الأحد، 6 نوفمبر، 2016

أسس الأخلاق في العقيدة الإسلامية

أسس الأخلاق في العقيدة الإسلامية


للأخلاق ـ كغيرها من الأصول ـ أسس تقوم عليها، وهي بمثابة القواعد التي تنطلق منها...
ويمكن إجمالها فيما يلي:
1ـ الأساس الاعتقادي :
يقوم هذا الأساس على ثلاثة أركان:
أ ـ الإيمان بوجود الله الذي خلق الموت والحياة، والإنسان والكون، وهو العالم بكل شيء في الماضي والحاضر والمستقبل.
ب ـ أن الله منذ أن خلق الإنسان فوق هذا الكوكب عرفه بنفسه، وعرفه طريق الخير والشر والحق والباطل برسالات الوحي.
ثم أن الله خلق في الإنسان قدرة لإدراك تلك الحقائق، ونصب دلائل على جميع ذلك في هذه الطبيعة يدركها من يتأمل فيها ويبحث عنها في ثنايا هذا الوجود.
جـ ـ وجود الحيلة بعد الموت، فهذه الحياة إما نعيم أو جحيم، فالأولى يكافأ بها من اتبع الحق، والثانية يجازى بها من اتبع الباطل.
وهذا الأساس في غاية الأهمية في الاتجاه الأخلاقي في الإسلام، ذلك أنه يعتبر السند الذي يعتمد عليه في إقامة النظام الخلقي وفي عملية الالتزام به. فبدون هذا الأساس تفقد الأخلاق قدسيتها، وعظم تأثيرها في الإنسان، ولايمكن أن نطبق الأخلاق تطبيقاً عملياً دقيقاً في السر والعلن إلا إذا اتخذ هذا الأساس في قلوب البشر مكاناً وآمنوا به إيماناً صادقاً.[1]
2ـ الأساس العملي:
الإسلام دين وسط، قال تعالى:{وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً}[2]
وعلى هذا، فالإسلام قد توسط بين دعوتين متناقضتين، الأولى منهما تدعوا إلى الحياة الطبيعية، والإخلاد إلى الأرض، وعدم الاهتمام بما فوق الطبيعة وفوق الحياة الواقعة الملموسة، لأن الحياة مع الطبيعة، هي الحياة السليمة التي تؤدي إلى السعادة.
والثانية دعت إلى الروحانيات، وحاربت الطبيعة، وعدم الاستسلام لضغط وقائع الحياة مهما كانت طبيعتها وشدتها، لأن السعادة لا تتحقق إلا بذلك..!!
أما الإسلام فكان وسطاً بين ذلك كله،ففي مجال الروحانيات: دعا الإسلام إلى الاستعلاء على الطبيعة وعدم الاستسلام لها لأنه ـ الإسلام ـ  طلب من الإنسان أن يكون سيداّ على نفسه في الحياة، وذلك لا يكون إلا بتسخير قوانينها وتكييف مادتها في صورة تؤدي إلى عمران الأرض، ولا يستطيع أن يكون سيداً على نفسه إلا بضبط ميوله ورغباته وحاجاته الأولية وتوجيهها وفقاَ للمثل العليا.
وفي مجال الطبيعة: دعا إلى مهادنة الطبيعة والواقع ومراعاة قوانينها وعدم الاصطدام معها لأن الحياة مع مخالفة الطبيعة بهذه الصورة لا يمكن أن تستمر ولا بد أن يبؤ نظام الحياة القائم على هذا الوضع بالفشل.


3ـ مراعاة الطبيعة الإنسانية:
تنبع أهمية هذا الأساس في الدراسات الأخلاقية، وذلك لوجود ارتباط وثيق بين السلوك وطبيعة الإنسان، ولتوقف نجاح النظام الأخلاقي على مدى انسجامه مع واقع هذه الطبيعة.
اهتم علماء المسلمين ـ كما اهتم غيرهم ـ بدراسة طبيعة الإنسان ، إلا أن الغموض الذي يكنف تلك النفس حال دون الكشف عن حقيقة تلك الطبيعة الإنسانية.
وبالنظر في النصوص المتعلقة بالطبيعة الإنسانية تجدها قد تحدثت عن ثلاث نواح:
أ ـ طبيعة خلق الإنسان، والأطوار التي مر بها.
ب ـ الطباع الدفينة والمركبة في هذه الطبيعة.
جـ ـ الخصائص العامة للإنسان التي نتجت عن طبيعة التكوين.




4ـ التأكيد على مبدأ المسؤولية الخلقية:
المسؤولية الخلقية، هي:" تحمّل الشخص نتيجة التزاماته وقراراته واختياراته العملية من الناحية الإيجابية والسلبية أمام الله في الدرجة الأولى وأمام ضميره في الدرجة الثانية وأمام المجتمع في الدرجة الثالثة" [3]

وأسس هذه المسؤولية الخلقية هي:
أ ـ الإيمان بالله:
وهو يعد من أقوى الأسس التي تعتمد عليها المسؤولية الخلقية في الإسلام، لأن المطالبة بالتزام الفضائل الخلقية واجتناب الرذائل لا يتحقق إلا باعتقاد جازم يحمل على العمل، ولأن المحاسبة على الفعل أو الترك لا تتصور شعوراً حياً إلا بيقين راسخ يبعث على الاستعداد، هذا اليقين هو الإيمان بالله تعالى.
ب ـ الأساس العقلي:
العقل قوة غريزية، كرم الله بها الإنسان، تنمو شيئاً فشيئاً، يتمكن بها الإنسان من إدراك الحقائق، والتمييز بين الأمور، وتزداد قوة بالتجارب وتستيقظ بها المصالح، ويوقف بها على العواقب.[4]
مكانة العقل في الإسلام:
 أولى الإسلام عناية كبيرة بالعقل، وجعله مناطاً للتكليف في كثير من العبادات، وألمح بأنه سر تفضيل الإنسان على غيره، قال تعالى:{وما يذكر إلا أولو الألباب}.[5]
وجه ارتباط المسؤولية بالعقل:
·       لأنه مطبوع على التمييز بين الأمور، ومهيأ لتحمل الأمر والنهي ومعرفة العواقب[6] .
·       لأنه من دأبه الإشارة إلى الصواب والهداية إلى الحق[7].
·       لأنه أداة الاختيار، إذ به يحس الإنسان أنه يستطيع أن يختار العقل أو يتركه، وهو قدر يتعلق به التكليف.

قال الغزالي:"ومع ما أوتي العقل من قوة وبصر، لا يصل في حكمه إلى درجة الكمال دائماً ولا يستقل بنفسه في معرفة ما دق من الخير والشر مما غاب عن الحس من الحق أو الشر، فإنه مثل ما يصيب أحياناً يخطئ حيناً آخر في تقديره للأمور التي في طاقته، إلى جانب أن الناس متفاوتون في تفكيرهم وإدراكهم"[8].

جـ ـ الأساس القلبي:
يطلق القلب في الكتاب والسنة ويراد به أحد أمرين:
 * العضو الصنوبري الشكل الموجود في الجانب الأيس من الصدر.(مادي)
 * الروح المتعلقة بهذا العضو، المتحمل لأمانة الله، المتحلي بالمعرفة، المتصف بالعاطفة. (معنوي)

ارتباط القلب بالمسؤولية الخلقية:
المسلم حينما يستفتي نفسه وقلبه في حكم السلوك الذي يميل إلى فعله، فإنه إما أن يجد طمأنينة على أن العمل من أعمال البر، أو تردداً واضطراباً وخوفاً من أن يطلع عليه الناس مما يدل على أن العمل من أعمال الإثم[9].
وعندما نقول إن النفس تشارك القلب في تمييز الفضيلة من الرذيلة والدلالة عليهما، يعني أنهما من الألفاظ المترادفة التي تعني شيئاً واحداً؟
أجاب عن ذلك الغزالي، فبين أن لكل من اللفظتين معنى خاصاً، وهما يتواردان على معنى عام هو(اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان). [10]
فكلاهما يشعر بالحسن والقبح، قال ابن حزم:( ليس بين الفضائل والرذائل، ولا بين الطاعات والمعاصي إلا نفار النفس وأنسها فقط). [11]

5ـ إثبات الجزاء الأخلاقي:
الجزاء من حيث أنه أساس أخلاقي له أهمية الأسس الأخرى، بل إن أهميته مزدوجة فهو مهم باعتباره دافعاً إلى التمسك بالقيم الأخلاقية، وهو مهم لأن العدالة تقتضيه لأنها تفرق بين إنسان يبني وآخر يهدم، فالجزاء يقتضي العدالة والعدالة تقتضي الجزاء وهما يجعلان للأخلاق معنى وقيمة، وبدونهما تفقد الأخلاق مفهومها فتصبح أمراً لا قيمة له.


والجزاء الأخلاقي أنواع:
أ ـ الجزاء الإلهي :
ويقصد به: ثواب الله وعقابه لعبده في الدنيا والآخرة على عمله الذي طلبه منه سبحانه على سبيل الوجوب والندب أو الكراهة والتحريم.
مصدره: من عند الله، فهو أصل لغيره من الأجزية في الأديان.
فالله سبحانه صاحب الأمر والحكم، والمجازي على الأعمال بالحسنات والسيئات وبالحدود والعقوبات فضلاً منه وعدلاً، لا يشاركه في ذلك غيره.
وقته: يقع الجزاء الإلهي على العباد في وقتين: في الدنيا وفي الآخرة.
* وعليه نقول: الجزاء الإلهي نوعان:
1/ الجزاء الإلهي في الدنيا: ويقصد به إما قدرة الله من ثواب أو عقاب على عبده المكلف قضاءً أو شرعاً أو تفويضاً مقابل عمله في الدنيا.
2/ الجزاء الإلهي في الآخرة: ويقصد به ما وعد الله به عباده المطيعين من نعيم في الآخرة، وما توعد به العاصين من عذاب فيهما.[12]

ب ـ الجزاء القلبي:
ويقصد به: حالتا شعور القلب بالخير بعد العمل الصالح، وبالشر بعد العمل السيئ.
مظاهره:
1/ في حالة الثواب: شعور الإنسان بطمأنينة القلب وسكونه وطهارته وانشراحه.
2/ في حالة العقاب: شعور الإنسان باضطراب قلبه وضيقه ونفوره وقساوته.
ومن أهم صفاته:
* أنه حادث بإرادة الله وناشئ عن اختيار العبد لسببه.
قال الإمام الطبري عند قوله تعالى:{واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه}[13].
 قال:" إن ذلك خبر من الله عز وجل أنه أملك لقلوب عباده منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء حتى لا يقدر ذو قلب أن يدرك شيئاً"[14]
* أنه جزاء على جميع أعمال البر والإثم، يزيد وينقص.
وقد دلت النصوص على هذه المجازاة، قال تعالى:{ألا بذكر الله تطمئن القلوب}[15].
وفي المقابل قال تعالى:{فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية}[16].

جـ ـ الجزاء الاجتماعي :
ويقصد به: ما يناله الإنسان على التزامه الفضيلة من تقدير المجتمع وتكريمه، وعلى ارتكابه الرذيلة من إهانة واحتقار.
ذلك أنه تكاد تتفق المجتمعات على استحسان جملة من الأخلاق كالصدق والوفاء والأمانة والإحسان إلى الناس، وعلى استهجان جملة أخرى كالكذب والغدر والخيانة، مما يستلزم أمرين:
1/ حرص الفرد مخلصاً أو منافقاً أن يظهر بمظهر من يراعي الفضيلة ويعمل بها ليوافق استحسان المجتمع.
2/ تطلع جميع الأفراد إلى تقدير المجتمع وتكريمه في التزامهم الفضيلة ومجانبتهم الرذيلة.

 شمولية الأخلاق:
الأخلاق الإسلامية تشمل جميع أعمال الإنسان الخاصة بنفسه، والمتعلقة بغيره، وشمولية معاني الأخلاق الإسلامية مما لا نجد له نظير في أي تشريع من الشرائع الإسلامية ولا نلمسه في أي شريعة أخرى وضعية، فالأخلاق الإسلامية شاملة، نرى إن كل ماهو قبيح في علاقات الأشخاص قبيح في علاقات المجتمع، وكل ما كان مطلوباً وجميلاً بين الأفراد يكون مطلوباً وجميلاً للمجتمع.
وقد نص القرآن الكريم والسنة المطهرة على أن الدولة الإسلامية يجب عليها الالتزام الكامل بالأخلاق الإسلامية الشاملة لجميع طبقات المجتمع.
فمن القرآن قوله تعالى:{ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين}[17]
يعني إذا ظهرت لك خيانة من عاهدته وثبتت دلالتها فأعلمه بنقض عهده حتى تستوي معه في العلم، لأن الله لا يحب الخيانة حتى ولو كانت مع الكافرين، والسنة المطهرة تقر شمولية الأخلاق، ففي صلح الحديبية كان من شروط تلك المعاهدة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وقريش، أن من جاء النبي صلى الله عليه وسلم من قريش يرده إلى قريش، وفي أثناء كتابة المعاهدة، دخل أبو جندل بن سهيل ( يمشي شيئاً بطيئاً في قيوده قادماً من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً؟ ألا ترون ما قد لقيت ؟
وكان قد عذب في مكة عذاباً شديداً، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: يا أبا جندل، اصبر واحتسب فإنا لا نغدر وإن الله جاعل لك فرجاً ومخرجاً).[18]
فالالتزام بالأخلاق مطلوب في جميع الوسائل والغايات فلا يجوز الوصول إلى الغاية الشريفة بالوسيلة الخسيسة، ولهذا لا مكانة في الأخلاق الإسلامية للمبدأ الخبيث القائل: الغاية تبرر الوسيلة، مراعاة للمعاني الأخلاقية في القرآن الكريم إن الأحكام الشرعية شاملة للرفيع والوضيع ولا تفرق بين زيد وعبد الله، فالهلاك والدمار ليسا خاصين بالذين يفسدون في الأرض ويظلمون الناس، ويرتكبون المعاصي بل يشمل المجتمع بأسره وإلا لو ترك أصحاب الأخلاق الرذيلة يعبثون بالناس خوفاً من شرهم وإيثاراً للذل والحياة المهينة لأصيبت الأمة بالهلاك الشامل.
إن الإسلام لم يضع المبادئ لشمولية الأخلاق ليتركها سطوراً مسطورة في الكتب يرددها الناس دون تطبيق فلا بد لشمولية الأخلاق من التطبيق لتكون نموذجاً حياً يملأ الأبصار والأسماع، من ذلك أن الدين الحنيف قد ندد بالذين يشعرون أن لهم الشرف أكثر مما لغيرهم، وأنه لا حق لمن دونهم في المنزلة الاجتماعية بمجالستهم والتحدث معهم والاختلاط بهم والأكل معهم.[19]
وعليه نقول: إن لكل قطاع من القطاعات الإنسانية المختلفة الداخلية والخارجية أخلاقاً، فللفكر أخلاق، وللاعتقاد أخلاق، وللقلب أخلاق وللنفس أخلاق وللسلوك الظاهر أخلاق.
·       فمن فضائل أخلاق الفكر: تحري الحقيقة بإنصاف وتجرد وحياد، والصبر على التفكر والتدبر، والبحث عن كل نافع يفيد من الأفكار والمعارف والعلوم.
·       ومن فضائل أخلاق الاعتقاد: أن لا يسمح الإنسان لنفسه بأن تتبع الأوهام والظنون الضعيفة فيحلها في مراكز عقائده الثابتة الراسخة، وأن لا يجعل مركز عقائده فريسة للتقليد الأعمى.
·       ومن فضائل أخلاق القلب: حب الحق وحب الخير وكراهية الباطل والشر وعدم تحمل الأحقاد والضغائن.
·       ومن فضائل أخلاق النفس: الصبر والعفة، ومجانبة الحسد، والترفع عن سفاسف الأمور، والنظر إلى معاليها وعلو الهمة، وجود النفس  ، وغير ذلك....


[1] الأتجاه الأخلاقي (121:119)
[2] البقرة (143).
[3] الاتجاه الأخلاقي 237
[4] كشاف اصطلاحات الفنون (1034)
[5] البقرة 269
[6] الرعاية لحقوق الله  252
[7] الذريعة إلى مكارم الشريعة 102
[8] إحياء علوم الدين 1/129:127
[9] الأخلاق الإسلامية 1/67 (بتصرف)
[10] إحياء علوم الدين 3/4
[11] رسالة المسترشدين 84
[12] المسؤولية الخلقية 410
[13] الأنفال 24
[14] جامع البيان 9/217
[15] الرعد 28
[16] المائدة 13
[17] الأنفال 58
[18] البداية والنهاية 6/170
[19] مكارم الأخلاق 88:81

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق