الأحد، 6 نوفمبر 2016

العمل في الاسلام




العمل في الإسلام
أولاً : نظرة الإسلام إلى العمل :
لقد نظر الإسلام الى العمل نظرة احترام وتمجيد ، فمجد العمل ورفع قيمته وربط كرامة الإنسان به ، بل إنه جعله فريضة من فرائضه التي يثاب عليها فهو مأمور به ، ولا شك أن من أطاع أمر الشارع فهو مثاب، فالعمل عبادة إذن وأي عباده ( حتى أصبح العمل في سبيل قوته وقوت عياله ، وفي سبيل رفعة امته وتحقيق الخير في المجتمع أفضل عند الله من المتعبد الذي يركن الى العبادة ويزهد في العمل . وأصبح الخمول والترفع عن العمل نقصاً في إنسانية الإنسان ، وسبباً في تفاهته وحطته)[1] ولهذا فقد حث القرآن الكريم من خلال سوره وآياته على العمل فقال تعالى : ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)[2]  ، وقال تعالى : ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ) .[3] وقال تعالى ( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور ).[4]

كما أن كتب السنة النبوية  المطهرة مليئة بالأحاديث الدالة عل الحث على العمل ، وترك العجز والكسل ، فقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من ياكل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده "[5]  كما روي عنه صلى الله وسلم أن قال :" من بات كالآمن طلب الحلال بات مغفوراً له " [6]

            كما أن الإسلام سلك مسلكا أخر غير مباشر في الحث على العمل فقد حث على اعانة الفقير وجعل المعين خيراً من المعان من جهة نوال الأجر والثواب ففي الحديث  " اليد العليا خير من اليد السفلى" . وهكذا في الحث على انواع البر المختلفة كالصدقات والانفاق في سبيل الله ونحو ذلك .[7]

 

ثانياً : ماهية العمل في الاسلام :

إن الناظر في الآيات الكريمة ، والأحاديث الشريفة يلحظ أن طلب العمل جاء عاماً مطلقاً غير مقصور على عمل معين ، وغير مقيد بشىء سوى الحل الشرعي ، وهذا يشمل جميع الأنشطة الاقتصادية ، ومختلف أنواع المعاملات والمكاسب مثل التجارة والزراعة والصناعة والشركة والمضاربة والإجاره وسائر ما يباشره الإنسان من أوجه العمل والنشاط الاقتصادي بغرض الكسب الحلال [8] ،  مادام يرمي إلى تحقيق مصلحة الإنسان وتحقيق التقدم والرفاه له ، وما دام يرمي إلى بناء المدنية الموجهه بعدل السماء [9] ، فقد خلق الله الإنسان وطلب منه عمارة الأرض كما قال تعالى : ( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من اله غيره هو أنشاكم من الأرض واستعمركم فيها )[10].

       وعلى هذا فليس هناك عمل حقير في المفهوم الإسلامي للعمل فإن كل يعمل يقوم به الإنسان فهو عمل جليل مادام مباحاً ويسد خلته وعوزه ويكفه عن مسألة الناس ، وبناء على ذلك فإن قيمة الإنسان  وإنسانيته محفوظه لا تنقص بسبب ما يباشره من عمل وان عده بعض الناس عملاً حقيراً . وقد كان صلى الله عليه وسلم يرعى الغنم لاهل مكة . فقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما بعث الله نبياً إلا ورعى الغنم . قالوا : وأنت يا رسول الله ؟  قالى : نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة " .[11]  وكذلك الأنبياء قبله صلى الله وسلم كانوا يعملون في حرف مختلفة ، فقد قال تعالى عن داود عليه السلام ( وعلمناه صنعة لبوس لكم ..) والمراد باللبوس الدروع، قال  القرطبي – رحمة الله – عند تفسير هذه الأية : " هذه الأية  أصل في اتخاذ الصنائع  والأسباب ، وهو قول أهل العقول والألباب لا قول الجهلة الأغبياء  ، القائلين بأن ذلك إنما شرع للضعفاء ،  فالسبب سنة الله في خلقه ، فمن طعن في ذلك فقد طعن في الكتاب والسنة ، ونسب من ذكرنا الى الضعف  وعدم المنة ، وقد أخبر الله تعالى  عن نبيه داود عليه السلام أنه كان يصنع  الدروع ، وكان أيضاً يصنع الخوص ، وكان يأكل من عمل يده ، وكان آدم حراثاً ،  ونوح نجاراً ، ولقمان خياطاً ، وطالوت دباغاً ، وقيل سقاءً ، فالصنعة يكف بها الإنسان نفسه عن الناس ، ويدفع بها عن نفسه الضرر والبأس .. " [12] لأن قمية الانسان في نظر الإسلام بحسب دينه وتقواه، لا يحسب ماله وغناه ، ولا بحسب عمله ومهنته .
       فقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لأن يغدو أحدكم  فيحتطب على ظهره فيتصدق منه ويستغنى عن الناس خير له من أن يسأل رجلاً أعطاه أو منعه " رواه الشيخان .

       وقد كان صلى الله عليه وسلم يرعى الغنم  على دريهمات لأهل مكة . (ولهذا وجدنا أكابر الأمة من علمائها وفقهائها يمتهنون مختلف المهن الحرة المباحة ، كما وجدنا بعض الصحابة الكرام يؤجرون أنفسهم لغيرهم للقيام ببعض الأعمال المباحة الحلال لقاء اجر معلوم )[13]

والجدير بالذكر أن العمال إلى عهد قريب " كانوا يترقون في كل باب من أبواب هذه الصناعات ، وكانت ترقية العامل من عريف الى معلم تعلن في حفل اسلامي السمات يحضره أساتذة الحرفة ويبدؤه  شيخ الطائفة بإجراء اسلامي هو سؤال الحاضرين قراءة  فاتحة الكتاب ) [14]. وفي هذا دليل ساطع على أن كل مهنة محترمة مادامت في دائرة الحلال ، وأصحابها محترمون كذلك ، وهذا هو المنظور الإسلامي الصحيح للعمل .



[1] - العمل في الإسلام ،  عز الدين التميمي ، دار عمان ، الأردن ، ص 17 .
[2] -سورة التوبة ، اية 105 .
[3] - سورة الجمعة ، أيه  10 .
[4] - سورة الملك . أية 15.
[5] -رواه البخاري 3/9 الاسلام وضرورات الحياة، عبدالله قادري ، ط 3 ، دار المجتمع ، 12ص 139 ، 13 2001 .
[6] - رواه ابن عساكر عن انس ورمز له بعلامة صح ، العمل في الاسلام ، التميمي ، ص 19
[7] -اصول الدعوة ، عبدالكريم زيدان ، ص 248
[8] -أصول الدعوة ، عبدالكريم زيدان ، ص 248
[9] - العمل ، عز الدين التميمي ، ص 45 .
[10] -سورة هود ، أية 61 .
[11] - رواه البخاري ، 3/38 . انظر : الإسلام وضرورات الحياة ، محمد قادري ، ص 143 .
[12] - الإسلام وضرورات الحياة ، محمد قادري ، ص 138 عن الجامع لأحكام القرآن  للقرطبي ، 11/320 –321 .
[13] - اصول الدعوة ، ص 248 ، الإسلام وضرورات الحياة ، عبدالله قادري ، ص 142 .
[14]- العمل في الاسلام ، عز الدين اليمني ، ص 52 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق