السبت، 19 نوفمبر، 2016

أثر الفكر الإسلامي على القيادة العربية

 
أثر الفكر الإسلامي على القيادة العربية:
جاء الإسلام العظيم بمبادئ إنسانية إضافة للاعتراف بالقيم الإيجابية في المجتمع العربي الذي سادت فيه الذاتية والفردية واللامؤسسية ومفهوم الرجل العظيم ويبدو واضحاً أثر الفكر الإسلامي في التركيز المبادئ الأخلاقية على التالية:
1.      القدوة الحسنة:
يمثل القائد القدوة الحسنة لأتباعه في الفكر والسلوك وفي تمسكه بالأخلاق .ويحظى القائد الذي يمثل قدوة لأتباعه باحترام الجماعة ويمتاز بالزهد والتواضع في تعامله مع الأتباع.
2.    العدل :
أكد الإسلام على مبدأ العدل لأن العدل يبعث على الطاعة من الأتباع وتعمر به الأرض وتنمو فيه  الأموال و بأمن  به السلطان والعدل يكون على ثلاثة مستويات هي: العدل مع من دونك والعدل مع من هم أعلى منك والعدل مع الأقران والأكفاء.
3.    الشورى:
وتعني لفظة الشورى بالعربية تقليب أقراص العسل لاستخراج العسل منها وتعني تقليب بدن الدابة عند الشراء وتعني استعراض الحركات والنفس في ميدان القتال. وتعني تقليب الآراء في أمر ما واختبارها من أهل العقول. والشورى كممارسة مطلوبة بأمر رباني من الحاكم المسلم ولكنه غير ملزم بالأخذ بنتيجة الشورى في جميع الأحوال وللحاكم أن يخرج على رأي الشورى إذا كان في خروجه تحقيق مصلحة الأمة الإسلامية ومرضاة الله سبحانه وتعالى. والشورى تكون في الأمور الظنية وليس الأمور البينة والحاكم ملزم بنتائج الشورى في الأمور الظنية ومقيد بمصلحة الأمة الإسلامية.
4.    المسؤولية :
أكد الإسلام أن المسؤولية أمانة وأنها ليست مقتصرة على المسئول الحاكم أو القائد ولكن المرؤوس يتحمل مسؤولية بحيث أضاف الفكر الإسلامي مفهوم المسؤولية المتبادلة " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته".
5.    الطاعة:
الطاعة بالمعروف ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ويقول الرسول( ص)" لا إسلام إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمارة ولا إمارة إلا ا بطاعة" وقال علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه " لا رأي لمن لا يطاع".
6. النصح للأتباع في أمور دينهم ودنياهم على اعتبار أن الحاكم المسلم أو الخليفة يمتاز بعلمه في أمور الدين والدنيا ويكون أقدر أفراد الجماعة على النصح والإرشاد لأتباعه.
7.إشباع حاجات المسلمين المادية والروحية والفكرية ذلك أن للناس حاجات لا بد من إشباعها ويشمل ذلك الحاجات الروحية والفكرية والمعرفية للإنسان المسلم. ويكون هذا الإشباع ضمن حدود إمكانية الحاكم المسلم.
8.  التفويض:
             والتفويض يعكس الثقة المتبادلة بين الحاكم والمحكوم وتمثل ضرورة عملية لا بد منها في الإدارات المركزية والإدارات اللامركزية. والتفويض يسهم في توزيع عبء العمل ومشاركة المرؤوسين وتنمية روح الفريق, وقد مارس القادة المسلمين عمليات التفويض وبدرجات متفاوتة.
9.الوسطية:
             أكد الإسلام على أهمية الجماعة وفكرة الوسطية منسجمة مع مفهوم الجماعة في الإسلام ذلك لأن أغلبية الآراء مثلاً تكون حول الوسط . فالقائد المسلم ملزم بالأخذ فيها ما دام أكثر الأعضاء قد وافق عليها. والتوسط محمود في كل الأمور حتى في المأكل والمشرب وفي مختلف أمور الحياة. وقد عرفت فكرة الوسطية قبل ظهور الإسلام حيث أشار أرسطو إلى " قاعدة الوسط الذهبي" في قوله إن الإكثار من الطعام يورث السمنة كما إقلال منة يورث الضعف . والإسلام من خلال فكرة الوسطية يحارب التطرف سلباً أو إيجابا ويرى أن مصلحة الأمة والجماعة في الاعتدال والتوسط في أمور الحياة.
5.أخلاقيات القيادة وقيمها: 
          يعتبر موضوع الأخلاق (Ethics) كمالا سبق شرحه من الموضوعات التي بدأت تعالج باهتمام كبير منذ بداية الثمانينات من هذا القرن . وخاصة علاقة الأخلاق بالعمل أو الوظيفة العامة أو القيادة. ورغم عدم الاهتمام الكافي في الكتابات العربية بموضوع الأخلاق إلا أن موضوع الأخلاق يحظى باهتمام كبير في الدول الغربية وبدأت تظهر مؤلفات كثيرة  بعنوان (Business Ethics). ونظراً لأهمية أخلاقيات القيادة فسيتم معالجتها من ثلاث جوانب هي : أولاً علاقة الأخلاق بالقرارات الإدارية, وثانياً علاقة الأخلاق بالوظيفة والمهنة وثالثاً علاقة الأخلاق بالقيادة الإدارية.

5/1. الأخلاق والقرارات الإدارية :
          يعرض على القائد الإداري الكثير من الحالات الإدارية التي تستدعي اتخاذ قرارات لمعالجتها. ومن ضمن هذه الحالات ما يمكن تطبيق الأنظمة والتعليمات عليها نظرا لوجود النصوص التي تحكم الحالة المعروضة. وهناك حالات تستدعي اتخاذ قرارات وكن القائد الإداري لا يجد في القانون والنظام والتعليمات ما يمكن أن يستند إليه . وقد يجد القائد الإداري تضارباً في التعليمات أو الأنظمة أو تقادماً في النصوص تجعل إمكانية الاستفادة من السند القانوني أمراً غير ممكن , وعندها يضطر القائد الإداري إلى الاجتهاد واتخاذ القرار المناسب . وعملية الاجتهاد ترتبط بما يعتقد القائد بأنه صحيح لأنه يحكم ضميره وقيمه ومعتقداته في عملية الاجتهاد.
          وهنا  يظهر دور القيم الأخلاقية التي يؤمن فيها القائد الإداري في توجيه قراره وتحديد اختياره بين البدائل المتاحة لحل المشكلة أو للبت في الحالة الإدارية المعروضة.[1]والأخلاق هي علم الخطأ والصواب أو علم الخير والشر وهي سمة راسخة في النفس تجعل الأفعال الحميدة تصدر عنها دون تكلف. وعندما يجتهد القائد رأيه في أي أمر فإنه يحكم قيمه وأخلاقياته ومعتقداته بحيث يكون ما يصدر عنه منسجماً مع ما يؤمن بأنه صحيح.
          ويرى هيربرت سايمون (Herbert Simon ) أن دراسة القرارات الإدارية تصلح لأن تكون "مدخلاً لدراسة العملية الإدارية لكون هذه العملية الإدارية مظهراً من مظاهر السلوك الإنساني"[2] ويرى أن ترشيد القرارات الإدارية واختيار البديل المناسب يعتمد على معايير الكلفة والنتائج المترتبة على اختيار هذا البديل.[3]ومن النتائج التي تترتب على اتخاذ القرار في بعض الحالات نشؤ صراعات وتوتر في العلاقات الداخلية في المنظمة,  وكجانب من هذه الصراعات ما يحسه المقرر في حالة تعرضه لضغوط داخلية أو خارجية تجبره أحيانا على التنازل عن بعض مفاهيمه أو معتقداته أو قيمه أو قواعد السلوك الأخلاقي التي يلتزم فيها.[4]
          وارتباط الأخلاق بالقرارات الإدارية وثيق الصلة في جميع الحالات التي يضطر القائد فيها للرجوع لمبادئ الأخلاق. وأخلاقية القرارات الإدارية مستمدة من الجانب القانوني الذي تستند إليه , وعند غياب القانون أو الأنظمة أو التعليمات أو تضاربها أو تقادمها يضطر القائد إلى الاجتهاد. والاجتهاد محكوم بأخلاقيات القائد وقيمه ودرجة التزامه بالمعايير الأخلاقية.
          وتراعي أجهزة الإدارة العامة المعايير الأخلاقية أكثر من إدارات الأعمال في القطاع الخاص نظراً لأنها عرضة لاهتمام الرأي العام بما يجري فيها. ويرى كل من رو وبايرز(Rue & Byers) أن الأخلاق عبارة عن " المعايير التي تحكم سلوك الفرد والجماعة والواجبات الأخلاقية للفرد.[5]وعند استعراض مظاهر السلوك التنظيمي التي يمكن إدراكها من طبيعة القرارات الإدارية يمكن التمييز بين نوعين من القرارات . النوع الأول الذي يستهدف تحقيق أهداف التنظيم وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة, وهذه القرارات لا شك في أخلاقيتها. وأما النوع الثاني من القرارات التي تضع المصلحة الفردية قبل المصلحة العامة أو تكون محكومة بالنزعة الميكافيلية التي ترى المراوغة والخداع وإقامة علاقات على أساس الخوف وليس التراحم والمودة والمحبة بين الرئيس والمرؤوس فهي بالتأكيد قرارات تفتقر إلى الجانب الأخلاقي.[6]
          وكثيرة هي مناورات القادة السياسيين بداخل المنظمات الإدارية التي يترتب عليها قرارات تهدف إلى تصفية المعارضة  بالنقل أو الفصل أو تطبيق قاعدة "فرق تسد" أو "الغاية تبرر الواسطة" أو قاعدة " استبعاد المعارضة" أو " اقض على المعارضة دون رحمة" وغيرها. ومن المعروف أن مخالفة القواعد القانونية يرتب عقوبة على المخالف. ولكن مخالفة القواعد الأخلاقية لا يستوجب العقوبة إذا كانت المخالفة لا تلفت الرأي العام ولم يترتب عليها ظهور الفساد الإداري مثلاً والذي يستوجب العقوبة.
          وتبدو علاقة الأخلاق بالقرارات الإدارية من خلال الضغوط التي يتعرض لها المقرر ومنها ضغوط الرؤساء . والقائد في مواجهة ضغوط الرؤساء أمام خيارين إما أن يستجيب لهذه الضغوط ويتخلى عن ما يؤمن بأنه صحيح أو يرفض الاستجابة ويتحمل النتائج المترتبة على الرفض. ويعتقد دزلر (Dessler ) أن القائد الإداري يطبق أساسيات الإدارة من خلال الإطار الفكري لمعتقداته وقيمه الأخلاقية.ويحدد المعايير الأخلاقية للعمل الإداري في المستويات الدنيا.[7]
          وخلاصة القول أن علاقة الأخلاق بالقرارات الإدارية التي يصدرها القائد علاقة قوية تتطلب وجود ميثاق أخلاقي ملزم للإداريين . ويستند الميثاق إلى قيم الحق والعدالة والمنطق بحيث يكون الالتزام بنصوصه معززاً بتدريب القيادات الإدارية وتوفير نظام للحوافز. ويجب أن تتضمن تشريعات العمل الإداري روح الميثاق الأخلاقي المنسجم مع قيم المجتمع الدينية والأخلاقية. ومن المتوقع أن يخفف تطبيق الميثاق المقترح من التوتر والصراعات والممارسات السياسية غير الأخلاقية في المنظمات الإدارية.
5/2. أخلاقيات المهنة:
          شغل موضوع الأخلاق الكثير من الفلاسفة اليونان والغربيين وقدماء المصريين والصينيين. وتبعهم العلماء والمفكرين المسلمين الذين تأثروا بالفكر اليوناني. ويلاحظ غزارة في الفكر الأخلاقي المتعلق بالقيم الدينية والاجتماعية. ولكن لا زالت بعض المواضيع الأخلاقية بحاجة إلى المزيد من الدراسة مثل أخلاقيات القرارات الإدارية ,أخلاقيات المهنة بشكل خاص. ومنذ بداية الثمانينات من القرن الماضي بدأت موجة فكرية تركز على الجانب الأخلاقي للعمل, وبدأت التشريعات تحدد النمط الأخلاقي للسلوك الوظيفي. وتكاد لا تخلو تشريعات العمل من الإشارة بوضوح إلى واجبات الموظف  وضرورة الالتزام فيها وإتقان العمل وعم استغلاله لمنافع شخصية. وتشير النصوص القانونية لنظام الخدمة الأردنية لسنة 1988 وفي المواد 43-44 إلى الجانب الأخلاقي لعمل الموظف العام في المملكة الأردنية الهاشمية.
          ورغم ثراء المعرفة في مجال الأخلاق إلا أن موضوع أخلاقيات المهنة لا زال يعاني من قلة الدراسات الهادفة والجادة. وقد يكون احد الأسباب ندرة المصادر وأن المعايير والقيم الأخلاقية عادة ما تكون غير مكتوبة . وتجري محاولات لتدوين مواثيق أخلاقية لكل مهنة ومنها محاولات وضع مواثيق أخلاقية لعمل الحرفيين ومهنة الطب ومهنة المحاماة والتعليم وغيرها. ويبدو من المفيد إيراد  بعض التعريفات الإجرائية في هذا المجال.
5/2/1. التعريفات الإجرائية: 
الأخلاق: علم يبحث في الخطأ والصواب أو الخير والشر ويتكون من مجموعة من القيم والمبادئ والمعايير التي تحدد سلوك الفرد أو الجماعة.
السلوك الأخلاقي:هو السلوك المجرد من المنفعة أو اللذة والصادر عن إرادة حرة تنوي فعل الخير لذاته بدافع من احترام الواجب والالتزام بفعل الخير.
العمل: هو مجموعة واجبات يقوم فيها العامل وتتطلب جهدا بدنياً وعقلياً لانجازها ضمن فترة زمنية معلومة وبأجر معلوم.
المهنة : هي العمل الذي يقوم فيه الشخص بعد أن يتلقى تدريباً عملياً ,إعداداً نظرياً في معاهد أو مراكز أو جامعات حتى يتمكن من إتقان المهارات والمعارف النظرية والقواعد التي تحكم العمل في المهنة. ويتضمن تعريف المهنة استمرار الشخص بالعمل فيها حتى يصل على درجة الاحتراف بالعمل. وعليه واجب المتابعة للإطلاع على ما يستجد  في مجال تخصصه وكذلك مراعاة أخلاقيات العمل بهذه المهنة والتي تحتم عليه تقديم خدمة يشهد  المجتمع بأهميتها.
أخلاقيات المهنة: وهي القواعد والأسس التي يجب على المهني التمسك فيها والعمل بمقتضاها ليكون ناجحاً في تعامله مع الناس. وتمتاز الأعمال المهنية بوجود نظام عام للمعرفة النظرية. وهذا النظام هو المصدر الرئيس لاكتساب المهارة فيه وتقبل أفراد المجتمع ومنظماته سلطة وخبرة أعضاء المهنة مع وجود أعراف وتقاليد للمهنة تكسبهم احترام المجتمع وأفراده.
5/2/2. متطلبات المهنة:
        لا بد من توفر متطلبات معينة للعمل حتى يكون مهنة وهي :[8]
1.    المعرفة المتخصصة أمر لا بد منه لصاحب المهنة وكلما اتسع نطاق المعرفة المتخصصة كلما كان أقدر على القيام بعمله بفعالية , وتشمل المعرفة المتخصصة المعرفة النظرية والعملية.
2.    الإعداد المناسب لاكتساب المعرفة النظرية والعملية في المهنة مع وجود المدربين والمادة التدريبية المناسبة.
3.    القدرة على النمو والتطور في المهنة بمتابعة ما يستجد من معرفة في مجال المهنة.
4.    الاستمرار في مزاولة المهنة للمحافظة على مستوى أداء متميز في مجاله لأن التوقف عن المزاولة لفترات طويلة يفقد معها المهني جزءاً من مهارته ومعارفه.
5.    وجود تنظيم قانوني للمهنة  مثل النقابات يحدد شروط مزاولة المهنة ومنح التراخيص للمزاولة ويدافع عن حقوق أعضاء المهنة ويعاقب من يخالف أخلاقيات المهنة .
6.    مراعاة أخلاقيات المهنة والالتزام فيها تحت مراقبة تنظيم المهنة ويتحتم على مزاول المهنة المساهمة في دعم مهنته وتطويرها والاعتزاز فيها  والدفاع عنها ضمن الإطار الأخلاقي للمهنة.
ورغم اختلاف الأخلاقيات من مهنة إلى أخرى إلا أنه يوجد قواعد أخلاقية عامة تستند إلى القيم الأخلاقية وتكون مشتركة بين جميع المهن وتحكم سلوك أصحاب المهن والقيادات وهي:
1.    الصدق والأمانة في التعامل مع طالب الخدمة وتقديم الخدمة بنية حسنة ودون النظر للمنفعة المترتبة على مزاولة المهنة.
2.    المساواة والعدالة كشعار للتعامل مع الجميع.
3.    تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
4.    عدم استغلال طالب الخدمة في مجال الأتعاب أو المتاجرة بالأسرار أو إخفاء معلومات بقصد إلحاق الضرر بطالب الخدمة .
5.    الاستمرار في مزاولة المهنة ما دامت الحاجة موجودة في المجتمع لها.
6.    الإحساس بالواجب وتأديته بأفضل ما لديه من طاقة ومعرفة.
5/3. الأخلاق والقيادة:
        تم الحديث عن بعض جوانب القيادة في الباب  الرابع والباب الخامس وفي الباب السادس عرضت موضوعات حول مفهوم القيادة في الفكر الإسلامي ولآراء بعض المفكرين العرب والمسلمين والآن سيعالج موضوع علاقة الأخلاق بالقيادة بعد استعراض جانب القرارات الإدارية وأخلاقياتها وارتباط الأخلاق بالمهنة . ويلاحظ أن أحد الاتجاهات الفكرية التي تبلورت مع بداية الأربعينيات من القرن الماضي هو التركيز على ظاهرة القيادة ودراستها. وقد ساهم علماء النفس وعلماء الاجتماع كل في مجاله في تطور المفاهيم المتعلقة بالقيادة . وتعرضوا إلى أسباب نجاح وفعالية القائد وردها إلى السمات القيادية  في القائد أو ردها للموقف الإداري أو ردها إلى دور المرؤوسين في تحديد نجاح القائد.
        وكان اهتمام علماء الاجتماع بالقيادة يحتم اهتمامهم في الجماعات البشرية واتصالاتها وطرق التأثير والقوة والصراع والمنافسة ونمط التنظيم والمناخ الاجتماعي وأساليب التعامل بين الجماعات وبين الجماعة الواحدة. ويصنف البعض أنواع القادة إلى القادة التحويليين(Transformational Leaders ) والقادة التعامليين(Transactional leaders)وأما القادة التعامليين الذين يركزون على تنفيذ الأعمال والتعامل المستمر مع المرؤوسين لتحقيق أهداف التنظيم. أما القادة التحويليين فهم الذين يحاولون تغيير القيم والاتجاهات والمعتقدات عند المرؤوسين ويكون أثرهم أدوم ومثالهم الأنبياء والمصلحين الاجتماعيين وبعض القادة السياسيين.
        ولا يخفى أن للقادة دور هام في المجال الفكري يحققونه من خلال التأثير في المرؤوسين باستخدام بعض أو كل مصادر القوة المتاحة لهم. وتشمل مصادر القوة السلطة والشخصية والدين والعادات والمعرفة المتخصصة والخبرة الشخصية للقائد. وقد عرفت القيادة بأنها فن التأثير في المرؤوسين وأبلغ أنواع التأثير الذي يحول فيه القائد قيم ومعتقدات الأتباع لتكون منسجمة مع ما ينادي فيه من مفاهيم وفكر. وعندها يكون الأفراد تحت تأثير داخلي يدفعهم للعمل دون تردد أو انتظار لتوجيه ومراقبة من القائد. وأقرب مثال على ذلك هو أن القيم والمعتقدات قد تتركز على خلق الرقابة الذاتية لدى الفرد في العمل.
        وتشمل قيم القيادة الإخلاص والأمانة والعدل والمساواة بين التابعين والصدق والقدوة الحسنة للأتباع والصبر والتسامح وأداء الواجب وإتقان العمل وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة . وكلها قيم تشكل الخلق الحسن الذي تصدر عنه الأفعال دون تردد وفي تقديري أن تفعيل هذه القيم يأتي من القيادة الإدارية كما أن تطبيق العدالة مثلاً يخفف الكثير من المشكلات الإدارية . وتحلي القائد بهذه القيم وممارستها عملياً أبلغ بكثير من التلويح باستخدام القوة وإيقاع العقوبة بحق من يتجاوز ويرتكب المخالفات ويساهم في خلق المشكلات.
        وتعتبر الكفاءة والفعالية من أهم القيم الوظيفية ويكمن التحدي الحقيقي للقيادة في التأثير على المرؤوسين لتحقيق درجة عالية من الكفاءة والفعالية وخلق المناخ التنظيمي المنتج  الذي يسوده التعامل ضمن الإطار الأخلاقي الذي تحدده طبيعة المهنة. ويترتب على إتقان العمل والإخلاص فيه أن يحظى الفرد بحرية العمل واتخاذ القرارات المناسبة لانجازه في مناخ متعاون ويضمن حقوق العاملين. والقائد الناجح يدرك توقعات المرؤوسين ويتعامل معها بوضوح ضمن ما تسمح به الأنظمة والقوانين والقواعد الأخلاقية ويجعل مرؤوسيه يدركون توقعاته ودون مبالغة في تحديد معايير الأداء . ويتوخى القائد عندما تتعرض قراراته للتحليل أن يصل المرؤوسين لقناعة بعدالة القرارات  وعندها تزداد فرصته في التأثير على المرؤوسين وفي تحقيق النجاح.
        ويتحلى القائد بالفضائل الأخلاقية  ومن خلالها يحقق السعادة لأن السعادة نتيجة لممارسة الفضائل مثل الشجاعة والعفة والعدل والحكمة والحزم والتوسط والاستقامة. وهذه الفضائل تساعد القائد على ضبط نفسه فلا تميل نحو سوء استخدام القوة لأنه بذلك لا يكون عادلاً ولا حازماً. وكذلك فإن الشجاعة مرتبطة بالحزم والعدل يوجب الاستقامة والعفة مرتبطة بالإيثار واعتدال الشهوة وخضوعها لسلطة العقل. وضبط النفس ومجاهدتها من القيم القيادية ومن أعظم الأمور لأن النفس أمارة بالسوء . ومجمل القيم يمثل منهجاً أخلاقياً للقائد. ونستدل مما سبق أن علاقة الأخلاق بالقيادة علاقة تعتمد على دور القائد في صناعة القرارات والتقيد بأخلاقيات مهنته, وتوجيه سلوك القائد بواسطة القيم الأخلاقية التي يؤمن بها .[9] 


[1] الكبيسي , عامر," القيم المؤسسية في الوطن العربي كمدخل للتنمية الإدارية", المجلة العربية للإدارة, العدد الثاني ,1986, ص8-20.
[2] Simon, Herbert , Administrative Behavior: A Study of Decision Making Process In Administrative Organization, New York: The Macmillan Company,1961, P.63. 
[3] . المرجع السابق, ص 178-179.
[4] Kast,  Fremont E., and Rosenzwieg, James E., Organization and Management, 3rd Edition, New York: Mc Grew –n Hill Co.,  1979,P. 144
[5]  Rue , Leslie W. , and Lioyd L. Byers , Management Theory Application , Home Wood : Richard D., Irwin Inc.,1977,  P.471.
[6]  نعيم نصير , "الإدارة بالاستغلال : دراسة لاتجاهات موظفي الإدارة العليا للسلوك الميكافيلي في القطاع العام في محافظة اربد الأردن" , مجلة أبحاث اليرموك , المجلد 12 , العدد 4, 1996,ص 9-43. 
[7]  Dessler, Gary , Management Fundamentals ,4th Edition, Virginia: Reston Publishing Company Inc., 1985, P.468
[8] محمد عبد الغني المصري , أخلاقيات المهنة, الطبعة الأولى ,عمان : مكتبة الرسالة الحديثة, 1986, ص 56-57.
[9] الكبيسي , عامر ," القيم المؤسسية في الوطن العربي", المجلة العربية للإدارة , العدد الثاني, 1986,ص10.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق