الأحد، 6 نوفمبر، 2016

تراجع اخلاق العمل و طرق تقويمها

تراجع اخلاق العمل و طرق تقويمها :

تراجع أخلاق العمل :
     لا نريد الحديث هنا عن المشكلة العمالية في الغرب ، ولاعن النظريات الاقتصادية المختلفة التي برزت لتقييم المشكلة وحلها ، فليس التنظير والمقارنة من أهداف هذا البحث ، ولكن سنشير إلى حقيقتين هامتين هما:
1-  "إن المجتمع الإسلامي في تاريخه الطويل مع ما كان فيه من أعداد هائلة من العمال سواء في الأرض ، أو المصنع ، وعند الدولة ، او الأفراد لم يوجد ما يسمى بالمشكلة العمالية لأن العقيدة الإسلامية والأحكام الشرعية التي سادته حرمت الظلم تحريماً قاطعاً ، وأمرت أصحاب العمل كما أمرت غيرهم أن ينظروا الى العمال نظرة إنسانية لها حقوقها المشروعة ..
2-    لم تكن الأحكام الشرعية التي عالجت شؤون العمل والعمال منفصلة عن بقية الأحكام الشرعية التي تعالج مشكلات الإنسان الأخرى . ( ذلك أن الاحكام الشرعية التي عالجت قضية العمل والعمال والعلاقات بين العمل وأصحاب الاعمال إنما عالجتها على اعتبار أنها علاقات مرتبطة بغيرها من العلاقات الإنسانية الناشئة عن حاجة الإنسان والإسلام إنما عالج الإنسان بوصفه كلا غير مجزأ ..)[1]
وبناءً على ماتقدم نقول :
إن الأخلاق مرتبطةارتباطاً وثيقاً العقيدة الإسلامية ، فأساسها هو العقيدة الإسلامية بل هي الدين كله كما قال صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن الدين فقال : " الدين حسن الخلق " وقال صلى الله عليه وسلم " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " فلابد من اتخاذ العقيدة الإسلامية أساساً ومنطلقاً لكل عمل ، وكل عمل لا يتصف بالأخلاق فهو عمل باطل ولو فعل صاحبه من الخير ما فعل فقد روى عنه صلى الله عليه وسلم لما قيل له يا رسول الله " إن فلانه تكثرمن صلاتها  ، وصدقتها ، وصيامها غير أنها تؤدنى جيرانها بلسانه . قال : هي في النار "[2].  فالإسلام حرم الظلم والأذى وهذا نوع أذى فهومحرم لأنه يتنافى والأخلاق  التي قررها الإسلام .
ولما كان الإنسان في نظر الإسلام كلاً واحداً  لايتجزأ فقد أمر الإسلام الإنسان بالتخلق بالخلق الحسن في شؤونه كلها ومنها قضية العمل والعمال فقد عالجها  الإسلام بعدل وحكمة فأعطى كل ذي حق حقه وبين العلاقة بين العمال وأرباب العمل  فلا ظلم ولاهضم ولا تعد على الإطلاق والاسلام حين يعالج هذه القضية لا يعالجها بمعزل عن قضايا الإنسان الأخرى التي لا عيش له بدونها ، وهذه النظرة الشمولية  للإنسان لا تجد لها نظيراً في أي تشريع أو تقنين وضعى أبدا .
وعليه " فإن مقتضى الإيمان بالله ، تعالى ، أن يكون المؤمن ذا خلق محمود، وإن الأخلاق السيئة دليل على عدم وجود الإيمان ، أو ضعفه ، وعلى ذلك يمكننا أن نعرف مدى إيمان الشخص بمقدار ما يتحلى به من مكارم الأخلاق ، ونعرف مدى ضعف إيمانه بمقدار ما يتصف به من ذميم الأخلاق "[3] " فأعلم أن الدين خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين .. "[4] ولما كان الأمر كذلك فما سبب التراجع الأخلاقي؟

أسباب تراجع أخلاق العمل :
مع يقيننا أن الشريعة الإسلامية كل لا يتجزأ ، وأنها منهج ونظام حياة، كما تقدم ، إلا أن القارئ للتأريخ يجد أن هناك من سلك سلوكاً يتنافى وأخلاق العمل إما عمداً ، أو في غفلة من إيمانه ، ولم يلتزم التزاماً كاملاً بالمعانى الاخلاقية  التي دعت إليها الشريعة الإسلامية ، ولكنها لا تشكل ظاهرة، وليست هي نادرة ، فذلك أمر يستحق الوقوف عنده ، والكشف عن أسبابه ، فما هي تلك الأسباب ياترى ؟
لا شك أن حصر كل تلك الأسباب – في هذه العجالة – امر غير ممكن ولكن يمكن أن نجمل تلك الأسباب في الأمور التالية :

1-  التلوث العقدى :
نعني بالتلوث العقدي عدم الالتزام بالعقيده الإسلامية الصحيحة ، أو التخلى عن بعض مبادئها إن عمداً ، وان جهلاً بسبب ما يطرأ من الانحراف بسبب الشبهات والشهوات ، ووساوس الشيطان وإغراءاته ونحو ذلك .
ولاشك أن هذا التلوث العقدى يؤدى إلى تلوث الحياة  إذ سلامتها تكمن في اتباع المنهج الأقوم الذي دعا الى التمسك بمبادئ الأخلاق ، ومنها أخلاق العمل . ولا جدل أن كل مخالفة لأوامر الدين تعتبر مخالفة دينيه وأخلاقية في الوقت نفسه .
وقد نستدل لذلك العنوان بما روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال "أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله ، فإنه من يبدى لنا صفحته نقم عليه كتاب الله "[5] وجاء من حديث أخر قوله صلى الله عليه وسلم " .. اللهم نقنى من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس .. "[6]
فقد ورد في الحديثين لفظ " القاذورات " ولفظ " الدنس " وهما قريبان بل لصيقان  بمعنى التلوث ، ولا شك أن وصف هذه الأعمال بتلك الأوصاف فيها من التنفير من الوقوع في المخالفات ما يكفى لمن كان له لب يميز به بين الحسن والقبيح .
وعليه فإن كل مخالفة لأخلاق العمل كالسرقة ، والتزوير والغش ، واكل أموال الناس بالباطل ، وتضيع الأوقات ، وتعطيل مصالح الناس ونحو ذلك ، كل ذلك سببه التلوث العقدى فلو أمن الانسان بأن العقيدة تحرم كل ذلك لما أقدم عليه . " فما وقع من كثير من المسلمين من الغش والكذب ، والخيانة في المعاملات ، فإن هؤلاء المسلمين نقصوا من إسلامهم وإيمانهم بقدر ما خالفوا الشريعة فيه من هذه المعاملات "[7]

2- التلوث الفكري :
       لقد بينت العقيدة الإسلامية علاقة الإنسان بالكون ، وبخالق الكون ، وبالغاية التي من أجلها خلق الإنسان  ، فهذا التصور الشامل لمعنى الكون والحياة يكوّن فكراً نظيفاً  خاليا من الملوثات الفكرية التي تخرج بالإنسان عن هدفه وغايته فيضر نفسه ويضر غيره .
و نزيد هذا المعنى وضوحاً فنقول : إن الله خلق الإنسان لعبادته بالمعنى الواسع للعبادة ، وجعله من أفضل  مخلوقاته ، وسخر له ما في السموات وما في الأرض لينتفع به في حدود ما شرعه الله له ، وصولاً لتلك الغاية  ويسر له السبل للوصول إليها ، وعليها فإن المال ماهو الا وسيلة  للتحقيق تلك الغاية ، فليس المال وجمعة غاية في حد ذاته .
فالانسان إذا استحضر هذا " في ذهنه سيعرف مركزه الحقيقي في الدنيا وعلاقته بها وغايته  في الحياة وبالتالي سيتقبل بنفس راضية جميع الضوابط والتنظيمات التى جاء بها الشرع الإسلامي .. "[8]
فإذا تلوث هذا الفكر بأن كان المال غاية في حد ذاته كما نسمع اليوم حيث يقال : هذا العصر عصر المادة ، ونحو ذلك حتى كرّس بعض الناس حياتهم لجمع المادة فأصبحت مالكة لهم لا ماليكن لها ، فأصبح بعضهم عبيد للمادة كما قيل ، عياذا بالله ، وبالتالي قد تختلف وسائل جمع المال من حلال وحرام ، ولاشك أن هذه انتكاسة فكرية ولا شك أن التلوث الفكري سببه غياب الفهم الصحيح واالتصور الإسلامي للكون والحياة وفي ظل غياب هذا الفهم ، الذي يؤدى الى التلوث  الفكرى تتلوث الحياة بسبب السلوكيات الخاطئة ، والمعاملات السيئة ، وممارسة الاخلاق الفاسدة ، كالسرقة والغش والتزوير وأكل أموال الناس بالباطل، وتعطيل  مصالحهم ونحو ذلك من الأعمال والأقوال والاخلاق التي منعها الإسلام ، ورتب الجزاء على مقترفها في الدنيا والأخرة .

3-   التلوث القيمي :
لاشك أن التلوث الفكري ، والتلوث  القيمي أحد أهم أسبابهما هو التلوث العقدى كما أن التلوث الفكري والقيمي يؤديان إلى التلوث العقدى فهي أمور متلازمة .
ومن المعلوم أن القيم الأخلاقية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية ثابتة لاتتغير ولا تتبدل مادامت السموات والأرض فالخير والشر ، والحق والباطل ما يزال في مفهمومه  الأصيل منذ أنزل الله الكتب وأرسل الرسل ، ولن يصبح الحق باطلاً والباطل حقاً ولن يغير الزمن في حركته وتطوره من ثبات القيم والأخلاق الإسلامية لأنها في مواجهة الفطرة التى لاتتغير[9].
ولكن هناك أفكاراً هدامة حاولت وتحاول عزو هذه القيم الإسلامية بتفريغها من مضامينهاتارة ، وبقلب معانيهاتارة أخرى ساعيه جهدها الى تحطيم القيم الخلقية ، وقد استجاب لها بعض قليلى الإيمان من المسلمين حتى سمعنا مقولات لا تقبلها العقول السليمة ، وتمجها الفطر المستقيمة فأصبحت الرشوة – عندهم – هدية ،والنفاق مجاملة ، وأكل الأموال العامة فطنة ، وإيذاء الناس ونهرهم وتأخير  مصالحهم قوة في الشخصية ، وهكذا .
فهذا بلا شك قلب للحقائق ، وانقلاب في المفاهيم والقيم الاخلاقية وهو بلا شك تلوث قيمي يؤدي إلى تلوث الحياة في جميع نواحيها .


[1] - العمل في الإسلام ، عز الدين التميميى ، ص 59 –60 .
[2] -رواه أحمد ، والبزار ، وابن حبان في صحيحة ، والحاكم وقال : صحيح الإستاذ أنظر أخلاقنا ، محمد ربيع جوهري ، خ 4 ، دار الفجر الإسلامية ، المدينة المنورة ، 1420هـ ، 1990م ، ص 47 .
[3] -  اخلاقنا ، محمد ربيع جوهري ، ص 37 .
[4] - نفسه ، ص 50 . عن بصائر ذوى التميز ، 2/566 .
[5] - الموطأ، 1562 .
[6] - البخارى ، 702 ، مسلم ، 940 .
[7] - مكارم الأخلاق ، محمد  بن صالح العثيميين ، ترتيب : خالد بوصالح ، ط 1 ، 1417 هـ ، 1996م ص 51 .
[8] -أصول الدعوة ، عبدالكريم زيدان ، ص 239 .
[9] - الأخلاق الإسلامية ، نذير حمدان ، ط1 ، دار القبلة للثقافة الإسلامية ، جده 1410هـ /1990م ، ص 33 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق