الثلاثاء، 28 فبراير 2017

الحركة الفكرية والنهضة الأدبية في الأندلس

ماذا تعرف عن الأندلس ؟
الأندلس ، اسم أطلقه الفاتحون على ما يسمى اليوم بأسبانيا والبرتغال ، وهي شبه جزيرة إيبيريا .
وحدودها :
من الشرق : مضيق جبل طارق والبحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي  .
 ومن الغرب: المحيط الأطلسي .
 من الجنوب : المحيط الأطلسي .
من الشمال : فرنسا .
 التضاريس:
-الهضبة الكبرى وهي تشغل جزءاً كبيرا من مساحتها.
ــ سلاسل من الجبال تكاد تطوق الهضبة .
ــ والسهول المنبسطة المحايدة بين الجبال والهضبة , وتمتد تلك السهول إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط  .
ــ الأنهار الكبيرة التي تجري على مدار السنة ، ومن أشهرها الوادي الكبير وهو الاسم التي أطلقه العرب ، وهناك الأنهار الصغيرة , والعيون, والآبار.
المناخ  :
  ومن حيث المناخ فإنه معتدل بشكل عام , والأمطار تقل وتكثر بحسب المناطق ، فالمناخ في شمال الجزيرة يغلب عليه المناخ الأوروبي ، وفي الجنوب يغلب عليه المناخ الأفريقي ، وتمثل بلاد الأندلس قطاعاً كاملاً من العالم بطبائعه المختلفة وأجوائه المتعددة وحاصلاته المتباينة .
    والأندلس بلاد حباها الله بالخيرات ، وتتخللها شبكة من الأنهار ، ولذا تكاثرت مدنها فلا تكاد تخرج من مدينة إلى وصلت إلى ريفٍ أو قرية أو بلدة ، ومن مدنها التي ذكرت في التاريخ ، طليطلة وطريف وبلنسية وقرطبة وغرناطة وبرشلونة وإشبيلية ومالقة وألمرية وطرطوشة وطركونة وبجاية وبطليوس وغيرها .
   ولقد تميزت بلاد الأندلس بما حباها الله من جمالٍ في الطبيعة، فكثرت منتجاتها الزراعية والحيوانية ، وتعددت الخيرات بها ، واشتملت على كل مكونات الطبيعة من الصحاري والسهول والهضاب والمرتفعات والأودية والشعاب والأنهار والطيور والأزهار ، وغير ذلك .
فتح الأندلس:
    فُتحت في أواخر القرن الأول الهجري وأنشأ المسلمون في الأندلس حضارة زهاء 850 سنة وكانت البلاد تحت حكم الإسلام ، وعبّر عنها العرب بأنها جنة من جنان الأرض .
يقول ابن خفاجة رحمه الله :
يا أهــل  أندلسٍ   لله دركــــــــــم :: ماء وظلٌ وأنـــــهار وأشجارُ
ما جنة الخلد إلا في دياركـــــــــم :: ولو تخيرت هذي كنت أختار
لا تحسبوا بعد ذا أن تدخلوا سقراً :: فليس يدخل بعد الجنة النار

==================
 س / متى فتحت الأندلس ؟ وما الهدف من فتحها ؟
ج/ كان الهدف من فتح بلاد الأندلس ، نشر الإسلام وتوسيع رقعة البلاد الإسلامية ، ولقد فتحت الأندلس في أواخر القرن الهجري الأول ، بين عامي 92 و95 هـ ، وكان فتحها امتدادا لفتح بلاد المغرب على يد طارق بن زياد ومولاه موسى بن نصير ، وكان موسى قائدا للجيش من قبل عبد العزيز بن مروان عامل مصر من قبل الخليفة الوليد بن عبد الملك في دمشق .
ويقسم مؤرخو الأدب الأندلسي عصور الأندلس الأدبية إلى  :
1ـ عصر الولاة .
2ـ عصر الإمارة .
3ـ عصر الخلافة .
4ـ عصر الحجابة .
وهذه كلها عصور أموية .
5ـ عصر الطوائف والدويلات ، ويعد أزهاها أدبياً ، وأضعفها سياسياً.
6ـ عصر المرابطين
7ـ عصر الموحدين
8ـ عصر بني الأحمر في غرناطة
ثم سقطت بلاد الأندلس في يد النصارى ولا زالت إلى الآن تحت الحكم الأسباني  .
======================
(2)
الحركة الفكرية والنهضة الأدبية في الأندلس
   سطعت في الأندلس  شمس العلم والأدب والفن وعرفت بلاد الأندلس في مختلف عهودها طائفةً من أعظم المفكرين والأدباء والشعراء والفنانين الذين أسهموا في بناء الحضارة العربية.
     ولقد عرفت الحياة الحضارية والفكرية تطورات مختلفة متبعة تطور تاريخ الأندلس السياسي ، فقد وصلت هذه الحياة ذروة القوة في عهد الخلافة الأموية أيام حكم عبد الرحمن الناصر وولده الحكم ولكنها لم تصل إلى ذروة نضجها الفكري.
       ولما انهارت الخلافة الأموية وسادت الفوضى أرجاءَ الأندلس في عهد الفتنة ذوت الحضارة الأندلسية وخبت مظاهرها العمرانية والفكرية حتى جاءت دول الطوائف فاستطاعت على رغم تطاحنها أن تعيد بهاء الحضارة الأندلسية في قصورها ومنشآتها ومجتمعاتها، وعرفت الأندلس في هذه الحقبة المضطربة من تاريخها طائفة من أعظم مفكريها وأدبائها وشعرائها أمثال الفيلسوف ابن حزم (-456هـ) والمؤرخ ابن حيان (-469هـ) والشاعر ابن زيدون (-462هـ) والشاعر الأديب ابن عبدون (-520هـ) وغيرهم ، بل إن ملوك الطوائف أنفسهم كانوا في طليعة الأدباء والشعراء كالعالم عمر بن الأفطس صاحب بطليوس، والمعتضد والمعتمد صاحبي إشبيلية، والمعتصم بن صمادح صاحب المرية.
    ولكن هذه النهضة الفكرية والأدبية ما عتمت أن توقفت عقب استيلاء المرابطين على الأندلس سنة 484هـ. إذ كان هؤلاء المرابطون شديدي التعصب، قساةً غلاظاً، ألفوا الحرب والخشونة فلم تجد دولة الفكر والأدب في ظلّهم مرتعاً خصباً ، ومع هذا فقد تألقت في عهدهم القصير بعض الأسماء أمثال الفيلسوف ابن باجة والفتح بن خاقان وابن بسام صاحب كتاب (الذخيرة) وابن قزمان صاحب الأزجال الشهيرة ، ولكنَّ ظهورهم وظهور أمثالهم  في هذه الفترة لم يكن إلاّ امتداداً للنهضة الفكرية التي ازدهرت في عهد ملوك الطوائف.
     ثم جاءت دولة الموحدين فانتعشت الحضارة الأندلسية ونشطت حركة التفكير لأن الموحدين كانوا أكثر انفتاحاً على الفكر من المرابطين. فأُفرج عن كتب الغزالي وغيره من مفكري المشرق، وظهرت في هذه الفترة أي في أواخر القرن السادس الهجري أسماء لامعة في الأندلس أمثال ابن الطفيل الإشبيلي (-571هـ) صاحب رسالة حي بن يقظان والفيلسوف ابن رشد القرطبي (-594هـ ) .
     كما ظهر عدد من أعلام الشعر والأدب مثل أبي القاسم خلف بن بشكوال (-578هـ) وابن بدرون المتوفي في فاتحة القرن السابع وهو شارح قصيدة ابن عبدون الشهيرة في رثاء بني الأفطس ، وازدهرت المعاهد العلمية في أيام الموحدين بالمغرب والأندلس، وكانت المعاهد الأندلسية في إشبيلية وقرطبة وغرناطة وبلنسية ومرسية يومئذ مجمعَ العلوم والمعارف ومقصِدَ الطلاب من كل فج.
     ولما اضحملَّ شأن الموحدين وضعف أمرهم بالمغرب والأندلس في أوائل القرن السابع الهجري وبدأت قواعد الأندلس تسقط تباعاً في أيدي الأسبان شُغلت الأندلس بمحنتها وانكمشت فنون السلم واضطربت دولة التفكير والأدب. وقد أثّرت المحنة في نفوس الشعراء فأذكت عواطفهم بشعر اللوعة والأسى.
     وانجلت الفتن الداخلية وانجلى الصراع بين إسبانيا المسلمة وإسبانيا النصرانية عن سقوط معظم القواعد الأندلسية بيد الأسبان، وانكمشت الدولة الأندلسية في مملكة غرناطة الصغيرة ، وفي ظل هذه المملكة الصغيرة التي قاومت قرنين من الزمن انتعشت الحركة الأدبية بعد أن آنست جواً من الطمأنينة والهدوء ، ولكن طابع هذه الحركة اقتصر على الشعر والأدب وبقيت الحياة العقلية في حالة من الركود.
      وعموما فإن وجود التيارات الفكرية المتعارضة كان له أثره على حركة الأدب ، فمثلا عند نشاط التيارات الماجنة ، تنشط التيارات الإصلاحية ، كما كنا نجد في العصر العباسي عندما ظهر أبو نواس ظهر أبو العتاهية في نفس الوقت .
=================
(3)
صلة الأندلس بالمشرق ثقافيا وعلميا 
   كان شعراء الأندلس يشعرون أن أصولهم من المشرق و صلتهم لم تنقطع معها لا ثقافيا ولا علميا ، وابن عبد ربه لما كتب كتاب العقد الفريد حاول أن ينقل أدب المشارقة إلى أهل الأندلس ، وعموما فإنه كلما ظهرت مدرسة أدبية في المشرق رأينا صداها في الأندلس ، وكلما ظهر كتاب في المشرق نجده في المغرب والأندلس ونجد نوعا من التقليد والمحاكاة ، والإعجاب ، من أهل الأندلس بأهل المشرق ، ويلاحظ في الأندلس أنك لا تكاد تجد كاتبا إلا هو شاعر ، والعكس صحيح .
   وإذا كانت الأندلس قد طمحت إلى الاستقلال السياسي عن المشرق منذ بدء تاريخها فإنها لم تستطع أن تفلت من الخضوع له ، بل كانت تنظر إليه في المجال الأدبي والثقافي متأثرةً أيضاً بالجو الجديد الذي عاشته، وبقي المشرق قبلة الأندلسيين، وكانت الرحلة إلى الشرق في طلب العلم ولقاء الشيوخ أمنيةً يرجوها كل مثقف أندلسي ، حتى إذا ما رحل إلى الشرق عاد لينشر في الأندلس ما حمله من معارف وما أخذه من شيوخ المشرق .
     ومن المؤكد أن الحياة الفكرية والأدبية في الأندلس قد أثّر فيها الاختلاط العنصري تأثيراً كبيراً، ولئن كان الأندلسيون قد تأثروا بالحياة الجديدة فقد بقوا مقلدين في آدابهم للمشارقة ، إلاّ في بعض الفنون الشعرية كظهور فن الموشحات الذي نشأ في الأندلس وكان نموذجاً جديداً في الشعر العربي.
    وعندما يسافر المرء اليوم إلى بلاد الأندلس ويرى ما تبقّى فيها من آثار عربية ويتجوّل في مسجد قرطبة والقصر في إشبيلية وقصر الحمراء في غرناطة ، ويدخل تلك البيوت البيضاء العربية الإسبانية ، وقد تدلّت من نوافذها أُصصُ الأزهار ، ورقصت في ساحات دورها نوافير المياه ، وتمايلت على حافاتها أشجار النارنج ، عندما يرى المسافر ذلك يتراءى له ذلك المجد القديم العظيم، مجدُ بني أمية ومجد الشرق العربي ، ومجد دمشق ، ورحم الله أحمد شوقي عندما قال:
لولا دمشق لما كانت طليطلة        ولا زهت ببني العباس بغدان
===========================
(4)
روافد الثقافة العربية في الأندلس
1ـ الحروب
  الرحلات : وهي على نوعين :
أ‌-  داخل الأندلس ، ومن أشهر من قام برحلات داخل الأندلس وكتب عنها ( ابن الأبار وابن الخطيب الأندلسي )
ب‌- خارج الأندلس ومن أشهر من قام برحلات خارج الأندلس وكتب عنها ( ابن بطوطة وابن جبير ) 
3ـ الهجرات : وهي على نوعين  :
 أ‌-  من بلاد الأندلس ، ومن أهم من هاجر من بلاد الأندلس إلى المشرق ( ابن خلدون وابن مالك النحوي صاحب الألفية )
ب‌-  إلى بلاد الأندلس ، ومن أهم من هاجر إلى بلاد الأندلس من المشرق ( ابن صاعد اللغوي البغدادي ، وأبو علي القالي صاحب الأمالي ، وزرياب )

============================







(5)
بواعث الإبداع في الأندلس
س / ما الذي حرك أهل الأندلس لإنتاج كل هذه النصوص ؟
لعل أهم بواعث الإبداع في الأندلسي ، هي  :
1ـ الطبيعة الأندلسية  :
    فالطبيعة مليئة بالصور الجميلة ، والمتمثلة في المناظر الخلابة من ورود وزهور إلى طيور مختلفة الألوان والأشكال إلى غير ذلك .
  الاختلاط بالعناصر المختلفة  :
  وقد أحدث هذا نوع من التأثر بالثقافات المختلفة ، وهم القوط والعرب والبربر والموالي ، ثم من أُسر في الحروب من الأوروبيين ، وبيع على أساس أنه مملوك وسموا بالصقالبة ، وكان محركا من بواعث الإبداع في إنتاج الأدب.
3ـ التقلبات السياسية التي مرت بها الأندلس:
وكانت سببا في نشاط حركة الأدب ، فكل حاكم يريد أن يأخذ الشعراء إليه .
4ـ المرأة الأندلسية  : وهي مكون من مكونات الطبيعة ، وعنصر مهم في الأدب فهي ملهمة الشعراء ، وتميزت المرأة في الأندلس بالجمال الآخاذ ، وهي أديبة أحيانا ، مثل ولادة بنت المستكفي  .
5ـ الحكام الذين كانوا يشجعون على العمل الفكري والأدبي ونذكر منهم عبد الرحمن الناصر  .
6ـ نشاط الغناء والاهتمام به ، ويلاحظ كثرة المغنيات وكانوا سببا من الأسباب المؤثرة في ازدهار الحركة الأدبية  : مثل قلم وعجفاء وقمر ، وغيرهن  .

========================



(6)
اللغات في الأندلس :
    كانت اللغة السائدة والرسمية للبلاد هي اللغة العربية ، وعرف بالأندلس اللغة الرومانية واللاتينية ( اللاطينية كما يسميها ابن حزم القرطبي ) ، بالإضافة إلى اللهجة المحلية ، وهي تشبه كثيراً لهجة المغاربة اليوم ، يظهر ذلك مما تركوه من شعر الزجل .
=====================
(7)
الديانات في الأندلس
   لاشك أن الهدف من فتح بلاد الأندلس كان توسيع رقعة البلاد الإسلامية ، ونشر دين الإسلام ، ومن هنا كان الدين الرسمي للبلاد الأندلسية هو الإسلام  ، إلا أن المسلمين تعايشوا مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى وفرضوا الجزية عليهم ، ولم يسمحوا لبقاء أي ديانة وثنية .
=================
(8)
أثر الطبيعة في الأدب الأندلسي
=================

    لقد لحق شعراء الأندلس في شعر الطبيعة شعراء المشرق ثم تقدموا عليهم وفاقوهم فيه و التنوع في موضوعاته والتجديد والابتكار في صوره و أشكاله.

    والملاحظ على ما خلفوه من شعر في هذا الفن أنهم لم يقفوا به عند اتجاه واحد ، وإنما نرى لهم فيه اتجاهات شتى ، و لعل منشأ هذا التنوع في الاتجاهات ،  راجع إلى أنّ محبتهم لطبيعة الأندلس الجميلة كانت عميقة الجذور في نفوسهم ،  و من ثمّ فإنهم كانوا كلما التقوا بها أوواجهوها في مكان أو موقف ما ، هزّت مشاعرهم و شاعريتهم ، و ألهمتهم من معانيها ما لا يملكون له دفعا إلاّ بالتعبير عنه تمجيدا لهذه الطبيعة وتغزلا بها.
و مع تعدد الاتجاهات في شعر الطبيعة الأندلسي ، فإن هناك سمات و خصائص عامة تجمع بينها ثم ينفرد كل اتجاه بعد ذلك بسمات خاصة تقتضيها طبيعته .

و سوف نشير إلى أهم السمات العامة المشتركة ، و فيما يلي إجمال لذلك:

1ـ غلبة التشبيه و الاستعارة على أساليبهم ، فالتشبيه يرينا المعاني الممثلة بالأوهام شبها في الأشخاص الماثلة و الأشباح القائمة، و الاستعارة تبرز المعاني أبدا في صورة حية مستجدة تزيد قدرها نبلا ، و كلا الأسلوبين : أسلوب التشبيه و أسلوب الاستعارة يدل على خصب خيال وسموه و سعته و عمقه. 
2 ـ تشخيص الأمور المعنوية و تجسيمها ، و ذلك بإبرازها في صورة شخوص وكائنات حيّة ، يصدر عنها كل ما يصدر عن الكائنات الحية من حركات وأعمال،
بث الحياة والنطق في الجماد ، لما لذلك من طرافة ووقع حسن في النفوس ومن أمثلة ذلك قول أبي إسحاق إبراهيم بن خفاجة الأندلسي في وصف جبل:

وقور على ظهر الفلاة كأنـــــــــــه  :: طوال الليالي ناظر في العواقب
  أصخت إليه و هو أخرس صامت  :: فحدثني ليل السرى بالعجائب
 وقال : ألا كم كنت ملجأ قاتل ::  و موطن أوّاه تبتل تائب

و كم مرّ بي من مدلج و مؤوب   ::   و قال بظلي من مطي و راكب

    فالجبل هو جماد قد تحول بالتوسع الذي هيأته الاستعارة إلى إنسان حي ناطق يروي ما مر به من تجارب.
3ـ الاستعانة في رسم و تلوين الصور المستوحاة من الطبيعة ببعض فنون البديع المعنوي و اللفظي من مثل الطباق و المقابلة و المبالغة، وحسن التعليل ، والجناس ، وهذه قليلة في صور متقدمي شعرائهم ، كثيرة في صور متأخريهم.
4ـ إطلاق العنان للخيال ليرتاد عالم الفكر ، و يختار منه المعاني التي توحي بالحضارة و الطرافة.
5ـ التصرف في أرق فنون القول واختيار الألفاظ التي هي مادة لتصوير الطبيعة وإبداعها في جمل وعبارات تخرج بطبيعتها وكأنها التوقيع الموسيقي.
6ـ تصوير شعرهم لطبيعة الأندلس الحية ، و طبيعته الصامتة ، و طبيعته الصناعية الناشئة من استبحار الحضارة و العمران.
7ـ قلما يأتي شعر الطبيعة عندهم كغرض قائم بذاته، اللهم إلاّ في القطع القصار وعلى هذا فأكثره يأتي ممتزجا بأغراض أخرى كالغزل و المدح والخمر.


=============
(9)
( التركيبة البشرية للمجتمع الأندلسي )

     فتح العرب بلاد الأندلس في أواخر القرن الأول الهجري، و استوطنوها زهاء ثمانية قرون، استطاعوا خلالها أن ينشروا دينهم و لغتهم ،   و أن يقيموا فيها مجتمعا إسلاميا جديدا له سماته الخاصة و طابعه المميز.
     و لما كانت الحياة العقلية لأي أمة هي وليدة مجتمعها بكلّ ما يمثله من بيئة طبيعية شعب و نظم تحكم حياته و سلوكه و ضروب النشاط الإنساني التي يضطلع بها ، فسوف نحاول هنا التعرف بإيجاز إلى مكونات المجتمع الأندلسي تلك التي تضافرت على صنع حياته الفكرية من علمية و أدبية.
     و نبدأ أولا بالكلام عن عناصر الشعب الأندلسي ، و العناصر التي سادت الأندلس خمسة: العرب ، و البربر، و الموالي، والقوط ، والصقالبة .
1ـ العر ب:
     فالعرب كانوا يحسون إحساسا قويا بنوع من الأرستقراطية نابع من غلبتهم على الأسبان و لبربر و إدخالهم في الإسلام و كذلك من لغتهم التي تفوق غيرها ، و لعل شعور التعالي هذا من قبل العرب ، هو ما كان يولد ثورة البربر عليهم أحيانا.

     و كان العرب في مستهل الفتح قلة بالقياس إلى العناصر الأخرى ثم أخذت أعدادهــم تتكاثر و تنتشر في أنحاء شــبه الجزيرة الأندلسية بفعل الاستـــيطان    و التوالد بالمهاجرين العرب الذين أخذوا يرحلون إليها أفواجا تلو أفواج بعد الفتح الإسلامي.
2ـ البربر:
و هم يشاركون العرب في البداوة و الإسلام و الشجاعة و العصبية القبلية ،       و كانوا في أوّل أمرهم أكثر عددا و قوة من العرب و كان تيار هجرتهم متصلا بحكم الجوار.
    و قد تأثرت جماعات البربر المستقرة في الأندلس بالبيئة الجديدة تأثرا عظيما، و لم يكد الجيل الأول منهم ينقضي حتى طلع الجيل الثاني أندلسيا قد نســي أصله و اتخذ الأندلس وطنا .
    و من الناحية العقلية كانوا يجتهدون في التعرب : يتعلمون العربية ، و يقبل من له ميل منهم على دراسة الإسلام و التفقه فيه ، و من الناحية المعاشية ارتبطوا بجيرانهم من أهل البلاد عن طريق المصاهرة ، و منهم من اتخذ لهم اسما عربيا زيادة في التعرب.
    و كانوا أســـــرع اندماجا من العرب في البيئة الجديدة ، فــقد حال بين العرب      و بين الاندماج السريع الكامل لغتهم و اعتزازهم بعصبيتهم العربية، أما البربر فلم يكن هناك ما يحول بينهم و بين الاندماج ، فلا   عصبية و لا لغة مكتوبة ، و مع الزمن أصبحت غالبيتهم في جملة العرب الأندلسيين ، و كان لهم أعظم الأثر في بناء الأندلس الإسلامي.
3ـ الموالي:
    و هم مولى بني أمية ، و هؤلاء يمثلون ثلاث طوائف : من دخلوا الأندلس إبان الفتح ، و من دخلوا في ولاء البيت الأموي من أهل البلاد و قد كان لهؤلاء الموالي اليد الطولى في إقامة دولة عبد الرحمن الداخل.
    هذه العناصر الثلاثة هي التي دخلت الأندلس مع الإسلام أو بالإسلام و وضعت أساس إسلام الأندلس و عروبته ، أما الجزء الأكبر من عناصر سكان الأندلس ، فهم : المولدون، و أهل الذمة من نصارى و يهود ( القوط والصقالبة ) .


4ـ المولدون:
   و هم العنصر الناشئ من تزاوج العرب بالبر ، أو العرب بالإسبانيات            و الصقالبة ، و قد خرج من هذا الزواج بين عربي و بربرية ، أو عربي           و إسبانية جيل جديد مولد يشبه ما كان في الشرق من تزاوج بين عربي و فارسية، و ظل اسم المولدين يطلق على هذا العنصر حتى نهاية القرن الثالث الهجري ، ثم تلاشت هذه التسمية بسبب اختلاط الناس ، و تحول أحوال الدولة الإسلامية في الأندلس إلى أندلسيين دون تمييز ،  و من صفات المولدين من النساء الأسبانيات : الشجاعة   و الذكاء و الجمال و كان لهم في الأندلس تاريخ طويل.
    و قد حبب العرب في هذا الزواج ما عرف عن الأسبانيات و البربريات من جمال  و بياض بشرة  و اصفرار شعر و زرقة عيون و هي صفات يحبها العربي لأنها جديدة عليه.
يضاف إليهم أهل الذمة:
    و هم الأسبان الذين بقوا على مسيحيتهم و لم يدخلوا في الإسلام هؤلاء كانوا يرون أن البربر و العرب دخلاء عليهم، و أنهم أحق بملك بلادهم ، و يندرج مع هذا العنصر الإسباني المسيحي يهود البلاد من حيث معاملة المسلمين لهم ، فقد ضمن المسلمون لهذين العنصرين حريتهم و أدخلوهم في ذمتهم ، مقابل الجزية  و الخراج على ما تقضي به الشريعة الإسلامية.

   و في مستهل القرن الرابع الهجري أنشأ الخليفة عبد الرحمن الناصر جيشا من المماليك يوطد به سلطته، و كان هؤلاء المماليك من " الصقالبة " و هو اسم كانوا يطلقونه على أسرى الحرب من جميع البلاد الأوروبية ، و على من وقع في أيدي المسلمين من الرقيق، و بهذا أدخل الناصر على الأندلس عنصرا جديدا هو عنصر الصقالبة مقلدا في ذلك الخليفة المعتصم العباسي الذي أنشأ جيشا من الأتراك الذي يعتمد عليه لما تعب من العرب.
     و هكذا امتزجت كل هذه العناصر و الأجناس بعضها ببعض امتزاجا تسرب في عقولهم كما تسرب في دمائهم، و كانت لهم نزعة عقلية جديدة ساعد على تكوينها بالإضافة إلى عملية الامتزاج ، بيئة طبيعية غنية ، حافلة بشتى المناظر و صور الجمال ، و كان من أثر ذلك كله أن أصبحت لهم مميزات عقلية خاصة و صفات لم تكن لغيرهم من العرب الخلص  .

=================

( الوحدة الأولى )
الفنون الشعرية المستحدثة في الأندلس
أ‌- الموشحات  : وهو فن شعري مستحدث ، استحدثه أهل الأندلس بداية ً للغناء ، وكتبوا فيه بداية ً في غرض الغزل ، ثم كتبت الموشحة فيما بعد في الأغراض الأخرى ، وهو فن يقوم على تعدد المقاطع وهو خروج عن المألوف ، ثم انتقـــلت الموشحة إلى بلاد المغرب والمشرق ، فالموشحة ، أخذها أهل المشرق من أهل المغرب ، ولغة الموشحة لغة عربية فصحى  .
س : من أول من ابتدع الموشحات ؟
 زعموا أن أول من ابتدعها هو عبادة بن ماء السماء وأن الذي جودها هارون الرمادي ، وكلاهما من شعراء الأندلس   .
  الزجل : وهو فن شعري مستحدث ، استحدثه أهل الأندلس بداية ً للغناء ، وكتبوا فيه بداية ً في غرض الغزل ، ثم كتبت قصيدة الزجل في الأغراض الأخرى ، والزجل يقوم على اللغة الدارجة ، وقد يمزجون فيه أحيانا بعض الألفاظ الأجنبية من باب الاستطراف ، وفن الزجل يكتب على شكل القصيدة العامودية ، كما يكتب على شكل الموشحة ، وهو بداية كتابة الشعر الشعبي المنتشر اليوم في كل أرجاء الوطن العربي   .
============
1ـ فن الموشحات

   قد يكون البعض سمع عن هذا النوع من الشعر وقد يكون البعض الآخر لا يعلم كينونيته ، اذا من أين جاءت هذه الموشحات؟؟ كيف تطورت ؟ وما أغراضها؟؟

)الموشح( فن شعري مستحدث، يختلف عن ضروب الشعر الغنائي العربي في أمور عدة ، وذلك بالتزامه بقواعد معينة في التقنية، وبخروجه غالبا على عروض الخليل ، وباستعماله اللغة الدارجة أو العجمية في خرجته، ثم باتصاله القوي بالغناء.
    وعرفه ابن سناء الملك فيقول: "الموشح كلام منظوم على وزن مخصوص".
موشح أو موشحة أو توشيح، وتجمع على موشحات أو تواشيح من وشح بمعنى زين أو حسن أو رصع.
    تعريف الموشح : هو فن شعري مستحدث يختلف عن ضروب الشعر الغنائي العربي في أمور عدة و ذلك لالتزامه بقواعد معينة في التقنية و بخروجه غالبا على الاعاريض الخليلية و باستعمال اللغة الدارجة أو العجمية في خرجته. و الموشح كلام منظوم على وزن مخصوص بعض شعراء الموشحات أبو حسن علي الضرير المعروف بالحصري و له قصائد عديدة من بينها ( يا ليل الصب ) و قد كان من شعراء المعتمد بن عباد و مات في طنجة .
مخترع الموشحات:
   وقد كان مخترع الموشحات في الأندلس شاعرا من شعراء فترة الأمير عبد الله اسمه مقدم بن معافى القبرى . وقد جاء في بعض نسخ كتاب الذخيرة لابن بسام أن مخترع الموشحات اسمه محمد بن محمود . والمرجح أن مخترع هذا النوع الشعري هو مقدم بن معافر ، وعلى ذلك أكثر الباحثين . على أن بسام لم يجزم حين ذكر هذا الأخير، و إنما قال: (( و أول من صنع هذه الموشحات بأفقنا واخترع طريقتها - فيما يلقى- محمد بن محمود القبرى الضرير)). ولعل كون الشاعرين من قبرة جعل ابن بسام يضع اسما محل اسم ، فكأنه قد بلغه أن الشاعر القبرى فلانا قد اخترع الموشحات ، فذكر محمد بن محمود ونسى اسم مقدم. وقد وردت هذه الموشحة منسوبة إلى هذا الأندلسي في كثير من المصادر الموثوق بها مثل جيش التوشيح لابن الخطيب . و قد قال نقر من الكتاب أن مخترع الموشحات هو باسل الفوزان.
تطور الموشحات:
    وقد كانت فترة نشأة الموشحات، كفترة نشأة أي فن، من حيث مشاهدتها لأولى المحاولات التي غالبا ما يعفى عليها الزمن. ومن هنا ولبعد الزمن بتلك الفترة، لم تبق لنا من هذه الموشحات الأولى التي نظمها مقدم و أمثاله أي نماذج. ولكننا نستطيع أن نتصورها موشحات بسيطة التركيب قليلة التعقيد، تتخذ مجالها من الموضوعات الغنائية كالخمر والطبيعة والغزل، وتكتب كلها باللغة العربية، ما عدا الخرجة ، التي تكتب باللغة الأندلسية الشعبية.
      كما كانت ترضى بقالبها ولغتها و أغراضها حاجة الأندلسيين حينئذ، وتعكس اختلاط عنصريهما وامتزاج لغتيهما، وشيوع الغناء والموسيقى بينهم. وقد تطورت الموشحات تطورا بعد فترة من نشأتها تطورات عديدة ، وكان من أهمها تطور أصابها في القرن الخامس الهجري، أيام ملوك الطوائف. ثم تطور آخر بعد ذلك بقليل فرع عنها ما يسمى بالزجل، حتى أصبح هذا الاتجاه الشعبي ممثلا في لونين:
1ـ لون الموشحات ، وقد صارت تكتب جميعا باللغة الفصحى .
2ـ لون الأزجال وقد صارت تكتب جميعا باللغة العامية. وانتقل هذان اللونان من الأندلس إلى المشرق ، فكثر فيه الوشاحون والزجالون.
    وعرفهما كذلك الأدب الأوروبي، فتأثر بهما شعراء جنوب فرنسا المسمون (التروبادور)، كما تأثر بهما كثيرون من الشعراء الأسبان الغنائيين. وانتقل التأثير إلى الشعر الإيطالي ممثلا في عدة أنواع، مثل النوع الديني المسمى(لاودس) والنوع الغنائي المسمى (بالآتا )
خصائص الموشحات:
    بالإضافة إلى الجمع بين الفصحى والعامية تميزت الموشحات بتحرير الوزن والقافية وتوشيح ، أى ترصيع ، أبياتها بفنون صناعة النظم المختلفة من تقابل وتناظر واستعراض أوزان وقوافى جديدة تكسر ملل القصائد ، وتبع ذلك أن تلحينها جاء أيضا مغايرا لتلحين القصيدة ، فاللحن ينطوى على تغيرات الهدف منها الإكثار من التشكيل والتلوين ، ويمكن تلحين الموشح على أى وزن موسيقى لكن عرفت لها موازين خاصة غير معتادة في القصائد وأشكال الغناء الأخرى.
أغراض شعر الموشحات :
    الغزل هو الشائع بين أغراض شعر الموشح ، لكن هناك أغراض أخرى تعرض لها من بينها الوصف والمدح والذكريات.


تكوين الموشحات:
   يضم الموشح عادة ثلاثة أقسام ، دورين وخانة كل منها بلحن مختلف والختام بالخانة الأخيرة غالباً ما يكون قمة اللحن من حيث الاتساع والتنويع مثلما في موشح ( لما بدا يتثنى ) وموشح ( ملا الكاسات) ، وقد لا تختلف الخانة الأخيرة ويظل اللحن نفسه في جميع مقاطعه كما في موشح ( يا شادى الألحان ) ، وقد تتعدد أجزاء الموشح لتضم أكثر من مقطع لكل منها شكل وترتيب وتتخذ تسميات مثل المذهب ، الغصن ، البيت ، البدن ، القفل ، الخرجة.
   وألف في الموشحات ابن عبد ربه الأندلسي صاحب كتاب (( العقد الفريد)) لكنهما لم برعا في هذا الفن كما برع المتأخرون عنهم وأول من برع في الموشحات عبادة القزاز جاء من بعده فلاح الوشاح (( في زمن ملوك الطوائف )) وفي عهد الملثمين برع الأعمى التطيلي ، ويحيى بن بقي ، و أبو بكر بن باجة وفي عهد الموحدين برز محمد بن أبي الفضل بن شرف وأبو الحكم أحمد بن هر دوس وابن مؤهل وأبو إسحاق الزويلي ، أما المع الأسماء في سماء التوشيح أبو بكر بن زهر وأبو الحسن سهل بن مالك الغرناطي ثم جاء من بعدهم ابن حزمون المرسى وأبو الحسن بن فضل الاشبيلي ، وأما رئاسة فن التوشيح فهي لأبي عبد الله ابن الخطيب صاحب الموشحة الشهيرة (( جادك الغيث )) توفى أبو عبد الله سنة 1374 م ، شاعر الأندلس والمغرب تولى الوزارة بغرناطة وعرف بذي الوزارتين (( الأدب والسيف)) وتعتبر موشحة ابن الخطيب من أشهر الموشحات وأغناها بالفكرة والصورة والإحساس والتلوين الكلامي ، ويتكون أغلب الموشح من القفل والبيت ، فمنه ما جاء على أوزان العرب كالمخمسات ، فيؤتى بخمسة أقسام من وزن وقافية ، ثم بخمسة أخرى من وزن وقافية أخرى ، كقول ابن زهر في بحر الرمل:

أيها الساقي إليك المشتكى :: قد دعونا وإن لم تسمعِ

ومن الموشح ما يدعى باسم المسمطات ، كأن يبدأ ببيت مصرع ثم يأتي بأربعة أقسام أو أقل كقول القائل:

غزالٌ هاج بي شجناً :: فبت مكابداً قرنا
عميد القلب مرتهنا :: بذكر الحب والطّربِ
وهناك أيضا المزدوجات من ذوات القافية المزدوجة في كل بيت، كقول أبي العتاهية :
حسبك ما تبتغيه القوت :: ما أكثر القوت لمن يموت
إن الشباب حجة التصابي :: روائح الجنة في الشباب

    ومنها ما لا وزن فيها، فكل موشحة مكونة من عناصرها الأساسية المعهودة، كمطلع الموشح وهو البيت الأول لها، وقد يكون من قسمين أو أكثر وهو القفل الأول ، ويليه باقي الأقفال المتفقة مع بعضها في وزنها وقوافيها وعدد أجزائها، ثم الغصن وهو كل قسم من أقسام المطلع والأقفال إذ تتساوى الأقفال مع المطلع في عدد الأغصان وترتيب قوافيها ، أما الدّور وهو البيت ، فقد يكون بسيطاً مؤلفاً من أجزاء مفردة ، كما في الموشحة :

عَبِثَ الشوق بقلبي فاشتكى :: ألم الوجد فلبت أدمُعي
أيها الناس فؤادي شَغِف
وهو في بَغيِ الهوى لا يُنصِف
كم أداريه ودمعي يكُف
أيها الشادن من علمكا :: بسهام اللحظ قتل السبع

وقد يكون مركباً مؤلفاً من فقرتين أو أكثر، كما في هذه الأبيات لابن سناء الملك:

كذا يقتاد سَنَا الكوكب الوقّاد
إلى الجلاس مشعشعة الأكواس
أقم عذري فقد آن أن أعكف
على خمر يطوف بها أوطف
كما تدري هشيم الحشا مُخطَف
   وآخر قفل في الموشحة يدعى الخرجة ، فقد تكون عامية أو معربة أو أعجمية، وهكذا فإننا لا نجد في معاني الموشحات جِدّةً وعمقاً، فتبدو الموشحة كغادةٍ بالغت في الزينة واستعمال المساحيق فخسرت الكثير من جمالها ولكنها على الرغم من ذلك قد استطاعت أن تحافظ على رشاقتها ومشيتها المرقصة، ولَمّا كانت الموشحات قد اخترعت في سبيل الغناء كان من الطبيعي أن تنظم في الأغراض التي تناسب هذا الفن كالغزل ووصف الطبيعة،إلا أنها رغم ذلك خاضت ما تبقى من أنواع الشعر كالمدح والرثاء والهجو والمجون والزهد، ونظرا لطبيعة الأندلس المذهلة الأخاذة، كان كثير من الشعراء ينجحون في وصف الطبيعة، ووقع اختياري على موشح محمد بن عيسى اللخمي، المشهور بابن لبانة يقول  :
في نرجس الأحداق :: وسوسن الأجياد
نبت الهوى مغروس :: بين القنا المياد
وفي نقا الكافور :: والمَندلِ الرطب
والهودج المزرور  ::  بالوشى والعَصبِ
قُضبٌ من البِلّور :: حُمين بالقُضبِ
نادى بها المهجور :: من شدة الحُبِّ

أذابت الأشواق :: رُوحي على أجساد
أعارها الطاووس :: من ريشه أَبراد

   ونظرة خاطفة على موشحة لسان الدين بن الخطيب في الغزل وذكر الطبيعة ومدح السلطان الغني بالله :

في ليالٍ كتمت سر الهوى :: بالدجى لولا شموس الغرر
مال نجم الكأس فيها وهوى :: مستقيم السير سعدَ الأثرِ
   باعتبار الموشحات فتحا جديدا في الأدب العربي فهي تغيير عن نمطٍ واحدٍ من أنماط الشعر، ولا يجب أن نطلب منها أن تكون غذاء الذهن والفكر، بل يكفينا ما تخلقه في نفوسنا من لذةٍ محببة ، وهذا مقطع لابن زمرك في ذكر الصبوح ومدح سلطانه ابن الأحمر:

مولاي يا نكتة الزمان :: دار بما ترتضي الفلك
جلَّلتَ باليُمن والأمان :: كلّ مليكٍ وما مَلَك
لم يدرِ وصفي ولا :: عيان أملِكٌ أنت أم مَلَك؟

نبذة تاريخية عن الموشحات:
   أجمع مؤرخو الشعر العربي على أن فن الموشحات فن أندلسي خالص ، عرف به أبناء الأندلس ومنهم انتقل متأخراً إلى المشرق ، وهو من أروع ما خلف الأندلسيون من تراث أدبي  .
سبب تسميتها :
    وقد سمي هذا الفن بالموشح لما فيه من ترصيع وتزيين وتناظر وصنعة فكأنهم شبهوه بوشاح المرأة المرصع باللؤلؤ والجوهر .
بناء الموشح : تختلف الموشحات عن القصائد العربية من حيث البناء ويتألف الموشح من أجزاء مختلفة يكوّن مجموعها بناء الموشح الكامل ، وقد اصطلح النقاد على تسمية هذه الأجزاء بمصطلحات ، وهذه الأجزاء هي  :
1ـ المطلع 2- القفل 3- الدور 4- السمط 5- الغصن 6- البيت 7- الخرجة .
   ومن أراد التوسع في معرفة تلك الأجزاء فعليه بمطالعة نماذج من الموشحات ليتكون له كأمثلة تطبيقية ، على نحو موشحة( لسان الدين بن الخطيب ) التي يقول في مطلعها :
جادك الغيث إذا الغيث همى :: يــازمــان الـوصل بالأندلـس
لــم يـكـن وصلك إلا حـلـمــا في الكرى أوخلسة المختلس

أشهر الوشاحين :
من أشهر الوشاحين الأندلسيين : ( عبادة بن ماء السماء ، عبادة القزاز ، ابن بقي الأعمى التطيلي ، لسان الدين بن الخطيب ، ابن زمرك ابن سناء الملك ، شهاب الدين العزازي ، ابن باجة ابن سهل ، ،ابن زهر ، محيي الدين بن العربي أبو الحسن المريني  )

======================
2ـ فن الزجل الأندلسي
   الزجل فن من فنون الشعر العامِّي، نشأ وازدهر في الأندلس، ثم انتقل إلى المشرق العربي على خلافٍ في ذلك بين مؤرخي الأدب.

معناه اللغوي :
    تفيدنا معرفة المعنى اللغوي لكلمة زجل في إدراك السبب في اختيار الكلمة اسما لفن الزجل. فالأصل الحسي لكلمة زَجَل يفيد أنها كانت تعني: درجة معيّنة من درجات شدة الصوت، وهي الدرجة الجهيرة ذات الجلبة والأصداء. وبهذه الدلالة، كان يُقال للسحاب: سحاب زَجِل، إذا كان فيه الرعد. كما قيل لصوت الأحجار والحديد والجماد أيضًا زجل.

    ثم تغيرت دلالة كلمة زَجَل، فأصبحت تعني اللعب والجلبة والصّياح، ومنها انتقلت إلى معنى: رفع الصوت المرنَّم. ومن هنا جاء إطلاق اسم زجل على صوت الحَمَام، ثم إطلاقه على الصوت البَشَري المُطرب. وقد يؤكد هذا الارتباط الدلالي بين كلمة زجل ومعني الصوت العالي المُنَغَّم أن كلمة زجَّالة ما زالت تُطلق ، في إحدى واحات مصر، على جماعة الشباب الذين يجتمعون في مكان بعيد ليؤدُّوا الرقص والغناء الصاخب بمصاحبة آلاتهم الموسيقية.

معناه الاصطلاحي :
غدت كلمة زجل في الدوائر الأدبية والغنائية مُصطلحًا يدل على شكل من أشكال النظم العربي، أداته اللغوية هي إحدى اللهجات العربية الدارجة، وأوزانه مشتقة أساسًا من أوزان العروض العربي، وإن تعرضت لتعديلات وتنويعات تتواءم بها مع الأداء الصوتي للهجات منظوماته. ويتيح هذا الشكل من النظم تباين الأوزان وتنويع القوافي وتعدد الأجزاء التي تتكون منها المنظومة الزَّجلية، غير أنه يُلزم باتباع نسق واحد ينتظم فيه كل من الوزن والقافية وعدد الشطرات التي تتكون منها الأجزاء، في إطار المنظومة الزَّجلية الواحدة.
   وقد صنَّف القدماء الزجل، مع المواليا والقوما والكان كان ضمن ماسمَّوه الفنون الشعرية الملحونة أو الفنون الشعرية غير المُعْرَبة. ويقصدون بهذا الاسم: أشكال النظم العربية التي ظهرت في العصر الأدبي الوسيط، والتي لم يلتزم ناظموها باللغة الفصحى المعيارية، وخاصة بالنسبة لقواعد الإعراب. واعتماد ذلك التصنيف على هذا الفارق اللغوي يدلّ على إدراك نافذ.
    فالواقع أن هذه الأشكال غير المُعْرَبة ظلت على صلة وثيقة بالأشكال المُعْرَبة، وتتبنى تقاليدها الفنية، رغم فارق مستوى الأداء اللغوي. بل إن لغة الزجل، مثلاً، وإن كانت غير مُعْرَبة، كانت تقترب من الفصحى بقدر كبير. فلـُغة المنظومات الزَّجلية كانت لهجة دارجة خاصة بالزجالين، بوصفهم أفرادًا يلتحقون بالدوائر الأدبية السائدة، وتتحد أطرهم المرجعية في داخل نوع الثقافة العربية التي تُقرُّها هذه الدوائر.
    وقد ظل هذا الفارق في مستوى الأداء اللغوي أحد مقوّمات تمايز الزجل عن الشعر الفصيح، كما كان في الوقت نفسه أحد مقوّمات تمايز الزجل عن أشكال الشعر الشعبي (الجَمْعِي، الفولكلوري) وعن حركة شعر العامية واختلافه معها.

مكان الزجل بين أشكال النظم الأخرى :
     اتخذ الزجالون من الزجل شكلاً للتعبير استجابة لحاجة لغوية، وتحقيقًا لوظيفة فنيّة، لم تكن الأشكال الأخرى تفي بهما. فقد انحصر كل من القصيدة التقليدية والموشح، بلغتهما ومواضعاتهما، في دائرة مُحدَّدة رسميًا وفئويًا. بينما استبعدت أشكال الشعر الشعبي (الجَمْعِي، الفولكلوري)، الموجودة بالفعل. في الوقت الذي كانت قد تكوّنت فيه شريحة اجتماعية جديدة من أبناء البيوتات العربية في الحواضر والمدن. وكانت هذه الشريحة قد تقلّبت بها صروف الحياة ومطالب العيش في أسواق هذه المدن، ولكنها في توجهاتها ومطامحها تسعى للالتحاق بالدائرة الحاكمة مستجيبة لمعاييرها الاجتماعية والثقافية. ومن هنا، سعى مثـقّـفُو هذه الشريحة الجديدة للتعبير عن أنفسهم في شكل جديد وسيط، يتناسب مع وضعهم الاجتماعي والثقافي الوسيط. وكان على هذا الشكل المُوَلَّد أن يعتمد أداة له: لهجة مُوَلَّدة تَدْرُج بين هذه الفئة من المثقفين، وأن يتخذ من ذائقتها ومعاييرها الفنية ضابطًا. وكان هذا الشكل المُوَلّد هو الزجل.

   ومنذ بداياته الأولى، ظل الزجل فنا مدينيا في المقام الأول، وبقي محتلاًّ موضعه الوَسَطِيّ بين أشكال النظم العربية. وإن كانت وسطيَّته هذه تميل إلى جانب تراث الشعر الفصيح، وتبتعد عن مأثور الشعر الشعبي (الجَمْعِي، الفولكلوري).
    وعلى أساس موضوعه الوَسَطِيّ هذا، تحددت وظائفه وخصائصه، كما تحدد مسار الظواهر التي رافقت نموه عبر تاريخه الطويل. وإدراكنا لهذا الموضع الخاص بالزجل يُمكننا من حُسن فهم خصوصياته، ويزيل كثيرًاً من الالتباسات التي أحاطت به ، سواء ما أثاره القدماء أو ما أحدثه المحدثون.
هيكل المنظومة الزجلية:
    تشير المصادر القديمة إلى أن الزجالين، في المرحلة الأولى من ظهور الزجل، كانوا ينظمون الأزجال في هيئة القصيدة العربية المعهودة، ذات الأبيات المُفردة والقافية الواحدة والوزن الواحد. وهي بذلك كانت تشبه القريض، لا تختلف عنه بغير عدم التزام الإعراب وباستخدام لهجة ناظميها الدارجة. وكانت تلك المنظومات تُسمَّى القصائد الزجلية.
   وقد يُمثل هذا القالب قصيدة مدغليس، الذي كان واحدًا ممن ثبتوا فن الزجل من معاصري ابن قزمان (ت554هـ).ومطلعها:
مَـضَ عــنّي مَـن نحـــــبُّو ووَدَّعْ :: و لهيب الشُوق في قَلبي قد أودَعْ
لو رَأيتْ كفْ كُنّ نَشياعوا :: بالعين وَمَ ندري أن روحي نشيع
من فظاعة ذا الصَبَر كنت نعْجب:: حتّى ريْتْ أنْ الفراق منّو أفظعْ

   ومنذ هذا الطور الأول في حياة الزجل، بقي قالب القصيدة رصيدًا دائمًا يعود إليه الزجالون، وإن مالوا، من بعد، إلى النظم في هيئات متجددة تتعدد فيها الوحدات، وتتفرع الأوزان، وتتنوع القوافي.

   وأبسط قوالب النظم في هذه الهيئات المتجددة ما يعتمد على وحدات رباعية. كما يتبين من النموذج التالي المنقول عن زجل لصفي الدين الحلِّي (750هـ)

ذا الوُجُود قَدْ فاتَكْ وأنْتَ في العَدَم : ما كُفيت من جَهْلَكْ زَلَّة القَدَم
قَدْ زَرعْتَ ذي العَتْبَة فاحْصـدُ النَّدَمْ :: أو تَريدْني الساعة ما بَقِيتُ أريدْ

    ثم تتدرج قوالب النظم من حيث كثرة عدد أقسام المنظومة، وعدد أشطار وحداتها، ومن حيث التنوّع في التقسيم الموسيقي لعناصرها، بحيث يصل تركيب قالب المنظومة فيما سُمي الحِمْل، مثلاً، إلى الصورة التالية:
  للحمل مطلع ذو بيتين . وبعد المطلع تتالي الأدوار، وهي اثنا عشر دورًا في الغالب. والدور خمسة أبيات أو أربعة. فإذا كانت الأدوار من ذات الخمسة أبيات فتأتي الثلاثة الأولى على قافية واحدة والاثنان الأخيران على قافية المطلع، وإلا كانت كلها على قافية واحدة.
    وكما كثُرت قوالب النظم، كَثُرت مصطلحاته وتسميات تفريعاته وعناصره بما تطول متابعته. ولكنا نكتفي بإيراد المخطط التالي لإيضاح هيئة وحدة زجلية وتسميات أجزائها.

المطلـع : غصن أ غصن ب
البيـت أ غصن
أو أ غصن
الدور أ غصن
القُفل: غصن أ غصن ب

   ولا تختلف هذه التقسيمات كثيرًا عن التقسيمات الفنية لأجزاء الموشحة. انظر:
الجزء الخاص بالموشحات في هذا الملخص.
    أما في العصر الحديث، فقد مال الزجالون إلى النظم في القوالب البسيطة، وابتعدوا عن التعقيد وتشقيق الأجزاء، ولهذا تتخذ منظوماتهم إما هيئة القصيدة، وإما تلك المعتمدة على الوحدات الرباعية وأضرابها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق