الأحد، 6 نوفمبر 2016

أخلاق منافية للعقيدة الإسلامية

أخلاق منافية للعقيدة الإسلامية

لقد حث الإسلام على سلامة الصدر ونقاء القلب من أن يحمل صاحبه على إخوانه المسلمين شيئاً، وجعل ذلك من موجبات الجنة كما في حديث أنس قال: كنا جلوساً مع رسول الله عليه وسلم فقال:(يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة......)[1].
وحذر الإسلام من الأخلاق الدنيئة الكامنة في القلوب الضعيفة، نورد بعضاً منها على سبيل المثال لا الحصر.

( أ ) ـ أخلاق متعلقة بالقلب منافية للعقيدة الإسلامية:
1/ البخل:
البخل يقوم على المبالغة الرجل في الخوف من الفقر، وينشأ عن هذه الطبيعة طبيعة الحرص على جمع المال، وقد يشتد به الخوف، حتى يمسك عن الإنفاق في وجوه الخير.
وقد يمسك الرجل يده عن الإنفاق في وجوه الخير، ويطلقها في اتباع الشهوات، فيجمع بين رذيلتين البخل والإسراف.
والبخيل بعيد عن الله، بعيد عن خلق الله، ضيق الصدر، ممنوع من الإنشراح،ضيق العطن، ضيق الصدر، قليل الفرح.[2]

2/ الحسد:
قال الجرجاني:"هو تمني زوال نعمة المحسود إلى الحاسد". [3]
وقال الإمام النووي:"هو تمني زوال النعمة عن صاحبها:سواء كانت النعمة دين أو دنيا"[4]
قال تعالى منكراً على من يتصف بصفة الحسد:{أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله}[5]
ففي الآية دلالة على أن الحسد إنما يقع على أمر له صلة بالله عز وجل،وهو استكثار فضل الله تعالى أن يكون من نصيب إنسان معين أو قوم مخصوصين.[6]
روى النسائي في سننه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(لا يجتمعان في قلب عبد الإيمان والحسد)[7].
قال ابن المقفع:" ليكن ما تصرف به الأذى عن نفسك ألا تكون حسوداً، فإن الحسد خلق لئيم، ومن لؤمه أنه موكل بالأدنى فالأدنى من الأقارب، فليكن ما تعامل به الحسد أن تعلم أن خير ما تكون حين تكون مع من هو خير منك".[8]
فانظر كيف بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يجتمع مع الإيمان شح ولا حسد، والمقصود أن ذلك الخلق له علاقة قوية بالإيمان، فمن رأيناه يحسد دل ذلك على ضعف إيمانه وفي المقابل من وجدناه طيباً سليم القلب دل ذلك على قوة إيمانه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"فمن وجد في نفسه حسداً لغيره فعليه أن يستعمل معه التقوى والصبر، فيكره ذلك من نفسه، وكثير من الناس الذين عندهم دين لا يعتدون على المحسود فلا يعينونه على ظلمه، ولكنهم أيضاً لا يقومون، بما يجب من حقه، بل إذا ذمه أحد لم يوافقوه على ذمه، ولا يذكرون محامده وكذلك لو مدحه أحد لسكتوا، وهؤلاء مدينون في ترك المأمور في حقه مفرطون في ذلك"[9]

3/ العشق:
قال ابن تيمية:" العشق هو: المحبة المفرطة الزائدة على الحد الذي ينبغي".[10]
وقال ابن القيم:" العشق هو الحب المفرط الذي يخاف على صاحبه منه".[11]
إن العشق مظهر من مظاهر ضعف الإيمان، وهو شغل الفارغ.
قال وهب بن منبه : "العقل والهوى يصطرعان فأيهما غلب مال بصاحبه"[12].
وقال ابن الجوزي:"فمن لم تكن له همة أبية لم يكد يتخلص من هذه البلية، فإن ذا الهمة يأنف أن يملك رقة شيء، وما زال الهوى يذل أهل العز"[13]


( ب ) ـ أخلاق متعلقة باللسان منافية للعقيدة الإسلامية:
لقد حذر الإسلام من خطر اللسان، وبين آفاته وحث على إمساكه أو استخدامه في الخير وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل أن ملاك الأمر كله في إمساك اللسان فقال معاذ:( أوَ مؤاخذون نحن بما نقول يا رسول الله؟ فقال الرسول:"ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم).[14]

ومن أخلاق اللسان المنافية للإيمان والعقيدة الإسلامية:
1/ الكذب:
قال الجرجاني:" هو إخبار لا على ما عليه المخبر عنه".[15]
وقال ابن حجر:"الكذب على الصحيح هو الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه سواء كان عمداً، أو خطأً"[16].
إن الكذب عمل مرذول، وصفة ذميمة، وهو خصلة من خصال النفاق، وشعبة من شعب الكفر، وهو سبب لنزع الثقة من الكاذب والنظر إليه بعين الخيانة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:(إياكم والكذب فإن الكذب، يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً)[17].
والكذب ـ ولا شك ـ مما يخل بالإيمان والعقيدة، كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:(الكذب يجانب الإيمان)[18].

2/ السب والشتم:
من سب مسلماً فقد فسق لقوله صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر (متفق عليه.
 
وقد اشتملت سورة الحجرات على آيات كثيرة محذرة من هذا: منها
قوله تعالى: (ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون[19] (.

والمعنى أن من فعل ذلك كان فاسقاً بعد أن كان مؤمناً، كما أطلق الله وصف الفسق أيضاً على من سب المحصنة المؤمنة فقال تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون}[20]، فسمي الذين يفعلون ذلك فساقاً، وأما الغيبة فقد جاء فيها قوله تعالى: {ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم}[21]،أي لمن تاب من هذه الآثام وقد سبق في الحديث ان الغيبة أشد من الربا والربا اشد من الزنا بالأم.

ولا يجوز لمسلم أن يستحل سب المسلم أو شتمه أو عيبه أو غيبته إلا في حق كأن يكون مظلوماً يرد عن نفسه كما قال تعالى: {لا يحب الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم}[22]،أي من اعتدى عليه أولاً فله الحق أن ينتصر من ظالمه بأن يسبه كما سبه، أو يذكر ظلمه للناس ولكنه لا يجوز له أن يعتدي بأكثر مما سب وعيب به، لقوله تعالى: {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين}[23]، وكقوله: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل *إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم}[24]، ولا شك أن الصفح والمغفرة لأعظم وآجر عند الله لقوله تعالى: {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور[25]{.
إن اللعن والسب والشتم والفحش في الكلام والطعن في الأنساب ، كل ذلك ليس من شيم المتقين.

3/ الغيبة:
قال الجرجاني:" هي أن تذكر أخاك بما يكره، فإن كان فيه فقد اغتبته وإن لن يكن فيه فقد بهته، أي قلت عليه ما لم يفعله"[26].
ينبغي للمسلم المكلف، أن يحفظ لسانه من الكلام بجميع أنواعه ماعدا الكلام الذي تظهر فيه مصلحة شرعية.
والقاعدة الصحيحة أن السلامة لا يعدلها شيء، وعلى هذا فإذا استوت المصلحة وعدمها، في أي كلام، كان تركه أفضل،فقد يجر المباح إلى الحرام أو المكروه.[27]
وقد أشار القرآن الكريم إلى أن الإنسان مسؤول ومحاسب على كل قول يلفظ به، قال تعالى:{ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}[28].
ولقد صرح القرآن الكريم بحرمة الغيبة، فقال تعالى:{ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم}[29].
وفي حفظ اللسان مع حفظ العورة من الفواحش، ضمان لدخول الجنة، ففي الحديث(من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه، أضمن له الجنة).[30]
وعلى هذا فالغيبة والبهتان كلاهما مذموم ومحرم في الإسلام، أشد تحريم.

( ج ) ـ أخلاق متعلقة بأعمال الجوارح منافية للعقيدة الإسلامية:
1/ كثرة المزاح والإسفاف فيه:
وهذا الأمر يكثر وقوعه بين الناس، فترى من يغلب عليه كثرة المزاح، والإسفاف والتمادي فيه.
وهذا الأمر مظهر من مظاهر دنو الهمة، فالمزاح يسقط الهيبة، ويخل بالمروءة، ويجرئ السفهاء والأنذال.
قيل في بعض منثور الحكم:" المزاح يأكل الهيبة كما تأكل النار الحطب"[31]  قال ابن عبد البر في بهجة المجالس:" وقد كره جماعة من العلماء الخوض في المزاح، لما فيه من ذميم العاقبة، ومن التوصل إلى الأعراض، واستجلاب الضغائن، وإفساد الإخاء".[32]
وقال سعيد بن العاص:" لا تمازح الشريف فيحقد، ولا الدنيء فيجترئ عليك".[33]
والمزاح في الكلام كالملح في الطعام، إن عدم أو زاد على الحد فهو مذموم".[34]

2/ التقليد الأعمى:
وهذه بلية من البلايا، ورزية من الرزايا، وسبب عظيم لدنو الهمة، وموجب من موجبات التخلف عن ركب المعالي.
فكم من الناس من ألغى عقله واستعاضه بعقل آخر فيتمثل  في عقل الصحبة التي يرتاد مجلسها أو العشرة التي ينتمي إليها، ويدين بالولاء لها، فلا يفكر إلا بذلك العقل ولا يوالي إلا من أجله، ولا يقدم رجلاً أو يؤخر أخرى إلا وفق ما تمليه عليه الصحبة أو العشرة، حقاً كان أم باطلاً، إما خوفاً منهم أو موافقةً أو مجاملة لهم.
قال ابن القيم:" فما على العبد أضر من عشائره وأبناء جنسه، فنظره قاصر وهمته واقفة عند التشبه بهم ومباهاتهم، والسلوك أين سلكوا، حتى ولو دخلوا مجرى ضب لأحب أن يدخل معهم".[35]
ولا يعني ذلك أن يعيش المرء وحيداً، مٌؤثراً العزلة، مستبداً برأيه قابضاً يده عن التعاون مع بني جنسه، وإنما المقصود أن يكون المرء ذا نظر في الأمور بعيد، وأن يٌؤثر الحق ويقبله من أي أحد، وألا يساير من معه إلا على الحق،
والتقليد الأعمى ضرر محض على الأمة، حيث يفقدها تميزها واستقلالها.

3/ هجر المسلم أخاه:
إن أخوة المسلم للمسلم، أساس هام من أسس الإسلام، وهي توجب المودة والتراحم والتعاون على الخير، قال تعالى:{ إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم}[36].
وقال تعالى:{ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}[37].
وفي الحديث الشريف ما يفيد أن هجر المسلمين لبعضهم البعض إنما هو من إغواء الشيطان، يقول صلى الله عليه وسلم:( إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم).[38]
فمن المحرم أن يهجر المسلم أخاه أكثر من ثلاثة ليال، فمن وافاه أجله وهو على حال الهجر، كان مصيره والعياذ بالله إلى النار، وكيف يجاهد المسلمون ويتعاونون على البر والتقوى إذا كانوا متدابرين[39].


[1] الحديث بطوله عند الإمام أحمد 12720 ، صححه الحافظ العراقي.
[2] الوابل الصيب 644
[3] التعريفات 117
[4] رياض الصالحين 441
[5] النساء 54
[6] الأخلاق في الإسلام 276
[7] رواه النسائي 3109 ، وصححه الألباني برقم 1262 في صحيح الجامع
[8] الأدب الصغير والأدب الكبير 112
[9] الفتاوى 10/125
[10] الفتاوى 10/131
[11] مدارج السالكين 3/30
[12] الآداب الشرعية والمنح المرعية  3/131
[13] ذم الهوى 477
[14] رواه الترمذي 2616، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/39:38
[15] التعريفات 235
[16] فتح الباري 1/242
[17] رواه مسلم 2607
[18] أخرجه البيهقي في شعب الأيمان4805/4804 بسند صحيح
[19] الحجرات 11
[20] النور 4
[21] الحجرات 12
[22] النساء 148
[23] البقرة 190
[24] الشورى 41/42
[25] الشورى 43
[26] التعريفات 210
[27] رياض الصالحين 420
[28] ق 18
[29] الحجرات 12
[30] رواه البخاري 5993
[31] أدب الدنيا والدين 310
[32] بهجة المجالس 2/569
[33] المرجع السابق
[34] بهجة قلوب الأبرار 70
[35] الرسالة التبوكية 86
[36] الحجرات 10
[37] المائدة 2
[38] رواه مسلم5030
[39] الأخلاق في الإسلام 280

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق