البصرة في ماضيها وحاضرها " ترجمة هاشم صالح التكريتي " , دار الوراق للنشر, بيروت, 2007, ص466- 466

أما البصرة فلم تكن بأفضل حال من بغداد, فلما تفشى فيها الطاعون قام متسلم البصرة باغلاق أبواب المدينة منعا للسكان من الهرب فأفناهم المرض, ولم يبق في البصرة بعد الطاعون من سكانها البالغ ثمانين ألفا الا عدد يتراوح ما بين خمسة الى ستة الاف. وقد زار المفوض الروسي العقيد تشيريكوف البصرة في عام 1849 أي بعد ثمانية عشر عاما من انتهاء الوباء, وجد أن كل أربعة من خمسة دور في المدينة مهجورة(1).
 وبعد سقوط حكم المماليك عاد العراق الى السيطرة العثمانية من جديد, حتى تقلد مدحت باشا ولاية بغداد (1869- 1972) التي تعتبر نقطة تحول عامة في تاريخ العراق نظرا لأعماله المتميزة خلال فترة ولايته القصيرة, حيث لم تحقق الاصلاحات العثمانية في العراق أي نجاح يذكر قبل ولايته لبغداد. فأصلاحاته الجذرية التي شملت الادارة والاقتصاد والثقافة قد شكلت أساسا متينا لقيام الدولة الحديثة في العراق.
أما فصل ولاية البصرة عن باشوية بغداد في عام 1875 حتى وان جاء بعد رحيل مدحت باشا عن العراق بفترة قصيرة, الا انها تعد من المهام الاصلاحية التي كان يسعى الى تطبيقها على الولايات العثمانية. فالعراق لم يعرف تنظيما اداريا الا في زمن مدحت باشا. حيث عرف لأول مرة في عصره الحديث تنظيما محكما ارتبطت بواسطته انحاء العراق كافة بمراكز ادارية رئيسية هي النواحي التي ترتبط  بدورها بمراكز أعلى هي الأقضية, بينما ترتبط الأخيرة بالسناجق (الألوية) التي تشكل تنظيمات أوسع هي الولايات, فأرسى بذلك دعائم الادارة الحديثة الاولى في العراق (2).
لذا كانت الضرورة تتحتم ان تنفصل الولايات عن بعضها في ادارة شؤونها, لكنها ترتبط  اداريا بالمركز الاداري في العاصمة بغداد,  وذلك طبقا لقانون الولايات العثماني الصادر 1864 لتنظيم ادارة البلاد. علاوة على اتساع مساحة البصرة حيث شملت نجد والاحساء وقطر والكويت علاوة على سناجق العمارة والمنتفك, وقد أصبحت تمتد من منتصف المجرى الأدنى لنهري دجلة والفرات حتى شبه جزيرة قطر, فالشريط الساحلي الممتد من شبه جزيرة قطر الى الكويت الذي يضم بينهما الاحساء (3).
وأول والي حكم البصرة عند انفصالها كولاية مستقلة عن ولاية بغداد, هو ناصر باشا من شيوخ المنتفك من عائلة السعدون عام 1875,  حيث منحته السلطات العثمانية هذا المنصب تكريما له على اشتراكه في حملة اخضاع الاحساء, الا  أن ادارة البصرة المستقلة لم تستمر على هذا النحو حيث انقطعت عام 1879 بعد أن استدعي واليها ناصر باشا الى اسطنبول. ثم اعيدت الى الادارة المستقلة عام 1884, ومن ذلك التاريخ اصبحت ولاية البصرة لا ترتبط بولاية بغداد (4). وظلت ولاية البصرة مرتبطة بأقاليمها التابعة لها حتى انهيار الدولة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الاولى.