الأحد، 6 نوفمبر، 2016

احوال العرب في الجاهلية قبل الاسلام

                               الأوضاع الدينيّة في العصر الجاهلي
سيستمر هذا الصّراع الدّيني بين أتباع الدّين السّائد في الجزيرة العربيّة وهو عبادة الأصنام ، وبين أتباع الدّين الجديد والّذي بدأ بالإنتشار ولكن ببطء في بداياته ، وذلك بسبب المقاومة الشّديدة الّتي أظهرها أنصار القديم ضد أيّة محاولة للتغيير . إن الّذي كان يدافع عنه أهل مكّة وغيرها هو الإستمرار بعبادة الأصنام ، وهي العبادة الشّائعة على امتداد الجزيرة العربيّة ،
عرف عن العرب أنّهم كانوا يعبدون الأصنام بصورها المختلفة ، من الحجارة كانت أو من الخشب ، وكانت على صور البشر أو الحيوانات ، وكان لكلّ قبيلة صنم خاص بها تضعه في مكان عام لتسهل رؤيته من الجميع ، ولحرص هذه القبائل على إضفاء المزيد من الإحترام للإلآه الّذي تعبده كانت تضع هذا الصنم قريباً من الكعبة في مكّة ليستقبلها في موسم الحج . وقد وصل عدد الأصنام المحيطة بالكعبة نحو ثلاثمائة وستّون صنماً  (  8 ) ، وهذا دليل تعصّب كل قبيلة لآلهتها ( 9 ) .  وعلى الرغم من كثرة الآلهة وتعدّدها فقد كانت تجمع العرب وحدة دينيّة واحدة  (10 ) ، وهذا كان في موسم الحج ، حيث كانوا يلتقون في شهر ذي الحجّة ، وفيه موسم  الحج ، وكانوا يطوفون حول الكعبة ينشدون ويغنّون كلّ لإلآهه يطلبون منها العفو والمغفرة ، وكان البعض منهم يطوفون وهم عراة ، وفي هذا إشارة إلى تخلّصهم من لباس الدّنيا والتفرّغ للعبادة . وقد بلغت درجة الإيمان بألهتهم أنّه كان في كلّ دار في مكّة صنم يعبدونه ، " فإذا أراد أحدهم السّفر كان أخر مايصنع في منزله أن يتمسّح به ، وإذا قدم من سفره كان أوّل مايصنع إذا دخل منزله أن يتمسّح به أيضاً " ( 11) . 
كان من الآديان الأخرى الّتي لها وجود في الجزيرة العربيّة ، الديانة اليهوديّة والتي كانت في اليمن ، ثم تواجد العدد الأكبر من اليهود في المدينة المنّورة ، وبقوا فيها حتى أجلاهم الرسول عنها ، وكانت هناك الديانة المسيحيّة وعاش أتباعها في نجران جنوب الجزيرة العربيّة حتّى أجلاهم عمر بن الخطّاب عنها . وكان هناك دين " الصابئة " من عبدة الكواكب في شمال الجزيرة العربيّة .
عرف عن النظام الدّيني للعرب في ذلك الزّمان وجود الكهنة ، حيث كان لهم شأن عظيم ، حيث كان لكل قبيلة كاهن أو أكثر ، وبلغ من قوّة دورهم في المجتمع أن أفراد القبيلة لم يكونوا يجزمون أمراً دون استشارة الكهنة ، وإذا تعرّضوا لمشكلة يلجأون للكهنة ليجد لهم حلاّ لها ( 12 ) .
لم يكن العرب يؤمنون بالغيبيّات ولم يحصلوا من ألهتهم على أجوبة على تساؤلات حول مابعد الحياة ومصير الإنسان عندها ،  لذلك فقد أنكروا البعث والحساب (13 )  ويقول الشهرستاني " أن بعض العرب قد أنكروا الخالق والبعث والإعادة ، ومنهم من أقرّوا بوجود الخالق وابتداء الخلق والإبداع وأنكروا البعث والإعادة ، ومنهم من أقرّوا بالخالق وابتداء الخلق ونوعاً من الإعادة ، وأنكروا الرّسل وعبدوا الأصنام ، وزعموا أنّهم شفعاؤهم عند الله في الدّار الأخرة ، وحجّوا إليها ونحروا لها الهدايا وقرّبوا القرابين ، وتقرّبوا إليها بالمناسك والمشاعر ، وأحلّوا وحرّموا . ومن العرب من يعتقد التناسخ فيقول إذا مات الإنسان أو قتل اجتمع دم الدماغ وأجزاء بنيته فانتصب طيراً هامة فيرجع إلى القبر كل مائة سنة " ( 14 ) .

لاحظنا ممّا سبق اضطّراباً دينيّاً واضحاً عند العرب في أمورهم الدّينيّة ، فلم يكن عندهم وضوح في الرؤية ، ولم يكن لديهم ثبات أو قواعد دينيّة محدّدة ، ولم يكن لديهم قواعد سلوكيّة تنسب لقوى غيبيّة ، بل كانت تشغلهم أمور الدنيا ، وكانت حياتهم في الدنيا هي مايشغل فكرهم ، وباستثاء موسم الحج الّي يتذكّرون فيه الهتهم مرّةً واحدة في العام  فلم يكونوا معنيين بتطوير أو تحسين مفاهيم الآلهة التي يعبدونها ، وهذا راجع إلى قصر النّظر عندهم وعدم اهتمامهم كثيراً بالتفكير بهذه الآلهة الّي خلقوها هم بأنفسهم وعبدوها دون تفكير أو وعي لما تنفعهم هذه الآلهة أو تضرّهم ، ولايبدو لنا أن العرب قد فكّروا بهذه الآلهة تفكيراً تحليليّا يقوم على التساؤل عن تعدّد هذه الآلهة وكثرتها ، وكيف يمكن في هذا الكون الواسع أن تحشر مئات الآلهة في مكان واحد كلّ جماعة تعبد الإلآه الخاص بها حيث يتفرّغ كل إلآه لتلبية طلبات أتباعه ويغضّ الطرف عن الشّعوب الأخرى ، فقط لأنّها لاتحمل مجسّم هذا الإلآه أينما ذهبت في هذه الصحراء الواسعة الّي تحيط بهم من كلّ جانب . " ولم يكن للدّين في نفس البدوي قبل فجر الإسلام كما يظهر من شعره غير أثر ضئيل ، وإذا كان قد مارس بعض الطّقوس الدّينيّة فقد فعل ذلك لا عن رغبة نفسيّة بل احتراماً للعرف والعادة ، فأنت لاتكاد تجد مثالاّواحداً لتعبّد صادق أو خشوع أمام إلآه وثني " (15 ) . في مثل هذه الظّروف نصل للقول بأنّه كان لابدّ لهذا الوضع أن يتغيّر ، ولكن التغيير لن يتم إلاّ إذا نضجت الأمور إلى مايستحقّ التغيير ، وهذا ماسنصل إليه بعد دراسة الأوضاع اللإجتماعيّة للعرب قبل الإسلام .

                                       الأوضاع الإجتماعيّة قبل الإسلام
لم يكن العرب أقلّ اضطّرباً في أوضاعهم الإجتماعيّة ممّا كانوا عليه في أوضاعهم الدينيّة ، فقد شهدت حياة الشّعوب العربيّة مجموعة من التناقضات شكّلت بالنسبة لهم منظومة غير متماسكة من أنماط السّلوك المختلفة ، وإن استعراض هذه الآمور يفوق قدرة هذه الدراسة على تغطيتها ، ولكم هذا لايمنع من التصدّى لهذه المحاولة بغرض الوصول إلى نتيجة هي عنوان هذه الدراسة حول حتميّة التغيير بسبب توفّر الأسس التي يجب أن يقع بموجبها التغيير .
سبق وذكرنا أن من صفات المجتمع العربي تعدّد الآلهة بحيث كان لكلّ قبيلة إلآه خاص بها ، وعند الحديث عن الوضع الإجتماعي للعرب سنجد نفس الوضع مع فارق في التسمية فقد اتّصف المجتمع العربي بتعدّد الحكومات ، وفي الواقع هي ليست حكومات ، ولكن الغرض من هذه التسمية هو تقريب المعنى ليصبح معاصراً في هذه الأيّام ، أمّا إذا عدنا إلى الماضي فإنّنا سنستبدل المقصود بتعدّد الحكومات بتعدّد القبائل فكل قبيلة كانت عبارة عن حكومة لها نظامها الخاصّ بها تخضع لنظام داخلي يقوم على التسلسل الإداري حيث يقف شيخ القبيلة على رأس الهرم فهو الآمر الناهي ولارادّ لأمره ، فهذه القبيلة تعيش كغيرها في ظروف في غاية الصّعوبة من حيث توفّر الغذاء والماء لجميع أفراد القبيلة ، فكان على فرسانها أن يبحثوا عن مصادر رزقهم عند قبائل أخرى و " في مثل هذه الظّروف عرف عن العرب أنّهم كانوا يقتلون بعضهم بعضاً ويغير بعضهم   بعضا (16 ) ولذلك كان الغزو وشنّ الغارات على القبائل الأخرى هو الشّغل الشّاغل لهم ، وهنا يبرز دور شيخ القبيلة بتوجيه الغزاة إلى أهدافهم ، وعندما يعودون منتصرين ومعهم الأسلاب والغنائم يقوم الشيخ بتوزيعها على أفراد القبيلة ، وكان هو الزّعيم العسكري ، والسّياسي ، والناطق الأوحد باسم القبيلة ، وهم الحكم والقاضي الّذي يلتزم الجميع بتنفيذ أوامره . ولنا أن نتخيّل عدد القبائل التي كانت موجودة في الجزيرة العربية وعدد الزّعماء فيها ( 17 ) لنبدأ بحساب عدد الحكومات التي كانت موجودة انذاك .  
أدت كثرة القبائل وتعارض مصالحها الإقتصاديّة إلى استمرار الحروب بينها بحيث كان القويّ يسعى للقضاء على الضّعيف إلى ظهور فوضى اجتماعيّة أدّت بدورها إلى انحلال النّظم السياسيّة الّتي افتقر إليها العرب طوال عصر الجاهليّة ، وهذا مادفع ابن خلدون لوصف العرب بأنّهم " أهل انتهاب وعيث ينتهبون ما قدروا عليه من غير مغالبة ولا ركوب ولا خطر ، ويفرّون إلى منتجعهم بالقفر ، ولا يذهبون إلى المزاحفة والمحاربة إلاّ إذا دفعوا بذلك عن أنفسهم  (18 ) ، ويصف ابن خلدون العرب بأنّهم " إذا تغلّبوا على أوطان أسرع إليها الخراب والسّبب في ذلك أنّهم أمّة وحشيّة باستحكام عوائد التوحّش وأسبابه فيهم " ( 19 ) .
كانت المرأة تعاني من الإضطهاد وعانت بعض المجتمعات العربيّة القبليّة من وضع اجتماعي مأساوي تمثّل بوأد الإناث وقتل الأولاد ، حيث كان الآباء يعمدون إلى دفن بناتهم بعد ولادتهن مباشرة ، وكان الوأد " يتم بإلقاء الوليدة في حفرة بعد تطييبها   وتزيينها ثم يهال عليها التّراب " (20 ) ، وكان من أسباب وأد البنات أن العرب كانوا يخشون أن تقع نساؤهم سبايا بأيدي قبائل  أخرى ممّا يلحق العار بهذه القبيلة ، وقد نهى الله تعالى العرب عن القيام بهذه الجرائم ومنها أيضاً قتل الآولاد خشية الفقر ، فقد جاء في القرأن الكريم " وإذا الموؤدة سئلت بأيّ ذنب قتلت " (21 ) ، كما ورد في القرأ الكريم النهي عن قتل الآولاد ذكوراً أو إناثاً بسبب الفقر أو عدم قدرة أبائهم على إعالتهم ، فقد ورد في القرأن الكريم " ولاتقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقكم وإيّاهم "  (22 ) .
عرفنا عن العرب بعض الصّفات وأشكال السّلوك ماتعافه النفس مثل وأد البنات وقتل الأولاد ، ولكن لانغادر هذا المقام دون ذكر بعض الصّفات الإيجابيّة الّتي عرفوا بها مثل : الشّجاعة ، العفّة ، الوفاء ، والكرم ( 23 ) .
                                  العرب والإسلام
ستكون البداية في التحوّل الجذري في مسار ومصير الأمّة العربيّة مرتبطاً بشخصيّة رسول الله لهذه الأمّة فقد نزلت الرسالة وخاطب الوحي إنساناً تخالف شخصيّته ماكان سائداً في المجتمع العربي أنذاك ، فهو لم يسجد لصنم في حياته ، ولم يعترف بها ولابالصّفات الإلاهيّة التي كان يطلقها عليها المشركون ، ولم يشاركهم احتفالاتهم ولامناسباتهم الدّينيّة ، وعندما وصل به الأمر بالتفكير بعدم جدوى هذه الآلهة الّتي يعبدها قومه ، أثر العزلة والإبتعاد عنهم خارج مكّة ، وهناك وهو في عزلته يفكّر بدأت الصّلة التاريخيّة بين السّماء والأرض ، ونزل الوحي على رسول اللّه ليقول له " إقرأ  باسم ربّك الّذي خلق" ( 24 ) : ونحن نعلم أن الرسول لايقرأ ولايكتب ، هي بداية التغيير إذن في أن يخاطب اللّه رجلاً أميّاً ، لأنّ الإسلام لاحقاً سيبنى على هذه الآية . وعندما عاد الرّسول إلى بيته وأخبر زوجته خديجة بما حصل معه ونزول الوحي عليه ، قالت خديجة " أبشر فواللّه لايخزيك اللّه أبدا ، وواللّه أنّك لتصل الرّحم ، وتصدق الحديث ، وتؤدّي الأمانة ، وتحمل الكلّ ، وتقري الضّيف ، وتعين على نوائب الحق ( 25 ) .
كانت آية ( إقرأ ) أوّل أية نزلت على الرسول ، وكان أوّل ماأنزل عليه بعدها ( 26 ) " ن والقلم ومايسطرون ماأنت بنعمة ربّك بمجنون وإن لك لأجراً غير ممنون وإنّك لعلى خلق عظيم فستبصر ويبصرون " ( 27 ) .
إن ملامح التغيير تبدو واضحة لنا بتحديد مسار الدعوة بالآية الأولى الّتي تحث على القراءة ، وتليها بعد فترة زمنيّة أية أخرى تبدأ بالقلم ومايمكن الكتابة به ، وإذا كانت السيّدة خديجة قد خاطبت الرسول بوصفه تلك الصّفات النادرة  والتي يصعب توفّرها في إنسان واحد ، فسيأتي القرأن لاحقاً ويخاطب الرّسول في الآية التي سبق ذكرها يصف اللّه تعالى الرسول بأنّه على خلق عظيم .
إن هذه الشّهادة من اللّه تعالى لاتمنح إلاّ لمن وصل إلى مرحلة من الكمال بعلم وتدبير اللّه تعالى ، لأن الصّفات التي ورد ذكرها لاتكون إلاّ لنبي ، وللنبي دور ورسالة ، له دور عليه أن يؤدّيه في حياته ، كما أن له هدف عليه أن يسعى لتحقيقه وهو أن يوصل رسالة ربّه للناس بالقلم والأخلاق الحميدة ، وهذا ماسيقوم عليه الإسلام لاحقا .
سيبدأ الرّسول مسيرة التغيير في المجتمع العربي بعد أن نزلت عليه أية " وأنذر عشيرتك الأقربين " (28 ) ، وعمل الرّسول على تنفيذ الأمر الإلآهي وجمع عشيرته وقال لهم " أرأيت إن أخبرتكم أن العدوّ مصبحكم أو ممسّيكم أما كنتم تصدّقونني ، قالوا بلى ، قال فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد " وكانت نتيجة هذا اللّقاء أنّهم لم يصدّقوه وتركوه وحيداً ولم يوفّق في دعوة عشيرته للدّين الجديد ، كان الدّافع أمام الرّسول أكبر من أن يتمّ في محاولة واحدة للدّعوة ، بغض النّظر ماإذا كانت هذه الدعوة قد نجحت أو فشلت ، فإنّ الطّريق أمامه طويل ، وهو جزء من هذا المجتمع ، وكان يعلم أنّ عمليّة التحوّل لن تكون سهلة ، وأن التغيير لايمكن أن ينجح أو يفشل نتيجةً للقاء واحد ، فواصل الدعوة واشتدّ الصدّ والرفض حتى قدّر له أن ينفّذ الأمر الإلآهي كاملاً ، ولكنّه احتاج إلى ثلاثة وعشرين عاماً ثلاثة عشر عاماً منها في مكّة المكرّمة وعشر سنوات في المدينة المنوّرة حتّى أتمّ التغيير المطلوب ، ولمتابعة أحداث التغيير التي وقعت خلال هذه المرحلة التاريخيّة لابد من قراءة كتب السّيرة النبويّة والّتي لم تغفل أيّة حادثة أو رواية للرّسول خلال حياته ، ولكن يبقى العامل الرئيس في توجيه المسلمين نحو التغيير كان ومازال وسيبقى " القرأن الكريم " .
                                        الإسلام والتغيير
لقد منح الإسلام العرب ديناً جديداً يقوم على التوحيد ، وشهادة أن لاإلآه إلاّ اللّه وأن محمّداً رسول اللّه ، فلم تعد هناك آلهة بالعشرات تعبد ، ولذلك عندما دخل الرّسول مكّة المكرّمة فاتحاً لها كان أوّل أمرٍ له هو تحطيم جميع الأصنام المحيطة بالكعبة ,ومنح أهل مكّة العفو عمّا ارتكبوه بحقّه وحق المسلمين من أذى .   ومنحهم الوحدة ، فهذا المجتمع العربي المفكّك أصبح بفضل اعتناقهم الدّين الإسلامي يشكّل نظاماً اجتماعيّاً واحداً يقوم على الإيمان المستمدّ من كتاب واحد هو القرآن الكريم ، والّذي أصبح دستور هذه الأمّة والهادي لها ، وأصبح العرب بفضله أصحاب فكر وعلم ومعرفة ، وسيقدّر لهم أن يكتسحوا العالم أمامهم بفضل إيمانهم بالدعوة الجديدة . ومنحهم القوّة فقد أصبح العرب بفضل الإسلام قوّة لايستهان بها ، ولو عدنا إلى بدايات الدعوة الإسلاميّة لرأينا حالة الضّعف الّي كان عليها المسلمون الأوائل وماتعرّضوا له من اضطّهاد وتعذيب وقتل من أهل مكّة وغيرهم من العرب ، ولكن صبر المسلمين على الأذى كان عن إيمان بأن اللّه سينصرهم على أعدائهم ، ومن علامات القوّة عند المسلمين أن هذه الفئة المستضعفة سيقدّر لها في السّنة الثّانية للهجرة أن يحقّقوا أوّل نصر لهم على المشركين بالرّغم من عددهم القليل آنذاك ، فقد كانوا لايزيدون عن ثلاثمائة مقاتل مقابل أكثر من ألف من أهل مكّة ، وهزمت الفئة القليلة من فاقها عدداً وعدّة ، وستبرز هذه القوّة بشكل واضح عندما نجد أن عدد المسلمين الّذين شاركوا بفتح مكّة كانوا أكثر من عشرة آلاف مسلم . وعندما نتحدّث عن عدد المسلمين الّذين شاركوا بالفتوحات الإسلاميّة بعد بضع سنوات من فتح مكّة فإنّهم سيصلون إلى عشرات الآلاف من المسلمين . وهذا مادفع أحد المستشرقين للقول " لم تقم مطلقاً أيّة ديانة بمثل ماأحدثه الإسلام في صورة سريعة ومباشرة من تغيّرات كان لها تأثير في أنحاء العالم ، كذلك لم يحدث البتّة أن صار رسول أيّة ديانة جديدة سيّد زمانه وأهله مثلما أصبح عليه " ( 29 ) .
ما الّذي جعل العرب أصحاب العصبيّة القبليّة والولاء الضيّق والمنتشرون  في أعماق الصحراء يتحوّلون في فترة زمنيّة قصيرة تمتدّ من هجرة الرّسول محمّد (صلّى اللّه عليه وسلّم ) إلى المدينة المنورة لإقامة نواة الدولة الإسلاميّة ، وحتى وفاته في السّنة الحادية عشرة للهجرة أي خلال أحد عشر عاماً فقط  من قوى   ضعيفة مشتّتة إلى أبرز قوّة على مستوى العالم القديم ؟ سنجد الجواب على ذلك عند ابن خلدون الّذي رأى أن للدّين دور مهمّ في إقامة الدّولة إضافة للعصبيّة ، حيث " أنّ العرب لايحصل لهم الملك إلاّ بصبغة دينيّة من نبوّة أو ولاية أو أثر عظيم من الدّين على الجملة " ( 30 ) يعمل الدّين مع العصبيّة على " جمع القلوب وتأليفها إنّما يكون بمعونةٍ من اللّه في إقامة دينه قال تعالى لو أنفقت مافي الأرض جميعاً ماألّفت بين قلوبهم ، وسرّه أنّ القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل والميل إلى الدّنيا حصل التنافس وفشا الخلاف ، وإذا انصرفت إلى الحق ورفضت الدنيا والباطل وأقبلت على الله اتّحدت وجهتها فذهب التنافس ، وقلّ الخلاف ، وحسن التعاون والتعاضد واتّسع نطاق الكلمة لذلك فعظمت الدولة " ( 31 ) . وهذا مايؤكّد عليه احمد أمين بقوله " كان للآسلام أثر كبير في تغيير قيمة الأشياء والأخلاق في نظر العرب ، فارتفعت قيمة أشياء وانخفضت قيمة أخري ، وأصبحت مقوّمات الحياة في نظرهم غيرها بالأمس " ( 32 ) .
لقد عمل الإسلام على هدم وحدة القبيلة ، والوحدة الجنسيّة ، وكره التفاضل بشرف القبيلة أو شرف الجنس ، وعلّم أن معتنقي الإسلام كلّهم كتلة واحدة ، لاتفاضل بين أفرادها إلاّ بطاعة اللّه وتنفيذ أمره .
 نجم عن هذا الولاء الجديد للعرب بعد أن نبذوا آلهتهم وأصبحوا يعبدون إلآهاّ واحدا ، نظام جديد نبذوا فيه الكثير من العادات السيّئة مثل وأد البنات وحرمان المرأة من حقوقها الّتي أعاد لها القرآن الكريم اعتبارها وكرامتها المهدورة ، وتم تحريم الخمور ، والعديد من الأفعال مثل الميسر ، وتنظيم علاقات الزّواج والطّلاق ، وتحريض المسلمين على الجهاد في سبيل اللّه لنشر دينه ليتجاوز حدود الجزيرة العربيّة ، إذ لم تكن الدّعوة الإسلاميّة مقتصرة على العرب ، حيث خاطب القرآن شعوب العالم " ياأيّها النّاس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم " ( 33 ) .
كانت مصادر التشريع الإسلامي الّتي فرضت نمط التغيير على العرب خاصّةً والمسلمين بصورة عامّة هي القرآن الكريم والسنّة النبويّة ، والقرآن بحدّ ذاته هو تغيير ، إذ فرض على المسلمين قواعد السلوك المتعدّدة في جميع مناحي الحياة ، وأصبح هو المرجع الأوّل للمسلمين ، فقد علّمهم أسلوب حياةٍ جديدة لم يكونوا يعرفونها قبل الإسلام ، وذلك في المجالات الدّينيّة وأهمّها الإيمان بإلآهٍ واحد هو خالق الكون ومدبّر الوجود ، ونظّم القرآن الكريم حياة النّاس من نواحيها المختلفة ، فقد فرض على المسلمين نظاماً اقتصاديّاً واحداً ، ونظاماً اجتماعيّاً واحداً ، وكذلك وضع القوانين الّتي تحدّد العلاقات بين الّناس في السّلم والحرب ، وأصبح للمسلمين كتاب كان ومازال هو الحكم بين الناس إذا دبّ بينهم خلاف ، ويعدّ هذا من مفاخر العرب بأن أكرمهم اللّه تعالى بالقرآن الكريم الّذي يعد أهم أداةٍ للتغيير من بداية نزوله وحتى يومنا هذا . والبحث في القرآن الكريم عن التغيير الّذي أحدثه في المجتمعات الإسلاميّة يفوق قدرة الإنسان ، فالقرآن ليس مجرّد كتابٍ للقراءة بل هو كتاب تدبّر وتحليل ودرس ، ومنه خرجت العلوم الشرعيّة والتي ستكون القوانين النّاظمة لحياة الناس منها ستبدأ الحضارة الإسلاميّة بالنشوء والّتي تشمل جميع العلوم المعروفة في ذلك الزّمان .
عند الحديث عن السنّة النبوية فقد كانت مسؤوليّة التغيير بشكل مباشر تقع على الرّسول ( صلّى اللّه عليه وسلّم ) ، فهو كان يعيش حياته اليوميّة بين النّاس ويرى ويسمع مايحدث بين الناس فكان يعلّمهم أمور دينهم ودنياهم ، وكان هناك الكثير من أنماط السلوك اليومي مايحتاج إلى تعديل بل والإلغاء في بعض القضايا ، ولعلّ ماورد في " حجّة الوداع من الدروس والعبر والمواضيع مايجعلنا ننظر إليها باعتبارها التعاليم الأخيرة للرسول حيث أبلغ النّاس أنّه لن يراهم بعد عامهم هذا ، ولم يقدّر له الحج في العام الّذي يليه بسبب مرضه ووفاته ( 34 ) .
         أبلغ الرّسول الحجّاج المسلمين  في خطبة الحج ماعليهم أن يلتزموا به للحفاظ على دينهم ، ويمكن عرض المواضيع الّتي وردت في هذه الخطبة بما يلي :
·        إن دماءكم واموالكم عليكم حرام
·        إن كلّ ربا موضوع وللنّاس رؤوس أموالهم
·        إن كلّ دم في الجاهليّة موضوع
·        للرّجال حقّ على النساء ، وللنساء حقّ على الرّجال
·        استوصوا بالنّساء خيراً
·        المسلم أخو المسلم وإنّ المسلمين أخوة
·        لايحلّ لإمريءٍ من أخيه إلاّ ماعطاه عن طيب نفس
·        علّمهم مناسك الحج في المواقف ، ورمي الجمار ، والطّواف بالبيت ، وماأحلّ لهم في حجّهم وماحرّم عليهم ، فكانت حجّة الوداع وحجّة البلاغ ( 35 ) .
بوفاة الرسول في العام الحادي عشر للهجرة ترك للمسلمين دولة قويّة تشمل حدودها الجزيرة العربيّة في الوسط والجنوب ، ومن الشمال المتاخمة لحدود دولتي بلاد فاس في العراق والروّمان في سوريا ، وقام نظام سياسي جديد ليكمل مسيرة الرسول في نشر الآسلام ، وكان الهدف بلاد الفرس وبلاد الرّومان .
بدأت الفتوحات الإسلاميّة زمن الخليفة الأوّل أبو بكر الصّديق ، ومن جاء من بعده الخليفة عمر بن الخطّاب ، ومن تلاه من الخلفاء الرّشدين وفي العصر الأموي ، وبدأت حدود الدولة الإسلاميّة تتّسع ويزيد عدد سكّانها ، فمن الجزيرة العربيّة تم ضمّ بلاد الشّام ، ثم بلاد فارس ، وبعدها مناطق شمال أفريقيا ، وأواسط آسيا ، وجنوب أوروبا في اسانيا وفرنسا ، وكان عرب الصّحراء يحقّقون نتائج مذهلة للسرعة التي تمّت بها هذه الفتوحات ،  ، " ولم تمض على وفاة النّبي محمّد مئة سنة حتى أصبح العرب أسياد دولة أعظم من دولة الرّومان ( 36 ) .
لم يكن أي عربي ليس فقط أثناء انتشار الدعوة الإسلاميّة بل وهي في بداياتها أيضاً يتوقّع بل يحلم أنّه سيأتي يوم على العربي ينطلق فيه من أقاصي الأرض في مغربها عند المحيط الأطلسي ويذهب شرقاً حتّى يصل إلى الهند ليجد أن الإسلام والمسلمين قد وصلوا إلى هناك ، وأصبحت هذه المناطق وغيرها جزءاً من الدولة العربيّة الإسلاميّة ، فماالّذي جرى ؟ إنّه التغيير ، سنّة الحياة وقانونها الّذي لايبقي على شيء إلاّ ويطاله التغيير ، فقد تغيّر العرب في بلادهم وكان عليهم أن يحملوا هذا التغيير إلى العالم ، وهكذا كان ، وأصبح الإسلام ليس مجرّد تغيير ديني أو اجتماعي أو سياسي أو جغرافي أو ثقافي أو علمي ، بل هو هذه كلّها مجتمعة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق