السبت، 19 نوفمبر 2016

دراسة القيادة الإدارية

مداخل دراسة القيادة الإدارية
       
المدخل الموقفي أو المدخل الاجتماعي
ساهم علماء الاجتماع وعلماء النفس في تطوير المدخل الموقفي ويعتقد علماء الاجتماع أن القيادة لا تكمن في السمات الشخصية وإنما في القدرة على إظهار الكفاءة في مواقف معينة . والقيادة في نظرهم دالة الموقف الاجتماعي والموقف الاجتماعي يحدد نجاح القادة  وأما السمات فإنها تحدد عظمة القادة ويدلل علماء الاجتماع على أهمية الموقف كما يذكر نواف كنعان  كالتالي:

1.    اختلاف المجتمعات يؤدي لاختلاف النظرة للقيادة فمثلا ظهور غاندي في الهند كان بسبب تركيزه على الكفاح السلمي بينما القادة في الغرب لم يبرزوا بسبب تركيزهم على الاتجاه السلمي في الكفاح من اجل الحرية.
2.    اختلاف المواقف الرادارية يتطلب سمات مختلفة من القادة, فسمات المديرين في الأجهزة الحكومية تختلف عن سمات المديرين في القطاع الخاص.
3.    اختلاف المستويات يتطلب سمات مختلفة من القادة في هذه المستويات.
4.    اختلاف مراحل التنظيم تتطلب سمات مختلفة من القادة . والقادة الذين ينجحون في مراحل التأسيس من خلال التركيز على العمل قد لا ينجحوا بعد انتهاء مرحلة التأسيس.
ويلاحظ اختلاف السمات المطلوبة كلما اختلف الموقف الإداري وبهذا تكتسب القيادة الإدارية الجانب الديناميكي . ومن أهم المساهمات التي تحدثت عن الموقف واعتبرت أن نجاح القائد يعتمد على مدى ملائمة القيادة للموقف الإداري مساهمات تاننباوم وسكلر ومازاريك وفرد فيدلر وروبرت وجولمبيوسكي ووليم ريدن. ونظرية القيادة الموقفية لهريسي وبلانشارد ونظرية فيروم ويلتون المعيارية. وهناك العديد من المساهمات التي ركزت على سلوك القائد الذي يعتمد على عوامل الموقف مثل نظرية سلسلة السلوك القيادي ونظرية الشبكة الإدارية .  وسيتم عرض نظرية فيدلر ونظرية القيادة الموقفية لهريسي وبلانشارد ونظرية فيروم ويلتون ويلاحظ أن معظم نظريات الموقف استفادت من دراسات جامعة أوهايو وبنيت على نتائج نظرية الشبكة الإدارية.
4/2/1. نظرية فرد فيدلر
        يعتقد فيدلر أن القيادة مرتبطة بالموقف وان نجاح القائد يعتمد على قدرته في التحكم بعناصر الموقف وبنمط القيادة الذي يمارسه وقد حدد ثلاثة عوامل للموقف هي:
1. علاقة القائد بالمرؤوسين LEADER-MEMBER  RELATIONS                            
2. البناء التنظيمي للعمل            TASK STRUCTURE                                              3.سلطة القائد المستمدة من مركزه LEADER- POSITION- POWER                         
واعتمد قياس كل عامل من هذه العوامل على قيمتين مثلا يقيس عامل علاقة القائد بمرؤوسيه بالقيم قوية أو ضعيفة وقياس البناء التنظيمي للعمل إما عالي أو منخفض وسلطة القائد إما قوية أو ضعيفة.
        ويستخدم مقياس (LPC) (Least preferred coworker) لتحديد فيما إذا كان القائد من النوع الذي يهتم بالعمل أو من النوع الذي يهتم بالعاملين  ويتم ذلك من خلال توجيه أسئلة للشخص الذي يريد تحديد نمط قيادته. ويركز في هذا المقياس على قيمة الاحترام والتقدير . وهذه الأسئلة عبارة عن قيم متضادة  فمثلا قد يسال الشخص عن اقل قائد تفضيلا للعمل معه من الذين سبق أن عمل معهم. وهل هو عادل أم غير عادل  وتجمع إجابات الشخص المستجوب فان كانت النتيجة ايجابية اعتبر من القادة الذين يهتمون بالعاملين وان كانت النتيجة سلبية اعتبر من القادة الذين يهتمون بالعمل. وعند حساب النتيجة تعطى للقيمة الايجابية (+1) والقيمة السلبية(-1) ومحصلة الجمع للإجابات تدل على نوعية القائد هل هو ممن يهتم بالعمل أم ممن يهتم بالعاملين.واستناداً إلى عوامل الموقف حدد فيدلر ثمانية مواقف قيادية يستطيع القائد أن يحدد نمطه من خلالها ومن خلال التحكم بعوامل المواقف وإذا لم يتمكن من التحكم بالموقف لا بد من تغيير نمط قيادته ليحقق النجاح

وتتناسب هذه المواقف مع نمط القائد المقابل لها فازا توفرت عوامل الموقف(قوي, عالي, قوي) في موقف رقم( 8)كان القائد المناسب والذي لديه فرصة عالية لتحقيق النجاح  القائد الذي يهتم بالعمل. وإذا كانت مستويات عوامل الموقف هي (قوي, منخفض, ضعيف) فإن القائد الذي يهتم بالعاملين سيكون ناجحا. وإذا صادف وجود قائد في موقف لا تتناسب عوامله مع نمط قيادته ولا يستطيع تغيير عوامل الموقف
وعليه تغيير نمطه حتى يحقق النجاح [1] وعملية التحكم بالموقف تسمى هندسة التنظيمات( Organizational Engineering Approach ).
وهذه النظرية رغم المآخذ عليها تساعد إلى حد ما بالتنبؤ بنمط القيادة الذي يتوافق مع عناصر الموقف ويؤدي للنجاح ولا يتسع المقام لذكر المآخذ وخاصة المآخذ المتعلقة بالمنهجية المستخدمة من حيث قياس العوامل.
. نظرية فيروم ويلتون.
        تقوم هذه النظرية على تصنيف أنماط القيادة إلى النمط الأوتوقراطي والنمط الديمقراطي وأن على القائد أن يستخدم النمط المناسب حسب الموقف الذي يتواجد فيه .فإذا كان القائد يعلم أن المرؤوسين تنقصهم المعرفة الخبرة في عمل ما فلا جدوى من استشارتهم وعليه استخدام النمط الأوتوقراطي .وتقوم النظرية على أساس طرح أسئلة تكون إجاباتها بنعم أو لا ومن خلال التسلسل في طرح الأسئلة يحدد القائد أفضل نمط للتعامل مع الموقف الذي يتواجد فيه  وكما يلي:[2]
1.    هل القرار من النوعية العالية؟
2.    هل لدي المعلومات اللازمة لاتخاذ القرار؟
3.    هل المشكلة محددة؟
4.    هل قبول المرؤوسين للقرار مهم للتنفيذ؟
5.    إذا صدر القرار من القائد منفردا هل سيكون مقبولاً؟
6. هل يختلف المرؤوسين حول وسائل التنفيذ, وهل سيحدث صراع فيما بينهم؟
7. هل يشترك المرؤوسين في الأهداف المراد الوصول لها(من خلال حل المشكلة)؟
وباستخدام شجرة القرارات يتوصل القائد إلى النمط المنسب للتعامل مع المشكلة مثلاً هل يتخذ القرار وحده أو يشترك معه المرؤوسين  أو يقوم بتفويض صلاحياته  في اتخاذ القرار للمرؤوسين؟
.نظرية هيريسي وبلانشارد [3]
        وتقوم هذه النظرية على فكرة مفادها أن نجاح القائد يعتمد على الموقف ويحتوي الموقف على عوامل هامة مثل الوقت ودرجة نضوج المرؤوسين  ويشمل النضوج ما يلي:
النضوج الوظيفي ويعني بلوغ الفرد درجة عالية من الإتقان لعمله أو ما يسمى بالاحتراف الوظيفي.
النضوج النفسي ويعني أن يتوفر في الفرد ما يلي:
أ. الرغبة في العمل.
ب. الرغبة في تحمل المسؤولية.
ت. الالتزام العالي بالعمل.
ث. ثقة الفرد بنفسه وفكرته عن نفسه (Self Concept )
وتشكل درجة النضوج الوظيفي والنفسي مستوى النضوج لدى المرؤوسين وقد حددها أصحاب النظرية بأربعة مستويات هي (M1,M2,M3,M4) وهذه المستويات تحدد الربعة أنماط قيادية هي: المفوض والمشارك والبائع والمخبر.
وتعتمد هذه النظرية على  مقدار السلوك الموجه للاهتمام بالعاملين ومقدار السلوك الموجه للاهتمام بالعمل ودرجة نضوج العاملين وهذه العوامل تحدد النمط القيادي المناسب من الأنماط الأربعة السابقة انظر الشكل رقم(2).



النمط المفوض:  يمارس التفويض للمرؤوسين لأنهم على درجة عالية من النضوج.
النمط المشارك: يسمح بمشاركة العاملين بسبب أن درجة النضوج لديهم فوق الوسط.
النمط البائع : الذي يروج لقراراته لان العاملين لديهم درجة نضوج دون الوسط.
النمط المخبر : الذي يصدر الأوامر للمرؤوسين ويخبرهم بما عليهم تنفيذه لعدم نضوجهم.
ويلاحظ أن نظريات القيادة الموقفية تؤكد أن المهم هو توافق الموقف مع سمات القائد وهذا التوافق هو الذي يحدد نجاح القائد . وتعترف هذه النظرية بأهمية سمات القادة وبأن الموقف يحدد هذه السمات وقد ساهمت هذه النظريات في إظهار بعض السمات المناسبة لبعض المواقف الإدارية ولكن توفر السمات لا يعني بالضرورة نجاح القائد, لأنه قد لا يستخدم هذه السمات المتوفرة فيه في الوقت المناسب. ولم تتفق هذه النظريات على السمات القيادية ولم تتفق كذلك على عوامل محددة للموقف الإداري ونتج عن هذا الوضع عدم اتفاق على أنماط القيادة الفعالة والسمات القيادية اللازمة للنجاح. وقد أسهمت حالة عدم الاتفاق في تنشيط البحث العلمي وتطور المدخل الأخير أو المدخل التوفيقي (المدخل التعاملي).وهذا المدخل من أكثر المداخل قبولاً في تفسير ظاهرة القيادة في المجتمعات البشرية.

4/3.المدخل التوفيقي أو التفاعلي
   لقد برز في الفكر الإداري العديد من الاتجاهات الفكرية لمعالجة القيادة الإدارية ويمكن تصنيف الدراسات والنظريات الإدارية في اتجاهين هما:أولاً التركيز على القيادة التعاملية (Interactional leadership) وثانياً القيادة التحويلية(Transformational Leadership) والمدخل التوفيقي يركز على التفاعل بين ثلاثة عوامل هي:
·        سمات القائد.
·        عناصر الموقف.
·        خصائص الجماعة أو التابعين.
ويؤكد هذا المدخل أن السمات القيادية عامل مهم لنجاح القائد وأن عناصر الموقف مهمة ويجب أن تؤخذ بعين الاعتبار كما أن خصائص التابعين يجب الإحاطة فيها من حيث حاجاتهم وأهدافهم ومستوى احترافهم وإتقانهم للعمل وكيفية التأثير عليهم. ونجاح القائد يعتمد على قدرته في التأثير والتفاعل مع أعضاء الجماعة وتحقيق أهدافهم وإشباع حاجاتهم والسمات تتحدد بمقدرة القائد على التفاعل مع الجماعة . فالقائد لا يكون ناجحا لأنه على درجة عالية من الذكاء ولكن لان الجماعة تعتقد أن سمة الذكاء ضرورية للقائد حتى يتمكن من تحقيق أهدافها. وتؤكد هذه النظرية أهمية المرؤوسين لنجاح القائد وذلك لان قبول قرارات القائد وتنفيذها يعتمد على الجماعة وبهذا يحدث التعاون إذا كانت قرارات القائد مقبولة من الجماعة ويستطيع القائد أن يحدث الكامل في جهودها لتحقيق الأهداف.
لقد أضاف المدخل التوفيقي البعد الجديد الذي يركز على دور المرؤوسين ومساهماتهم في نجاح القائد عند اعتقادهم بان السمات المعينة في القائد تساعدهم على تحقيق أهدافهم . ومن الكتاب الذين ساهموا في تحديد السمات القيادية اللازمة لنجاح القائد توماس جوردون وسانفورد وهمفل وهولاندر وجوليان وهيريسي وشيتي. ويعتقد جوردون أن القيادة الفعالة تتركز حول الجماعة وأن السمات اللازمة هي التي تساعده على التعامل مع الجماعة بنجاح ومنها: [4]
1.    الذكاء المتوسط.
2.    القدرة على تكوين العلاقات.
3.    القدرة على القيام بما يتوقعه أفراد الجماعة.
4.    الاتزان العاطفي.
5.    القدرة على تمثيل دور المرؤوس مع رؤساؤه.
6.    العدالة في التعامل مع أفراد الجماعة.
7.    المقدرة على التعاون مع المرؤوسين.
ويميز جوردون بين السمات اللازمة للقائد السياسي التي تختلف عن سمات الشخص الذي يرأس اجتماعا إداريا والعامل المشترك بين كتاب هذا المدخل هو إبراز دور المرؤوسين في نجاح القائد.
والقيادة التفاعلية تعتمد على معرفة حاجات الأفراد المادية والحاجات الدنيا وتعمل على إشباع هذه الحاجات كحافز للأفراد لمضاعفة جهودهم وزيادة إنتاجهم. وأما القيادة التحويلية فتعتمد على معرفة الحاجات الدنيا والعمل على إشباعها وتركز على الحاجات العليا لدى المرؤوسين كوسيلة لزيادة إنتاجهم . وقد أدرك المصلح الاجتماعي مارتن لوثر كينج هذه الحقيقة وركز على الحاجات في خطابه "أملك حلماً" (I Have A Dream ). والقيادة التحويلية تستطيع التقريب بين الجماعات المختلفة وتحدث تغييرات كبيرة في الجماعات والمنظمات وهذه التغييرات قد تحدث طوعا أو كرهاً باستخدام مركز قوة القائد. والقائد التحويلي يحفز الأفراد لرفع مستوى أدائهم أكثر مما هو متوقع منهم من خلال التأثير عليهم بقدراته الشخصية وأفكاره التي تعتبر مقبولة لديهم , والقائد من هذا النوع لا تحكمه حسابات الكلفة والمنفعة والتركيز على الجوانب المادية وإنما يتعداها لتغيير مفاهيم التابعين وهو بهذا يختار المسار الصعب للقيادة.[5]
         وتشير الدراسات إلى صحة ما ذهب إليه أنصار هذا المدخل الذي يبدو واقعيا في تحليل خصائص القيادة لأنها ترى نجاح القائد يعتمد على مقدرته في تمثيل الجماعة وإشباع حاجاتها وإدراك الجماعة لأهمية دور القائد. وأعطى هذا المدخل دليلاً على أهمية السمات النابعة من علاقته بمرؤوسيه وقدرته على اختيار النمط القيادي المناسب للموقف ولحاجات العاملين وعليه يكون هذا المدخل قد أضاف لايجابيات مدخل السمات والمدخل الموقفي بعد الاهتمام بالمرؤوسين ودورهم الهام.

النتائج:
        يستفاد مما سبق أنه يمكن التنبؤ بدرجة معقولة بإمكانية نجاح القائد إذا تم التركيز على السمات الموروثة والمكتسبة في المراحل المبكرة من عمل القادة الصغار مع الاهتمام بعناصر الموقف ودور المرؤوسين في نجاح القائد.ولا يمكن أن يكون القائد ناجحاً في جميع المواقف والظروف لأن القيادة ليست ملازمة للشخصية فقط وإنما ترتبط بعوامل الموقف وتعتمد على الجماعة وهي فكرة جماعية موقفية تتأثر بما يمتلك الفرد من سمات شخصية.
ويستفاد من النظريات التي ذكرت أن القائد يمكن أن يستفيد منها لتحقيق النجاح سواء كان يعمل في البيئة العربية أو الدولية. ويفيد مدخل السمات في مراحل الاختيار للقادة الصغار تمهيدا لإعدادهم وإكسابهم المهارات القيادية المختلفة . كما وأن المخل الموقفي يبين للقادة اختلاف المواقف واختلاف العناصر الداخلة في كل موقف والتي يلزم التحكم فيها من قبلهم في سبيل بلوغ النجاح أو أن تعذر ذلك يمكن للقائد أن يكون مرنا فيطور نمط قياديه ويحسن اختيار النمط الذي يناسب الموقف ويحقق أهداف الجماعة والتنظيم.
        وأخيرا فإن أكثر المداخل قبولاً في الوقت الحاضر هو المدخل الذي يعطي أهمية لسمات القائد وعناصر الموقف ودور وخصائص الجماعة التي يتولى قيادتها ويجب أن يدرك القادة أنهم يتعاملون مع متغيرات كثيرة ومتداخلة تتعلق بالموقف والجماعة وعليهم العمل وباستمرار لفهم وتحديد العوامل الحرجة والسيطرة عليها في اتجاه تحقيق أهدافهم ,أهداف الجماعة والتنظيم. وأرجو أن أكون قد وفقت في اختيار القليل المفيد من الكثير المتاح في مجال القيادة الإدارية.
والحمد لله رب العالمين

                                      


[1] نواف كنعان , مرجع سابق,ص 365-367.
[2] Ibid, Baron and G reenberg,1990,PP. 396-397
[3] Umstot ,Denis ,D., Understanding Organizational Behavior,2nd edition New York: Publishing Company, 1988, PP. 389-391
[4] نواف كنعان, مرجع سابق, القيادة الإدارية,1992.

[5] Bass, Bernard M., Leadership and Performance Beyond Expectations, London: The Free Press, 1985, PP.14-20.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق