السبت، 19 نوفمبر، 2016

مفاهيم أخلاقية في العصر الحديث

مفاهيم أخلاقية في العصر الحديث

أولاً : أخلاقيات الواجب
تمثل فلسفة (كانت) الأخلاقية اتجاهاً مغايراً للاتجاهات الفلسفية التي اعتبرت الخير في اللذة واعتبر امانويل كانت (1724- 1804م) أن موضع الدين الإرادة وليس العقل وأنه لابد أن يؤيد الإيمان بالعمل ، وهذا الاعتقاد مستمد من الديانة البروتستانتية المتصلة بالعقيدة اللوثرية.
استبعد (كانت) اللذة والمنفعة والسعادة كغاية قصوى لأفعال الإنسان لرغبته في تحرير السلوك الإنساني من القيود والأهواء واعتبر الباعث على فعل الخير يكمن في الإرادة وبذلك أقام الأخلاق على مبدأ الواجب.
ويعتقد (كانت ) أن أفعال الإنسان لا تكون خيراً إلا إذا كانت صادرة عن واجب وليس عن ميل أو رغبة في تحقيق مصلحة شخصية ومحافظة الإنسان على حياته واجب والإحسان واجب ومحبة الجار واجب وغرس العواطف النبيلة في النفس واجب. وتعريف الواجب بأنه : " ضرورة القيام بفعل عن احترام للقانون"([1]) وسمات الواجب عند (كانت) ثلاثة هي([2]):
1. الواجب تشريع وقاعدة شاملة وتكمن قيمته في صميم نفسه بصرف النظر عن المنفعة أو الفائدة أو الكسب المادي.
2.   لا يطلب الواجب لتحقيق منفعة أو بلوغ سعادة.
3.   الواجب قاعدة غير مشروطة للفعل وهو سابق للفعل أو التجربة.
ويشترط للواجب حرية الإرادة السابقة للفعل وشعور الإنسان بالواجب مجرداً من آثار الوراثة وقيود البيئة وهذا الشعور الملزم يحتم عليه أن يتصرف وفقاً لمبدأ (يعني مبدأ الواجب). وكل حق يستلزم واجباً على مستويين، فحق التملك يفرض على الناس احترام حق الشخص في الملكية ويستوجب الإخلال بهذا الحق نفاذ القانون بالعقوبة على المعتدي. وواجب على صاحب الملكية أن يستخدم ما يملك في خيره وخير الناس ولكن إهمال ملكيته لا يترتب عليه عقوبة من القانون([3]). وهنا يأتي دور الأخلاق التي تفرض عليه استناداً لإحساسه بمبدأ الواجب أن يصون الملكية ويستخدمها لخيره وخير الأمة. ومبدأ الواجب يعمل عندما يقف القانون عن العمل.
وأخلاق الواجب تقيم الأخلاق على فكرة الواجب والإرادة ويذهب البعض إلى تعريف الخلق بأنه " عادة الإرادة الحرة" ([4]). ويلخص مانيويل فالزكوز (Manuel Velasquez) نظرية (كانت) للحقوق والواجبات بأنها تستند إلى الأمر القاطع ([5])، ( Categorical Imperative) الذي يتطلب أن يعامل كل شخص كشخص حر ومساوٍ لكل شخص آخر. وكل فرد له الحق في مثل هذه المعاملة وعليه واجب معاملة الآخرين بنفس الأسلوب باعتبارهم أحراراً ومتساوين.
ويركز مبدأ الأمر القاطع على دعاميت هما : الأولى وقد أطلق عليها تعبير (Maxim) وتستند إلى العقل (Reason) وتعني أنه من المفروض ألا اتصرف إلا بطريقة يكون بها تصرفي سبباً في تكوين قانون أخلاقي عام. وأن أي عمل يعتبر أخلاقيا في موقف معين إذا كان سبب الفرد في القيام بهذا العمل سبباً يرغب أن يكون لدى الآخرين في المواقف المشابهة، ومثالها : إذا رغبت بطرد موظف بسب عرقه أو دينه أو عقيدته السياسية  فإنه يتوجب علي القبول بأن يطردني المسؤول لنفس أو بعض الأسباب السابقة. ومن هنا يعمل هذا المبدأ على الحد من التمييز على أساس العرق أو الدين. ويشبه هذا المبدأ ما ورد في الفكر الإسلامي بضرورة أن يحب الفرد المسلم لنفسه ما يحبه للآخرين.
ويستند المبدأ الأول إلى فكرتين تحدد إطار الحق الأخلاقي وهما العمومية (universality) والعكسية (Reversibility) وتعني العمومية أن يكون السبب الذي يدفع الفرد لعمل ما هو نفس السبب الذي يدفع الآخرين للقيام بنفس العمل من حيث المبدأ. وتعني العكسية السبب الذي يدفع الآخرين للقيام بنفس العمل من حيث المبدأ. وتعني العكسية أن تكون أسباب الفرد للقيام بعمل ما مقبولة له عندما يستخدمها الآخرون في التعامل معه من حيث المبدأ.
والدعامة الثانية لمبدأ الأمر القاطع" أن يتصرف  الإنسان بطرقة وكأنه يتعامل مع الإنسانية بشخصه أو بأشخاص الآخرين كغاية وليست وسيلة وكذلك أن لا يتعامل مع الناس كوسائل فقط لتحقيق غاياته ولكن كغايات بالإضافة للوسيلة وبنفس الوقت. ويترتب على الدعامة الثانية فكرتان هامتان هما :
أولاً : احترام حرية كل شخص والتعامل معه كما يرغب هو بمحض إرادته ودون إكراه.
ثانياً: تطوير قدرة الفرد المؤدية لاختيار أهدافه التي يسعى لتحقيقها بحرية تامة.
وتشكل الدعامة الثانية القاعدة لاعتبار الأفراد أحراراً ومتساوين في متابعة مصالحهم وتحديد هذه المصالح وبالتالي الحقوق الأخلاقية للأفراد وفيما يلي مخطط لمبدأ الأمر الواقع:





وخلاصة القول أنّ ( كانت ) أقام الأخلاق على فكرة الواجب وحدها وعلى الإرادة التي تخضع للواجب. وخالف سابقيه الذين أقاموا الأخلاق على أساس الغرض الأسمى أو السعادة.
وتعتبر مساهمة (كانت) بأنه رفع مقام الإنسان فوق اللذة والشهوة ونادى بأن الإنسانية هي الغاية وأن العمل الذي يصدر بدون وحي الضمير وقوة الإرادة الحرة وصوت الأمر القاطع المطلق المجرد من الغاية والمنفعة هو عمل ليس من الخير في شيء.


ثانياً : الأخلاق الاجتماعية:
ظهر هذا الاتجاه في القرن التاسع عشر والقرن العشرين وهو محاولة من العلماء الوضعيين الذين سبق الحديث عنهم أن يقيموا الأخلاق على أساس علم الاجتماع والواقع الثابت واعتبار أن أساس الأخلاق يستند إلى مثل عليا مستمدة من الجماعة ومقولتهم سبق الحديث عنها ونورد فقط بعض ملامحها وهي:
1.   الجماعة هي أصل الحقائق الأخلاقية لأنه لا وجود للأخلاق دون وجود الجماعة.
2.    يجب دراسة الوقائع والحقائق لتحديد ما هو متغير أو ثابت منها.
3.   الأخلاق ليست مستمدة من الدين وحده.
4.   الأخلاق تقوم على الحقائق الأخلاقية والواقع الذي يخضع للمشاهدة والتجربة.
وقد استعرضنا من أعلام هذا الاتجاه أو جست كونت وإميل دوركهايم الذين يمثلون الفلسفة الوضعية في العصر الحديث.

ثالثاً : المقاييس الخلقية
تقسم المقاييس الخلقية إلى نوعين هما المقاييس النظرية والمقاييس العملية([6]). وتشمل المقاييس العملية العادات والتقاليد والأعراف والقوانين والآراء وأما المقاييس النظرية فهي القواعد والمبادئ النظرية التي تنبع من الفكر والنظرية ومثالها النظريات الأخلاقية.
أ. المقاييس العملية: وتشمل ما يلي :
1. العرف: وهي متابعة الناس بعضهم بعضاً في عادة ما متابعة متكررة حتى تصبح العادة ثابتة ويترتب عليها درجة عالية من الالتزام الخلقي بحكم العرف . ويمكن أن يكون العرف سلبياً أو إيجابياً بحسب العادة  التي تواتر استخدامها وتحولت إلى قاعدة عرفية ثابتة. ويعارض البعض اعتبار العرف مقياساً خلقياً استناداً للمبررات التالية التي تمثل الأسس الثابتة للمقياس الخلقي، وهي:
أ. أن يكون المقياس عاماً لا يختلف مع الزمن واختلاف المكان.
ب. قد يكون العرف مخالفاً للدين والأخلاق والعقل وعندها لا يمكن اعتباره مقياساً خلقياً.
ج. إذا التزم الناس بالعرف توقف التقدم.
2. القوانين الوضعية: والتي يرى البعض أنها لا تصلح كمقاييس أخلاقية بسبب عدم ثباتها وأنها ليست عامة لكل الناس وتهتم بظواهر الأعمال ولا تهتم بالنوايا ولا تعالجها وأنها تنفذ بواسطة خارجية. أما الأخلاق فسلطانها داخلي وهو الضمير والإرادة الحرة المطلقة والمجردة من كل منفعة والقوانين الوضعية تكون فائدتها محددة وتظهر عند شعور الأفراد الذين يخضعون لهذه القوانين بإلزامية هذه القوانين وينفذونها طوعياً.
3. الرأي الشخصي ولا يصلح مقياساً نظراً لاختلافه من شخص لآخر وهو محور دعوى السوفسطائية بأن الإنسان مقياس كل شيء وقد تعرضنا إلى رد الفلاسفة على مواقف السوفسطائية في أماكن عديدة من هذا الكتاب.
4. القوانين السماوية: وهي الأوامر والنواهي التي شرعها الله وتمتاز بالثبات والعمومية في كل ما يتصل بتنظيم الجماعة والمجتمع وكذلك ما يتعلق منها بالحقوق والعلاقات بين الأفراد، فقد جاء محدداً وثابتاً وتصلح هذه القوانين السماوية كمقاييس أخلاقية.
5. القوانين الأخلاقية: وتشكل القوانين الأخلاقية قواعد ثابتة ووسائل ضبط اجتماعي وتشبه القوانين السماوية ويستخدم لضبط سلوك الأفراد والجماعات ولكن اختلاف فهم هذه القوانين واختلاف درجة الالتزام بمضمونها من فرد لآخر ومن زمان لآخر لا ينفي عنها صلاحيتها كمقاييس أخلاقية.


ب. المقاييس النظرية :
المقاييس النظرية مجردة من المكان والزمان ويقصد بها أن تكون عامة للناس وتصدر عن الفكر والنظر العقلي ويمكن الاسترشاد بها في الواقع العملي ويمكن تطبيقها. وتشمل المقاييس التي تحددها النظريات والمبادئ التي تطرحها ولكل نظرية سمة مميزة لها من حيث المبدأ المطروح على الإرادة.
ويلاحظ تباين مواقف هذه النظريات وتباين آراء الفلاسفة في فهم المبادئ المطروحة وهذا الاختلاف لا يعتبر نقيصه  ويكون صادراً عن تباين فهم المبادئ ، وهو أمر طبيعي.



(1) مصطفى  حلمي ، الأخلاق بين الفلاسفة وحكماء الإسلام، القاهرة: دار الثقافة العربية، 1986، ص101-105 .
(2) مصطفى حلمي ، الأخلاق بين الفلاسفة وحكماء الإسلام، القاهرة : دار الثقافة العربية، 1986، ص101 – 105 .
(3) عبد الله طلفاح ، كيف السبيل إلى الله : الأخلاق أولاً: ، الجزء العاشر، بغداد: دار الحرية لطباعة. 1982 ، ص 134 – 138 .
(4) محمود حمدي زقزوق ، مرجع سابق ، ص: 56 .
(5) Velasquez, Manuel G., Business Ethics: Concepts, N.J; Prentice- Hall Inc., 1992, PP, 78-83.
(6) محمود حمدي زقزوق ، مرجع سابق ، ص: 61- 68.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق