الأحد، 6 نوفمبر، 2016

أساليب تعزيز السلوك الحسن

أساليب تعزيز السلوك الحسن
التربية في طبيعتها عملية توجيه للسلوك الإنساني، وإحداث تغيرات مرغوب فيها، حيث يحتاج الفرد دوماً إلى تعديل سلوكه نحو الأفضل، وهو يتأثر بما حوله من ظروف ويكتسب أنماطاً سلوكية إيجابية وأخرى سلبية، ومن واجب المربي أن يرسّخ ويعزز أنماط السلوك الإيجابي لدى المتعلم.
ولقد اهتم الرسول المربي صلى الله عليه وسلم بمعالجة السلوك الإنساني في جميع مجالات الحياة، بما يعود على الفرد والمجتمع بالخير، وربط ذلك بعقيدة الإيمان وتعامل مع جميع مراحل العمر بالاستثناء، واتسم خطابه التربوي بالوضوح والمنطقية والتلطف ومراعاة مقتضى الحال.
ولقد تميزت شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم بالكمال، حيث معلمه الله عز وجل الذي قال في محكم تنزيله : "وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا" (النساء، آية: 113).
ولقد اتسمت تربيته صلى الله عليه وسلم في "بناء الجيل القرآني الفريد من أصحابه، ذلك الجيل الذي لم يتكرر في التاريخ، وقد حرص عليه الصلاة والسلام، أن يخضع الصحابة للقرآن الكريم، فصنع جيلاً خالص القلب والتصور والتكوين من أي مؤثر غير المنهج الإلهي" (قطب، ب.ت : 11، 12).
وما من شك في أن المربي المسلم، ينبغي أن يلتزم الاقتداء بالرسول المعلم والمربي صلى الله عليه وسلم والأخذ عنه، عملاً بالتوجيه القرآني : "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ" (الأحزاب، أية : 21).
ويقع على كاهل المعلمين في المدارس، توجيه المتعلمين وإرشادهم وإكسابهم أنماط السلوك الحسن وتعزيزه.
وتشتد الحاجة إلى رعاية سلوك الطلبة في المرحلة الثانوية، بحكم انتمائهم إلى مرحلة المراهقة – على ما فيها من مخاطر – حيث تشهد تطورات مفاجئة جسمية وجنسية وسلوكية، قد لا يواكبها نمو اجتماعي وعقلي، وتزداد المشكلة تعقيداً في ظل تداعيات العولمة الثقافية وآثارها على الفكر والسلوك.
ويشير (جلو، 1994 : 124) إلى أهمية التعزيز والتشويق، كأسلوبين متكاملين في تحقيق السلوك الإنساني والعمل على تكراره، فالفرد يُشوق إلى أمر ما، بعد شعوره بالحاجة إليه مباشرة إن سنحت له الفرصة وكانت الظروف مواتية، فإن نجح في ذلك تعزز سلوكه وتشوّق إليه أكثر.
ولقد استخدم الرسول صلى الله عليه وسلم، العديد من أساليب التعزيز والتشويق في حفظ السلوك الإيجابي وترسيخه لدى أصحابه رضوان الله عليهم، يمكن أن يقتدي بها المعلمون. وفي ضوء ما سبق تحاول هذه الورقة الإجابة عن السؤالين التاليين :
1-  ما أبرز أساليب التعزيز التي استخدمها الرسول صلى الله عليه وسلم في حفز السلوك الحسن؟
2-  ما أبرز أساليب التشويق التي استخدمها الرسول صلى الله عليه وسلم في حفز السلوك الحسن؟

أساليب تعزيز السلوك الحسن من خلال السنة النبوية :
يولّد التعزيز شعوراً إيجابياً عند المتعلم، ويعمل على تثبيت السلوك الحسن (الخطيب، الحديدي، 1997 : 16)، ويؤكد المنهج الإسلامي على انتهاج أسلوب التعزيز لأنماط السلوك انطلاقاً من قاعدة الجزاء على الفعل الحسن، كما جاء في قوله تعالى : "هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ" (الرحمن، آية : 60).
وقد بين القرآن الكريم أن الأفعال الحسنة، يُثاب عليها فاعلها أضعافاً كما جاء في قوله عز وجل : "مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا" (الأنعام، آية : 160)، ولتشجيع المبادرة إلى ممارسة السلوك الحسن والعمل الصالح، جاء التعزيز عليهما بمجرد هم النفس، كما أفاد قوله صلى الله عليه وسلم : "إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنةً كاملة، وإن همّ بها فعملها كتبها الله عز وجل عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة" (مسلم، ب.ت، ج1 : 83).
ويعرف التعزيز على وجه العموم بأنه عبارة عن "زيادة معدل حدوث السلوك في المستقبل من خلال إضافة مثيرات إيجابية أو إزالة مثيرات سلبية" (الخطيب، الحديدي، 1997 : 175).
وأما التعزيز الإيجابي والذي نقتصر عليه في هذه الورقة فهو عبارة عن "زيادة احتمالات حدوث السلوك في المستقبل من خلال توفير مثيرات إيجابية بعد حدوثه" (الخطيب، الحديدي، 1997 : 175).
ويمكن إجمال أبرز أساليب التعزيز الإيجابي – التي استخدمها الرسول صلى الله عليه وسلم في تدعيم السلوك الحسن لدى أصحابه – على النحو التالي :
أ- التعزيز ببيان الثواب الجزيل المترتب على السلوك الحسن :
ومثال ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم لبلال رضي الله عنه : "يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دفّ نعليك بين يدي في الجنة قال : ما عملت عملاً أرجى عندي من أني لم أتطهّر طهوراً في ساعة من ليلٍ أو نهارٍ إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصليِ" (البخاري، 1987، ج1 : 386).
وجاء في الهدي النبوي الشريف "أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسّن خلقه" (البيهقي، 1994، ج1 : 249).
ويلحظ أن التعزيز في الحديثين السابقين، من النوع المؤجل، وقد جاء التعزيز في مواضع أخرى من السنة النبوية معجلاً وسريعاً ومثال ذلك في مجال تعزيز قيمة الحب في الله بين المسلمين فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن رجلاً زار أخاً له في قرية فأرصد الله على مدرجته ملكاً فلما أتى عليه قال : أين تريد قال : أريد أخاً لي من هذه القرية فقال له : هل عليك من نعمة تربّها قال : لا غير أنّي أحببته في الله قال : فإني رسول الله إليك بأن الله عز وجل قد أحبك كما أحببته فيه" (البيهقي، 1994، ج6: 488).
وللتأكيد على أهمية الصيام، جاء التعزيز بنوعيه المعجل والمؤجل، كما في قوله صلى الله عليه وسلم "للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه" (البيهقي، 1994، ج9 : 450).

ب- التعزيز بالمكافأة المباشرة :
تشكل المكافأة حافزاً فعالاً حينما تقدم مباشرة بعد السلوك المرغوب فيه، وقد استخدم الرسول صلى الله عليه وسلم هذا النوع من التعزيز، ففي الحديث الشريف عن عبد الله بن الحارث قال : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفّ عبد الله وعُبيد الله وكثيراً من بني العباس، ثم يقول من سبق إليّ فله كذا وكذا قال فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيُقبلهم ويلزمُهم" (بن حنبل، 1999، ج3 : 335).
ج- المدح والثناء على الفعل الحسن:
فتشجيع المتعلم والثناء عليه – بلا شك – يعد تعزيزاً له وحفزاً على الاجتهاد في التحصيل وقد بادر الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى تشجيع أحد أصحابه وأثنى عليه حينما عرف الإجابة عن سؤال طرحه عليه، فعن أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا المنذر أتدري أيّ آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال : قلت الله ورسوله أعلم قال : يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: الله لا إله إلا هو الحي القيوم قال: فضرب في صدري وقال: والله ليهنك العلمُ أبا المنذر" (مسلم، 1955، ج1: 556). والملاحظ في الحديث السابق أن الرسول صلى الله عليه وسلم، قرن الثناء والمدح بالضرب على صدر أبي المنذر وفي ذلك مزيد من التعزيز باستخدام لغة صامتة مدعمة.
واستخدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدح والثناء، لتعزيز مبادرة المتعلم إلى السؤال بقصد الحصول على المعرفة، مما يكون سبباً في إشاعتها بين الناس، ومثال ذلك حينما أجاب أبا هريرة رضي الله عنه عن سؤاله "من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أوّل منك لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه" (بن حنبل، 1999، ج3 : 446).

د- التعزيز بإظهار الحب والرضا عن المتعلم :
ومثال ذلك قوله صلى الله عليه وسلم للأشج ابن القيس "إن فيك خصلتين يحبهما الله الحِلْمُ والأناة" (مسلم، ب.ت، ج1 : 36).

هـ- التعزيز ببيان المنزلة المترتبة على الأفضلية :
بادر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تعزيز السلوك المرغوب فيه من خلال بيان منزلة صاحبه عند الله عز وجل، ومثال ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "خير الناس أحسنهم خلقاً" (السيوطي، ب.ت، ج12 : 356).
ولترسيخ الاتجاه نحو الزهد في الحياة الدنيا، خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه رضوان الله عليهم قائلاً: "خيركم أزهدكم في الدنيا وأرغبكم في الآخرة" (السيوطي، ب.ت، ج41 : 331).
وفي مجال حث الناس على التعقل، جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الناس أعقل الناس" (الهاشمي، 1992، ج2 : 812).

و- التعزيز بالابتسامة:
جاء في الهدي النبوي الشريف: "لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق" (بن حنبل، 1999، ج34 : 237).
وكان من عادته صلى الله عليه وسلم أن يلاقي أصحابه رضوان الله عليهم بالابتسامة، وعبر عن هذا السلوك التعزيزي قول جرير عن عبد الله: "ما صحبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ولا رآني، إلا تبسم في وجهي" (مسلم، 1995، ج4 : 1925).

ز- التعزيز بالكلمة الطيبة :
من بدهيات القول، أن الكلمة الطيبة التي يقولها المعلم للمتعلم، تترك أثراً طيباً في نفسه وتحفّزه على السلوك الإيجابي، كما أن المعلم نفسه يؤجر عليها عند الله عز وجل كما أبان الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله : "والكلمة الطيبة صدقة" (البخاري، 1987، ج3 : 1090).
ويندرج تحت الكلمة الطيبة تعبيرات وصيغ عديدة، كالقول بارك الله فيك وجزاك الله خيراً كما جاء في الحديث الشريف "عن عائشة قالت : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أُسيد بن حضير وأناساً معه في طلب قلادة أضلّتها عائشة فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فذكروا ذلك له، فأُنزلت آية التيمم فقال لها أُسيد بن حُضير يرحمك الله ما نزل بك أمرٌ تكرهينه، إلا جعل الله للمسلمين ولك فيه فرجاً" (أبو داود، ب.ت، ج1 : 125).

ح- الحنو على المتعلم المتميّز والدعاء له :
فالدعاء للمتعلم المتميّز، يعكس طبيعة العلاقة الدافئة بين المعلم والمتعلم، فضلاً عن كونه تعزيزاً لسلوكه الحسن، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم حنّواً عطوفاً على أصحابه داعياً لهم بالخير، ومن الشواهد على ذلك ما جاء في رواية " ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على كتفي أو علي منكبى ثم قال : اللهم فقهه في الدين وعلّمه التأويل" (بن حنبل، 1978، ج1 : 266).


ط- الترحيب بطالب العلم وحسن استقباله :
وعبر عن هذه الممارسة التربوية، أحد الصحابة رضوان الله عليهم، صفوان بن عسّال المرادي "قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متكيء في المسجد على برد له فقلت يا رسول الله إني جئت أطلب العلم فقال : مرحباً بطالب العلم، طالب العلم لتحفّه الملائكة وتظلّه بأجنحتها ثم يركب بعضها بعضاً، حتى يبلغوا السماء الدنيا من حبهم لما يطلب" (الطبراني، ب.ت، ج8 : 64).

ي- التعزيز من خلال الاندماج مع المتعلمين في أنشطتهم الخاصة :
فبقصد التشجيع على ممارسة الأعمال النافعة، انضم الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم إلى أصحابها تعزيزاً ودعماً لها حيث جاء في السنة النبوية المطهرة "عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال : مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على نفر من أسلم ينتضلون فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً، ارموا وأنا مع بني فلان قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما لكم لا ترمون قالوا : كيف نرمي وأنت معهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ارموا فأنا معكم كلكم" (البخاري، ب.ت، ج2 : 153).























ثانياً : أساليب التشويق من خلال السنة النبوية :
للتشويق أهمية كبيرة في توجيه سلوك الإنسان وتؤكد النظريات الارتباطية والسلوكية على أهمية التشويق في استثارة دافعية المتعلم وتوجيه نشاطاته (جلو، 1994 : 25).
ويشير (الشلهوب، 1996 : 107) إلى دور التشويق في حفز المتعلم على التعلم والبحث والاستقصاء.
وحينما تفتر همة المتعلم، فإن علاجها يكون بالتشويق الذي يوقظ الهمم ويعزز المبادرة نحو التعلم (موقع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الشبكة، 5/4/2009م).
ويعرف التشويق في التربية بأنه عبارة عن "حافز يُقدم قبل السلوك المرغوب فيه عادة، ترغيباً في القيام به، بحيث يثير الاهتمام به في نفس الفرد ويبعث على مباشرته (جلو، 1994 : 30).

ومن خلال تتبع العديد من الأحاديث الشريفة المتعلقة بالتشويق، تمكن الباحث بعون الله عز وجل وتوفيقه إلى استنباط الأساليب التشويقية التالية :
أ- إثارة الأسئلة لجذب انتباه المتعلم :
ومن الأمثلة على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : "أتدرون من المفلس؟ قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال : إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار" (البيهقي، 1989، ج1 : 303).

ب- التشويق باستثارة الفضول العلمي والمعرفي لدى المتعلم :
ومثال ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر "ألا أخبرك بأحب الكلام إلى الله ؟ قلت يا رسول الله : أخبرني بأحب الكلام إلى الله قال : أحب الكلام إلى الله سبحان الله وبحمده" (مسلم، ب.ت، ج4 : 2094).

ج- التشويق ببيان أهمية المعلومة وقيمتها الكبيرة :
دل على ذلك الحديث الذي رواه أبو هريرة قال : "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : احشدوا : أي اجتمعوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، فحشد من حشد، ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقرأ : قل هو الله أحد، ثم دخل فقال بعضنا لبعض : إني أرى هذا خيرٌ جاءه من السماء فذاك الذي أدخله، ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني قلت لكم : سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ألا إنها تعدل ثلث القرآن" (مسلم، ب.ت، ج42 : 199).

د- التشويق بذكر أهل الجنة بقصد الحث على الاقتداء بهم :
وقد جاء في الحديث عن جابر بن عبد الله قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يطلع عليكم رجل أو قال يدخل عليكم رجل يريد رجل من أهل الجنة فجاء أبو بكر رضي الله عنه ثم قال يطلع عليكم أو يدخل عليكم شاب يريد رجل من أهل الجنة قال فجاء عمر رضي الله عنه ثم قال يطلع عليكم رجل من أهل الجنة اللهم اجعله علياً اللهم اجعله علياً قال فجاء علي رضي الله عنه" (بن حنبل، 1999، ج23 : 300).



هـ- استخدام القول البليغ ومجانبة التكلّف في الكلام :
أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم باستخدام القول البليغ في دعوة الناس، كما جاء في قوله عز وجل: "أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا" (النساء، آية : 63).
وقد استخدم الرسول صلى الله عليه وسلم في خطابه للناس كلاماً بليغاً فصيحاً يسهل استيعابه، كما وصفته عائشة رضي الله عنها بقولها : "كان كلام رسول الله كلاماً فعلاً يفهمه كل من سمعه" (أبو داود، ب.ت، ج3 : 408)، وأخبر المعصوم صلى الله عليه وسلم عن بلاغته في الكلام بقوله : "فضّلت على الأنبياء بست : أعطيت جوامِع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأُرسلت إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيون" (مسلم، 1955، ج2 : 69).
ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن التشدق والتفيهق في الكلام بقوله : "وإن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني يوم القيامة، الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون، قالوا : قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون ؟ قال : المتكبرون" (الترمذي، ب.ت، ج4 : 141).

و- استخدام بعض الألفاظ الغريبة وشرحها :
وقد فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك، في العديد من المواضع، منها استخدام لفظه المخموم في مجال الحث على تنقية القلب من الشوائب المعنوية، حيث جاء في الهدي النبوي الشريف "خير الناس ذو القلب المخموم واللسان الصادق، قيل عرفنا اللسان الصادق، فما القلب المخموم؟ قال : هو النقي التقي الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا حسد" (السيوطي، ب.ت، ج1 : 358).
وفي ميدان حث أصحابه رضوان الله عليهم على التنافس في ذكر الله عز وجل، استخدم صلى الله عليه وسلم لفظة (المفردون) في قوله: "سبق المفردون، قالوا : وما المفردون يا رسول الله ؟ قال : الذاكرون الله كثيراً والذاكرات" (مسلم، 1955، ج1 : 63).

ز- التشويق باستخدام الإلغاز في الكلام :
فمثل هذا النوع من الإلغاز يُغري المتعلمين بالإنصات، ويحفزهم على الاستفسار عن الشيء بقصد معرفته وإدراكه، ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في الحديث الشريف "عن أبي قتادة بن ربعي رضي الله عنه أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُر عليه بجنازة فقال: مستريح أو مستراح منه، قالوا: يا رسول الله ما المستريح والمستراح منه؟ فقال: العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا إلى رحمة الله والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب" (مسلم، ب.ت، ج3 : 656).

ح- استخدام التصوير الحسي المستوحى من بنية المتعلم :
ومن النماذج الرائعة لهذا النوع من التشويق، قوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضوان الله عليهم "أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، أيبقى من درنه شيء ؟ قالوا : لا يا رسول الله قال : فكذلك الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا" (مسلم، 1955، ج2 : 131).

ط- التشويق بسرد القصص :
حيث استخدم الرسول صلى الله عليه وسلم القصة من حين لآخر لتثبيت وترسيخ اتجاهات السلوك الايجابي لدى أصحابه رضوان الله عليهم, ومن الأمثلة على ذلك الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى أواهم المبيت إلى غار فدخلوه. فانحدرت عليهم صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله ـ تعالى ـ بصالح أعمالكم، قال رجل منهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً فنأى بي طلب الشجر يوماً، فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلاً، أو مالاً: فلبثت والقدح على يدي انتظر استيقاظهما حتى برق الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة. فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه، قال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عم كانت أحب الناس إلي فأردتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمّت بها سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين مائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت حتى إذا قدرت عليها، قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فأفرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها، وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء وأعطيتهم أجورهم غير رجل واحد، فترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله، أدِّ إلي أجري، فقلت: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله، لا تستهزئ بي، فقلت: لا أستهزئ بك، فأخذه كله، فاستاقه فلم يترك منه شيئا، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فأفرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون)). (الحميدي، 2002: 120).
ي- التشويق باستخدام لغة الاقتراب من المتعلم :
فهذا النوع من التشويق فيه إظهار للاهتمام بالمتعلم وتأليف لقلبه، وقد جاء في الهدي النبوي الشريف عن عمر بن العاص رضي الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان "يقبل بوجهه وحديثه على شرّ القوم يتألّفه بذلك" (الهندي، 1981، ج7 : 16).

ك- استخدام المداعبة :
للمداعبة آثار تربوية ونفسية كبيرة على المتعلم، فهي تدخل السرور إلى نفسه تبعث على النشاط والمرح، وتزيل الملل الذي يعلق به بسبب ما يعترضه في حياته من الهموم والأحزان" (الحديدي، 1991 : 306).
وقد حفلت السنة النبوية بكثير من المواقف الدعابية التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستخدمها مع أصحابه، منها المداعبة بالكلام، حيث روى أنس بن مالك رضي الله عنه "أنه كان النبي يتخالط بنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمر، ما فعل النفير" (البخاري، 1987، ج3 : 37).
وقد استخدم الرسول صلى الله عليه وسلم، المزاح مع الكبار، من باب التشويق كمدخل لتقديم معلومة جديدة، حيث روى أنس بن مالك رضي الله عنه "أن رجلاً استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني حاملك على ولد الناقة فقال: يا رسول الله ما أصنع بولد الناقة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهل تلد الإبل إلا النوق" (الترمذي، ب.ت، ج4 : 357).







التـوصيـات

في ضوء نتائج الورقة البحثية، يوصي الباحث المعلمين بما يلي:ـ
1.   الإطلاع الحثيث على منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في التربية، من خلال سنته المطهرة، للوقوف على أساليبه المتميزة في توجه السلوك وتعزيزه وتدعيمه.
2.   استخدام أساليب تعزيزية وتشويقية شاملة ومتنوعة بما يتناسب مع الموقف التعليمي الذي يكون المعلم بصدده.
3.   التعامل مع الطالبات بمزيد من الرفق والاحترام، لتأليف قلوبهن وترغيبهن بالدراسة والتحصيل.
4.   استخدام التعزيز والتشويق، ليس فقط في مجال التعليم، وإنما كذلك في مجال ترسيخ الاتجاهات الروحية والأخلاقية.
5.   الإقتداء بالرسول المربي صلى الله عليه وسلم، باعتباره خير معلم ومربي نتأسى به وفي ذلك نجاح وفلاح لنا في الدنيا والآخرة.
6.   من الضروري أن يجتهد المعلمون بتقويم أساليبهم في التعزيز والتشويق بصورة دائمة، وفي ضوء المعايير الإسلامية المستمدة من السنة النبوية الشريفة.
7.   الاهتمام بتربية الطالبات على مبدأ الجدية في الحياة، واستشعار قيمة الوقت.
8.   إذكاء روح التنافس الشريف في تحصيل العلم لدى الطالبات، وبيان ثماره الطيبة على الفرد والمجتمع.




قائمـة المـراجـع


1-  أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني (ب.ت) سنن أبو داود، دار الكتاب العربي، بيروت.
2-  البخاري، محمد إسماعيل (ب.ت) صحيح البخاري، يحاشية السندي، دار المعرفة، بيروت.
3-  البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبد الله (1987) الجامع الصحيح المختصر، تحقيق (مصطفى البُغا) دار بان كثير، بيروت.
4-  بن حنبل، أحمد (1978) مسند الإمام أحمد بن حنبل، دار الفكر، بيروت.
5-  بن حنبل، أحمد (1999) مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق (شعيب الأرنقومط وأخرون)، مؤسسة الرسالة، بيروت.
6-  البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين (1989) شعب الإيمان، تحقيق (محمد زغلول) دار الكتب العلمية، بيروت.
7-  البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي (1994) سنن البيهقي الكبرى، تحقيق (محمد عطا)، دار الباز، مكة المكرمة.
8-  الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة (ب.ت) الصحيح الجامع، تحقيق (أحمد شاكر) دار التراث العربي، بيروت.
9-  جلو، الحسين جرنو محمد (1994) أساليب التشويق والتعزيز في القرآن الكريم، مؤسسة الرسالة، بيروت.
10-       الحدري، خليل بن عبد الله عبد الرحمن (1999) التربية الوقائية في الإسلام وتطبيقاتها في المدرسة الثانوية، جامعة القرى، مكة المكرمة.
11-        الحميدي، محمد بن فتوح (2002) الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم، تحقيق على حسين البواب، دار ابن حزم، بيروت.
12-       الخطيب، جمال، الحديدي، منى (1997) تعديل السلوك، جامعة القدس المفتوحة، عمان.
13-       السيوطي، جلال الدين (ب.ت) جامع الأحاديث.
14-       الشلهوب، فؤاد (1996) المعلم الأول، قدوة لكل معلم ومعلمة، دار القاسم، الرياض.
15-       الطبراني، الحافظ أبي القاسم (ب.ت) تحقيق (حمدي عبد المجيد السلفي) مكتبة ابن تيمية، القاهرة.
16-       قطب، سيد (ب.ت) معالم الطريق، دار الشروق، القاهرة.
17-       مسلم، أبو الحسن بن الحجاج (ب.ت) الجامع الصحيح المسمى صحيح مسلم، دار الجيل، بيروت.
18-       مسلم، أبو الحسن، (1995) صحيح مسلم، تحقيق (محمد فؤاد عبد الباقي) دار إحياء الكتب العربية.
19-       موقع رسول الله صلى الله عليه وسلم، شبكة الإنترنت، 5/4/2009 .
20-       الهاشمي، أبي أسامة نور الدين (1992) بغية الباحث عن زوائد الحارث، تحقيق (حسين أحمد الباكري) مركز خدمة السنة والسيرة النبوية، المدينة المنورة.
21-       الهندي، علاء الدين بن حسام الدين المتقى (1987) كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، تحقيق (بكري حياني، صفوت، السقا) مؤسسة الرسالة، بيروت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق