السبت، 19 نوفمبر 2016

القيادة في الفكر الإداري التقليدي


.القيادة في الفكر الإداري التقليدي:
تمثل نظرية الإدارة العلمية ونظرية التقسيم الإداري والنظرية البيروقراطية الاتجاه التقليدي في الفكر الإداري. وقد أسهمت هذه النظريات في تطوير المفاهيم الإدارية المرتبطة بالعملية الإدارية ولكنها لم تركز على القيادة الإدارية.
        وموقف الإدارة العلمية يعتمد على افتراضات محددة حول طبيعة الإنسان وهذه الافتراضات تعرضت للنقد من المدارس الفكرية التي ظهرت فيما بعد ولا يتسع المجال للإسهاب والخوض فيها ولكن نذكر أن الإدارة العلمية قسمت العمل بين القائد الإداري أو المدير والمرؤوسين بحيث اعتبرت أن المدير يتولى التخطيط وما على المرؤوسين إلا التنفيذ . واهتمت بإدخال الأسلوب العلمي لمعالجة المشكلات الإدارية بقصد زيادة الإنتاج وركزت على العامل الاقتصادي كمحفز للعاملين وأهملت الحوافز المعنوية ودعت إلى اكتشاف الطريقة المثلى لأداء الأعمال. [1]
وأسهمت الإدارة العلمية بشكل مؤثر في زيادة الإنتاج من خلال دراسات الوقت والحركة  وأعطت العامل الاقتصادي أهمية كبيرة كحافز لزيادة الإنتاج من قبل العاملين. وترتب على اهتمام الإدارة العلمية  بإدخال الأسلوب العلمي لمعالجة المشكلات الإدارية ظهور الاتجاه المؤيد لكون الإدارة علماً له نظريات ومبادئ يمكن الاستناد إليها في بناء وإدارة المنظمات وتمخض عن هذا الاتجاه ظهور نظرية التقسيم الإداري.
        ونظرية التقسيم الإداري التي يعتبر هنري فايول وجوليك وارويك من أبرز روادها اهتمت بتطوير مبادئ إدارية يمكن تطبيقها وصولاً إلى التنظيم الجيد. وقد صنف هنري فايول الوظائف الإدارية من ضمن ستة مجموعات من الوظائف هي الوظائف الفنية والتجارية والمالية والصيانة والمحاسبة والوظائف الإدارية . وأشار إلى أن الوظائف الإدارية تشمل  التخطيط والتنظيم والتنسيق وإصدار الأوامر والرقابة. والمرجح أن موضوع القيادة الإدارية يتعلق بمختلف الوظائف الإدارية وأن ارتباطه مباشرا في عملية إصدار الأوامر والرقابة والتنسيق.  
        وكذلك حدد فايول مجموعة من السمات التي يجب أن تتوفر في المدير وأسماها السمات الذهنية والسمات الأخلاقية وسعة الاطلاع والثقافة الواسعة والاحتراف أو المعرفة المتخصصة بالعمل والخبرة الواسعة.[2]
وأما مساهمة لوتر جوليك فكانت بتحديد الوظائف الإدارية وتلخيصها في مصطلح (POSDCORB) بحيث يمثل كل حرف من المصطلح الحرف الأول من الوظيفة  الإدارية وكما يلي:
التخطيط                                       P     Planning   
التنظيمO   Organizing                                               
التوظيف S  Staffing                                                  
التوجيهD  Directing                                                  
التنسيق والضبط Co  Co-Ordination and Control   
الإبلاغ وكتابة التقاريرR  Reporting                            
الموازنة       B  Budgeting                                      
وأما مساهمة ليندل اورويك (L. Urwick  ) فكانت في التأكيد على أهمية تفويض الصلاحيات ليتفرغ المدير للأمور الهامة وإبراز أهمية القيادة الديمقراطية وتحديد نطاق الإشراف أو نطاق التمكن للمدير (Span of Control) بحيث يتناسب مع طبيعة العمل ودرجة التخصص فيه ومدى تنوع الإعمال التي يؤديها المرؤوسين ويلاحظ أن التركيز إجمالاً في الفكر التقليدي
         
يدور حول الوظيفة من خلال تقسيم العمل وتصميم التنظيم الجيد مع التركيز على متغير واحد في اغلب الأحيان.
        وساهمت نظرية ماكس فيبر ((Max Weber  من خلال القواعد التي حددها والتي اعتبر وجودها في أي تنظيم تجعله تنظيماً بيروقراطياً. وتشمل هذه القواعد التسلسل القيادي واللاشخصية في العلاقات الوظيفية والتخصص واعتماد الجدارة في الاختيار والتعيين والتدوين وحفظ السجلات وتحديد أجور العاملين وفق نظام ثابت  ووجود الأنظمة والرقابة المحكمة. ورغم استحالة توافر هذه الشروط في أي تنظيم إلا أن هذه الشروط تعكس التصور الفكري الذي وضعه ماكس فيبر.
        وقد اعتمد ماكس فيبر على معيار السلطة لتحديد درجة رقي المجتمعات البشرية واعتبر أن المجتمعات التقليدية يسود في أجهزتها الإدارية السلطة التقليدية. وأما المجتمعات التي تطورت نسبياً فيسود في منظماتها السلطة الكارزماتية . واعتبر أن أفضل نوع من السلطة هو السلطة القانونية العقلانية(Legal Rational Authority  )وهي السلطة التي تبدو واضحة في المجتمعات المتقدمة.[3] وهذه النظرية ركزت على السلطة كمتغير يحدد درجة تقدم ورقي المنظمات الإدارية والتي تعتبر انعكاسا للمجتمعات التي تعمل فيها . ويلاحظ أن النظرية البيروقراطية لم تهتم كثيراً بالقيادة الإدارية وإنما ركزت على السلطة كوسيلة لفهم المنظمات الإدارية واهتمت بالقواعد التي تحكم عمل المنظمة والعاملين فيها.
3. القيادة في الفكر الإداري الحديث
        احتلت القيادة في الفكر الحديث دوراً بارزاً. ويظهر هذا الدور في تركيز معظم الاتجاهات الفكرية على ظاهرة القيادة الإدارية. فقد اهتم علماء النفس وعلماء الاجتماع وعلماء السياسة بشكل خاص بهذه الظاهرة وتمت دراستها من جوانب عديدة. فقد تم التركيز على العنصر البشري في المنظمات من خلال مدرسة العلاقات الإنسانية. وتم التركيز على السلوك الإنساني وسلوك القائد الإداري والاهتمام بالقيادة والاتصالات واتخاذ القرارات وإظهار أهمية التنظيم غير الرسمي, وإبراز الجانب الاجتماعي في المنظمة وعمل الجماعات في التنظيم والتحول من حل المشكلات بشكل فردي إلى الحل من خلال المشاركة الجماعية وفرق العمل الموجهة ذاتياً.
        وسيتم استعراض مواقف مدرسة العلاقات الإنسانية ونظرية التنظيم الاجتماعي ونظرية التوازن الاجتماعي لتوضيح المساهمات الحديثة في بلورة مفهوم القيادة الإدارية وبشكل مختصر.
3/1. مدرسة العلاقات الإنسانية
                      أ‌-          يتلخص موقف هذه المدرسة في مجال القيادة الإدارية بما يلي:
                   ب‌-       العلاقات الإنسانية في الإدارة تحدد مدى نجاح القائد الإداري.
                   ت‌-       القائد الناجح يسهل على الأفراد الوصول للهدف المنشود من خلال التعاون ويعطي
فرصاً لتنمية الأفراد ويسعى لإشباع حاجاتهم. ,إشباع حاجات الأفراد لا يتناقض مع أهداف التنظيم ويؤدي لارتفاع الروح المعنوية وارتفاع مستوى الأداء.
                   ث‌-       يعود سبب نقص الإنتاج إلى تدني الروح المعنوية للعاملين ولظروف العمل غير الجيدة وأثرها السلبي. وتشمل ظروف العمل التدفئة والتهوية والتكييف والإضاءة ونقص المعدات وعدم توفر شروط السلامة العامة وغيرها.[4]
                    ج‌-        ليس العامل المادي العامل الوحيد الذي يمكن أن يحفز العاملين على تطوير أدائهم وزيادة الإنتاجية, وإنما هناك عوامل معنوية تسهم في تحفيز العاملين.
                    ح‌-        القيادة الفعالة التي تقرب بين التنظيم الرسمي والتنظيم غير الرسمي بتعاون وثيق يستلزم المشاركة الفعالة والقيادة الديمقراطية توفر المشاركة والتحفيز للعاملين وهي أفضل من غيرها للعمل في المنظمات الخدمية والإنتاجية.
ورغم الشعارات الرنانة التي أطلقتها مدرسة العلاقات الإنسانية مثل "العامل الراضي عن عمله عامل منتج" وتأكيد دور التنظيمات غير الرسمية وما صاحبه من إهمال لدور التنظيم الرسمي. [5]إلا أنه لا يوجد دليل علمي يؤكد ما ذهبت إليه مدرسة العلاقات الإنسانية , ولهذا تبلورت المدرسة السلوكية وغيرها من المدارس لتعالج مواطن الضعف في مدرسة العلاقات الإنسانية.
3/2.نظريات التنظيم الاجتماعي
        تعتبر هذه النظريات التنظيم الإداري تنظيم فرعي من التنظيم الأكبر في المجتمع ويتكون أفراده من مجموعات تتعاون باستخدام الموارد المادية والبشرية لتحقيق أهداف شخصية وأهداف جماعية من خلال سلوك منظم ومن خلال حل المشكلات التنظيمية ومن أبرز الكتاب في هذا المجال باك(Bakke ) وكريس ارجيرس( Chris Argyris) وليكرت( Likert). [6]
        ويرى باك أن مكونات التنظيم أربعة هي:
                                  أ‌-          الموارد المادية والبشرية والطبيعية.
  ب .الأنشطة التي تتم بداخل التنظيم .
ت. الروابط بين أجزاء التنظيم والتي تحقق التنسيق.
ث. النظام الذي يحكم عمل التنظيم.
ويحاول الفرد تحقيق ذاته وتحقيق أهداف التنظيم وفي هذه المحاولة يتم اندماج الفرد مع التنظيم.
وأما كريس ارجيرس  فيرى أن التنظيم يتمون من الفرد والتنظيم وأن التنظيم يتصف بالرشد والفرد يسعى من خلال التنظيم لتحقيق ذاته ولهذا لا بد من وجود تناقض بين أهداف الفرد وأهداف التنظيم . ويرى أن نجاح التنظيم يعتمد على تخفيف الصراع بين الفرد والتنظيم من خلال توسيع الوظيفة وتخفيف الرقابة وتأمين الموظف بالراحة والاطمئنان والاستقرار في العمل.[7]
وأما ليكرت فقد أكد أن عوامل نجاح التنظيم هي القيادة والاتصالات والحوافز وعمليات التفاعل والتأثير واتخاذ القرارات وتحديد الأهداف والرقابة. واعتبر أن القيادة الفعالة تهتم بالعاملين وتشبع حاجاتهم وتسهل المشاركة وتستخدم قياس الأداء كوسيلة للإرشاد الذاتي للأفراد وتطوير الرقابة الذاتية لديهم.[8]
3/3 . نظرية التوازن التنظيمي
        يرى هيربرت سايمون وتشستر بارنارد أن التنظيم بطبيعته اجتماعي ويرى بارنارد أن التنظيم يمثل نشاطاً متعاوناً لا بد لوجوده من وجود أشخاص قادرين على الاتصال ولديهم الرغبة
في المشاركة بالعمل لتحقيق الأهداف المشتركة. ويعتمد بناء التنظيم على الكفاءة الإدارية الفعالة ورغبة الأفراد بالمساهمة في جهودهم. واستمرار هذه المساهمة مرتبط بإشباع حاجات الأشخاص من خلال ما يحصلون عليه من منافع مادية ومنافع أخرى. [9]
وأكد العلاقة بين " المساهمة والمردود" وأن الفرد يستمر في المساهمة إذا شعر بأن المردود معادل للجهود التي يبذلها وأن التوازن بين المساهمة والمردود أمر ضروري  للمحافظة على الكفاءات المتوفرة في المنظمة والحد من تسربها .ودور القيادة يكون في المحافظة على التوازن بين المردود الذي يحصل عليه الفرد والجهد الذي يبذله في العمل. وهذه النظرية تسمى نظرية( Inducement- Contribution Theory ) ويلاحظ القارئ الكريم من خلال النظريات أعلاه بداية التحول في النظرة إلى التنظيم على أنه تنظيم اجتماعي وليس تنظيماً آلياً كما كانت النظريات التقليدية تعتبره وهو ما درجت عليه التسمية بنموذج الآلة ( Machine Model) من قبل نقاد الفكر التقليدي.

واهتمام الدارسين بسمات القائد الناجح استمت في تطوير مفاهيم القيادة وأفرزت الاتجاهات الفكرية العديدة التي تفسر ظاهرة القيادة ونجاحها من خلال المداخل الفكرية الحديثة لدراسة القيادة الإدارية .ولم يقتصر الاهتمام بظاهرة القيادة على الدارسين من علماء النفس وعلماء الاجتماع وعلماء السياسة وإنما شغلت ظاهرة القيادة أذهان الناس العاديين نظراً لأثرها المباشر على مختلف جوانب الحياة العامة.
وأما في مجال الأدب الإداري فقد شهدت عقود الثلاثينات من القرن الماضي تطوراً فكرياً وطهور اتجاهات فكرية مثل حركة العلاقات الإنسانية والحركة العلمية في الإدارة والمدرسة السلوكية والمدرسة الكمية واتخاذ القرارات والاتجاه الذي اهتم بدراسة القيادة الإدارية ودورها في نجاح المنظمات الإدارية. وظهور النظريات الحديثة مثل نظرية النظم والنظرية الظرفية والإدارة بالأهداف . ويلاحظ أن ظاهرة القيادة حظيت بدراسة مركزة من خلال النظريات السلوكية والاتجاه الموقفي وإظهار دور المرؤوسين كعامل محدد لنجاح القائد.



يبين الفكر الإداري أن فكرة القيادة ظهرت بعد فكرة القائد . وقد عرف الإنسان منذ بدأ في تكوين المجتمعات البشرية فكرة القائد وقد تكون الإدارة العسكرية من أقدم الإدارات التي ركزت على القائد ودوره الحاسم في إدارة العمليات العسكرية وتحقيق النصر. وركزت معظم الدراسات على القادة الذين حققوا النجاح في حياتهم العملية. وكان السؤال الذي تحاول هذه الدراسات الإجابة عليه ما سبب نجاح قائد ما؟ وانطلقت هذه الجهود من افتراض أن النجاح مرتبط في السمات الشخصية للقائد وأن توفر هذه السمات يعتبر مؤشراً على احتمال نجاح القائد. وقد تبلور هذا الاتجاه فيما بعد وأصبح يعرف الآن بمدخل السمات أو المدخل الفردي.


[1] فيصل فخري مراري, الأسس والنظريات والوظائف, عمان : دار مجدلاوي للنشر والتوزيع, 1983, ص 39 -44 وانظر كذلك يونس عبد العزيز مقدادي, مبادئ في الإدارة, عمان: مؤسسة آلاء للطباعة والنشر, 1996,ص 42-55.
[2] محمد قاسم القريوتي ومهدي حسن زويلف, المفاهيم الحديثة في الإدارة, الطبعة الثالثة, عمان : المطابع المركزية, 1993, ص 40
[3] المرجع السابق , ص 37-38.

[4] المرجع السابق, ص 51 .
[5] مؤيد سعيد السالم , نظرية المنظمة : مداخل وعمليات, بغداد, 1988,ص 120-121.
[6] نواف كنعان  , القيادة الإدارية, الطبعة الرابعة, عمان : مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع,1992, ص 78-81.
[7]  المرجع السابق, ص 80 .
[8] المرجع السابق, ص 80-81.
[9]  المرجع السابق, ص 81-83.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق