السبت، 19 نوفمبر، 2016

أقسام الأهلية

أقسام الأهلية
الأهلية ليست درجة واحدة، بل هي مختلفة في القوة والضعف، باختلاف مراحل الإنسان التي يمر بها، منذ تكوينه جنيناً في بطن أمه، حتي بلوغه سن الرشد، ولهذا انقسمت الأهلية إلى نوعين:
          1.     أهلية الوجوب.
          2.     أهلية الأداء.
وسنتناول كلاً منهما- إن شاء الله تعالى- بالتفصيل والبيان.
المطلب الأول: أهلية الوجوب:
الفرع الأول: معني أهلية الوجوب:
(هي صلاحية الإنسان لثبوت الحق له أو عليه)([1]).
وذلك بمقتضى الذمة التي يولد بها كل آدمي.
فالذمة هي مكان الوجوب، وهي وصف اختص الله- تعالى- به الإنسان دون غيره من الحيوانات التي فقدت الذمة.
وتثبت الذمة للإنسان بناء على العهد الذي جرى بينه وبين الحق سبحانه وتعالى، يوم أن أخذ عليه العهد، قال الله تعالى: )وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ(([2]).
وقال تعالى: )وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي  عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً(([3]).
وهذه الأهلية تتحقق للإنسان في بطن أمه قبل أن يولد، إذ تثبت له الحقوق التي لا تحتاج إلى القبول، مثل الإرث، والوصية، والوقف، وتستمر حتى يموت([4]).
الفرع الثاني: أحوال أهلية الوجوب:
جاء في كشف الأسرار:( أن أهلية الوجوب تنقسم فروعها بحسب انقسام الأحكام، فالصبي أهل لبعض الأحكام وليس بأهل لبعضها أصلاً، وهو أهل لبعضها بواسطة رأي الولي، فكانت هذه الأهلية منقسمة نظراً إلى أفراد الأحكام وأصلها واحد، وهو الصلاح للحكم…)([5]).
لذا قسم الأصوليون أهلية الوجوب إلى قسمين: ناقصة، وكاملة.
البند الأول: أهلية الوجوب الناقصة:
وهي التي تؤهل من اتصف بها لثبوت الحق له، دون أن يكون أهلاً لثبوت أي حق عليه، وذلك في الجنين فقط، فإنه متي تأكدت حياته في بطن أمه حتى يولد حياً، فهو أهل لثبوت الحقوق له من إرث، ووصية، واستحقاق للوقف، وثبوت النسب له من جهة أبيه، ولكن لا يثبت عليه أي حق من الحقوق، فلا يصح للوكيل الشراء له ولا الهبة، ولا الالتزام بالنفقة لقريب، أو غيره، لأن الجنين يجمع بين صفتي التبعية لأمه والاستقلال عنها.
وهذا هو السبب في اعتبار نقص أهلية الوجوب للجنين.
فالأول- التبعية لأمه- فالتبعية في ارتباطه بأمه حساً لتحركه بتحركها، وقراره بقرارها، فهو جزء منها كاليد، والرجل وسائر الأعضاء، وارتباطه بها حكماً أيضاً، إذ يباع ببيعها، ويعتق بعتقها، وفي ذلك يقول ابن رجب الحنبلي:(إذا أعتقت الأمة الحامل عتق حملها معها)([6]).
أما الثاني- الاستقلال عنها- فلأنه منفرد عن الأم بحياته، وله كيان ومقومات إنسانية، وهو بذلك معد للانفصال عن أمه، ليصير ذاتاً مستقلة، وعلى هذا فإن تبعيته ليست مطلقة، بل هي تبعية جزئية.
وكانت تبعيته لأمه مستدعية عدم ثبوت الحق له، سواء كان الحق إرثاً، أو وقفاً، أو وصية، لكن الشارع الحكيم نظر فيه صفة الاستقلال، وأنه نفس حية ذات طبيعة خاصة، فأعطاه بالنظر لاستقلاله ومنعه لتبعيته([7]).
البند الثاني: أهلية الوجوب الكاملة:
وهي تثبت للإنسان منذ ولادته، دون أن تفارقه في جميع أدوار حياته، فيصلح الإنسان لتلقي الحقوق، والالتزام بالواجبات، ولا يوجد إنسان فاقد لهذه الأهلية، فأهلية الوجوب هي ما كان المتصف بها صالحاً لثبوت الحق له وعليه، بحيث تكون ذمته مطالبة بالالتزامات المالية.
وبتلك الأهلية يصلح الإنسان لأن يتلقى الحقوق، وأن يلتزم بالواجبات([8]).
وعلى ذلك فإن أهلية الوجوب الكاملة تتحقق لكل مولود، سواء كان مميزاً أم لا و يثبت لكل مولود ما يلي:
1-    صلاحية ذمته للالتزام بما يقوم به وليه من تصرفات مع التقيد بها، إن بلغ الرشد، لأنها وقعت باسمه وفي الحدود التي أجازها الشارع.
2-    يثبت في مالهم كل ما هو مؤونة في الأصل كالعشر، وما يشوبه معنى المؤونة كصدقة الفطر، اكتفاءً بالأهلية القاصرة بواسطة الولي([9]).
وتلزمهم أيضاً الصلات التي تشبه المؤونة المالية: وهي نفقة الأقربين التي ألزم بها الشارع الغني، لسد حاجة الفقير.
3-    ضمان ما يتلفه القاصر من أموال، لصلاح ذمته لثبوت كل واجب مالي عليه، لأن المقصود منه ضمان التلف، ويقوم بأدائه وليه نيابة عنه([10]).

البند الثالث: أصل الذمة ووجودها في الإنسان:
لما كانت الأهلية مبنية على قيام الذمة ولا تثبت إلا بوجودها([11]).
فلا بد من تعريف الذمة لغة وفي اصطلاح الفقهاء.
أولاً: معنى الذمة لغة:
تطلق الذمة في اللغة على معان ثلاثة هي:
العهد، الضمان، والأمان([12]).
وإنما فسرت بالعهد، لأن نقضه يوجب الذم، ومنه قوله تعالى: )لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً(([13])، أي عهد.
وقوله تعالى: )وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّة(([14]).
ومنه يقال أهل الذمة للمعاهدين من الكفار.
وقال ابن عباس: "الإل: القرابة، الذمة، العهد، والميثاق"([15]).
وقال أبو عبيده: الذمة معناها الأمان([16]).
وتبدو النسبة بين معاني الذمة الثلاثة ـ العهد، الضمان، والأمان، من الالتزام في كل منها، فإن المعاهد يلتزم بما عاهد عليه، والضامن يلزم ما ضمنه، ومعطي الأمان ملزم بأمان من آمنه([17]).
ثانياً: معنى الذمة في الاصطلاح:
اختلف العلماء في حقيقة الذمة وتحديدها على آراء([18]).
وسوف نقتصر ـ إن شاء الله تعالى ـ على الرأي الراجح من هذه التعريفات وهو أن الذمة:
"أمر أو وصف يصير به الإنسان أهلاً للإيجاب والاستيجاب، أي الإلزام والالتزام"([19]).
حتى تتحقق للجنين ذمة تقوم عليها أهلية الوجوب القاصرة التي تثبت له، لأن الأهلية مبنية على وجود الذمة ولا تثبت إلا بوجودها.
ثالثاً: بين الأهلية والذمة:
بينا فيما سبق أن الأهلية إما أن تكون أهلية أداء أو أهلية وجوب.
وأهلية الأداء، هي: صلاحية الإنسان لما يصدر منه من أقوال وأفعال معتبرة شرعاً.
وأهلية الوجوب، هي: صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه فأهلية الوجوب لها عنصران:
1.   عنصر الالتزام: 
وهو مؤهل لإثبات الحقوق للإنسان لا عليه.
وهو جعل الإنسان صالحاً للالتزام([20]).
وحيث اتضح معنى الأهلية، ومعنى الذمة، فإنه يلزم البحث أن نعرض لوجهات النظر المختلفة في الفرق بينهما.
‌أ.           قال بعض الفقهاء: إن الذمة وأهلية الوجوب بحالتيها، الناقصة والكاملة، كلمتان مترادفتان لمعنى واحد، فلا فرق بين أهلية الوجوب والذمة، وعرفوا الذمة بما يفهم منه: أنها القابلية لإثبات الحقوق ووجوب الالتزام.
‌ب.        وقال بعض منهم: إن الذمة معناها أهلية المعاملة، فإذا حكمنا بالذمة لإنسان ما كان المعنى أنه أهل للمعاملة([21]).
وهذا القول يختلف مع ما وضحه جمهور للفقهاء، لبيان ماهية الذمة، ويفتقد الدقة، إذ يبدو فيه الخلط البين بين الذمة والأهلية.
‌ج.         وقال الأصوليون وجمهور الفقهاء بالتفريق بين الذمة وأهلية الوجوب.
فالأهلية عند هؤلاء مبنية على وجود الذمة، مستندة إليها ولا ثبات لها إلا بعد وجود الذمة، فليست الذمة عين أهلية الوجوب، ولكنها ملزومة لها، فالذمة وعاء، وما يكون بداخله هو أهلية الوجوب([22]).
وفي ذلك يقول عبد العزيز البخاري:
(أما أهلية الوجوب فبناء على قيام الذمة، أي لا تثبت هذه الأهلية إلا بعد وجود ذمة صالحة، لأن الذمة هي محل الوجوب، ولهذا يضاف (الوجوب) إليها ولا يضاف إلى غيرها بحال، ولهذا اختص الإنسان بالوجوب دون سائر الحيوانات التي ليست لها ذمة)([23]).
ومن خلال آراء الفقهاء، نرى وضوح الفرق بين أهلية الوجوب والذمة، وأنهما حقيقتان منفصلتان، وأن قيام أهلية الوجوب متوقف على وجود الذمة، ويظهر التغاير بينهما في أهلية التصرف، فقد توجد هذه الأهلية بدون ذمة، وقد توجد الذمة ولا توجد أهلية التصرف، وقد تجتمعان معاً([24]).


([1]) تيسير التحرير: أمير بادشاه، (2/ 249)، التلويح مع التوضيح: التفتازاني،            (2/ 161، 162) شرح المنار وحواشيه: ابن الملك، ص(936).
([2]) سورة الأعراف: الآية (172).
([3]) سورة الإسراء: الآية (13).
([4]) انظر كشف الأسرار: البخاري، (4/ 238، 239)، ميزان الأصول: السمرقندي،      ص(742)، شرح المنار وحواشيه: ابن الملك، ص(936)، تيسير التحرير: أمير بادشاه، (2/162).
([5]) كشف الأسرار: البخاري، (4/237).
([6]) القواعد في الفقه الإسلامي: ابن رجب الحنبلي، ص(197).
([7]) انظر: كشف الأسرار: البخاري، (4/239، 240)، شرح التوضيح للتنقيح: صدر الشريعة، (2/163)، تيسير التحرير: أمير بادشاه، (2/249، 250)، أصول التشريع الإسلامي: على حسب الله، ص(356)، مباحث الحكم عند الأصوليين: محمد سلام مدكور، ص(247).
([8]) انظر: مباحث الحكم عند الأصوليين: محمد سلام مدكور، ص(250)، أصول الفقه الإسلامي: د. بدران أبو العينين، ص(218)، أصول التشريع الإسلامي: على حسب الله، ص(357).
([9]) المؤونة: تعني تحمل الثقل، من مأن إذا احتمل وهي على وزن فعولة، يقال: مأنت القوم أمأنهم إذا احتملت مؤنتهم، ويقصد بها الضريبة التي تؤدي للمحافظة على ما تؤدى عنه من نفس ومال.
انظر: كشف الأسرار: البخاري، (4/139)، شرح المنار وحواشيه: ابن الملك، ص(890).
([10]) انظر: التلويح شرح التنقيح: صدر الشريعة، (2/163، 164)، كشف الأسرار: البخاري، (4/240)، شرح المنار وحواشيه: ابن الملك، ص(938)، أصول الفقه الإسلامي: أبو زهرة، ص(310).
([11]) انظر: كشف الأسرار: البخاري، (4/ 237)، شرح المنار وحواشيه: ابن الملك،     ص(936)، التقرير والتحبير: ابن أمير الحاج، (2/165).
([12]) انظر: أساس البلاغة: الزمخشري، ص(207، 208)، المصباح المنير: الرافعي،    ص(210)، لسان العرب: ابن منظور، (12/ 221).
([13]) سورة التوبة: من الآية (10).
([14]) سورة التوبة: من الآية (8).
([15]) انظر: قول ابن عباس رضي الله عنهما في: كشف الأسرار: البخاري، (4/239)، شرح المنار وحواشيه: ابن الملك، ص(936، 937)، الجامع لأحكام القرآن: القرطبي، (8/ 78، 79)، تفسير القرآن: ابن كثير، (2/ 351)، وانظر: معنى الإل في: لسان العرب: ابن منظور، (12/ 221)، معجم متن اللغة: أحمد رضا، (2/508)، المخصص: ابن سيده، (4/109).
([16]) والذمة المقصودة هنا هي الواردة في قول الرسول e: (ويسعى بذمتهم أدناهم)، انظر: لسان العرب: ابن منظور، (12/ 221، 222)، وانظر: الحديث في سنن سعيد بن أبي منصور (2/ 169).
([17]) انظر: لسان العرب: ابن منظور، (12/ 221، 222).
([18]) راجع التعريفات الأخرى للذمة والردود الواردة عليها في: أصول البزدوي: البزدوي، (4/ 239) تيسير التحرير: أمير بادشاه، (2/ 249)، شرح التلويح على التوضيح: التفتازاني، (2/ 162)، التقرير والتحبير: ابن أمير الحاج، (2/ 164)، شرح المنار وحواشيه: ابن الملك، ص(937).
([19]) كشف الأسرار: البخاري، (4/ 238)، شرح المنار وحواشيه: ابن الملك، ص(936)، أصول الفقه: أبو زهرة، ص(308).
([20]) انظر: كشف الأسرار: البخاري، (4/ 237، 238)، التقرير والتحبير: ابن أمير الحاج، (2/ 164)، شرح المنار وحواشيه: ابن الملك، ص(935، 936)، الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد: د. مصطفى الزرقا، (2/ 743، 744) مباحث الحكم عند الأصوليين: محمد سلام مدكور، ص(240).
([21]) الفروق: القرافي، (3/ 237).
([22]) انظر: التقرير والتحبير: ابن أمير الحاج، (2/ 165)، كشف الأسرار: البخاري،       (4/ 237)، شرح المنار وحواشيه: ابن الملك، ص(369).
([23]) كشف الأسرار: البخاري، (4/ 237).
([24]) انظر: التحليل المبين بالأمثلة في الفرق بين الذمة وأهلية التصرف للإمام، القرافي في الفروق، (3/ 226).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق