الأحد، 6 نوفمبر 2016

دور الإسلام في الحضارة الإنسانيّة

                                 دور الإسلام في الحضارة الإنسانيّة
يرى أحمد امين أن العرب لم تكن لهم إنجازات في مجال العلوم والفلسفة والنّظم السياسيّة والإجتماعيّة ولكن كان لديهم " اللّغة والدّين " فقد تمكّنت اللّغة العربيّة أن تفرض نفسها على الشّعوب الّي انهزمت أمام المسلمين ، وأصبحت لغة السّياسة والعلم ، أمّا الدّين ، فقد اعتنقت هذه الشّعوب هذا الدّين الجديد وقلّ من بقي من سكّن هذه البلاد على دينه الأصلي ( 37 ) .
أقبل العرب على مجتمعات ذات تراث حضاري واسع مثل الفرس والرومان والهنود واليونان وعمدوا من خلال الترجمة والتحليل إلى تجديد الفكر العالمي بصياغة جديدة طبعوها بالطابع العربي الإسلامي ، وتشكّلت لديهم أسس معرفيّة قامت على معارف وعلوم شعوب أخرى سيكون لها دور كبير في نشأة العلوم العربيّة في مجالات الطب والرياضيّات والفلك والجغرافيا والفلسفة والعديد من العلوم الأخرى الّتي أصبحت علامة فارقة في تاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة والحضارة الإنسانيّة على وجه العموم .
أسهم المسلمون في بناء حضارة لأنفسهم ولكنّها لم تكن إبداعاً عربيّا خالصاً ، إذ لايمكن لشعب واحد أن يدّعي عبر تاريخ البشريّة بأنّه قد أنجز حضارة خاصّة به أو تسجّل باسمه ، فالحضارات هي نتيجة تاريخيّة لجهد الشّعوب عبر التاريخ الإنساني ولامجال لاحتكار حضارة ، ومجرّد الإطّلاع على أي مؤلّف في تاريخ الحضارات لايستطيع الكاتب أن يتجاهل دور الشّعوب مجتمعة في وضع أسس الفكر الإنساني . وحيث أن الحضارة السّائدة هذا الزّمان هي الحضارة الغربيّة ، وحاولنا العودة إلى الأسس التي قامت عليها هذه الحضارة لوجدنا أن للحضارة العربيّة الإسلاميّة دور لايمكن تجاهله في تأسيس هذه الحضارة . إن صعوبة تغطية هذا الموضوع تكمن في الكم الكبير من الكتب الغربيّة والعربيّة الّتي تحدّثت عن إسهامات العرب في الحضارة ، ومن الكتب العربيّة الّتي تحدّثت عن هذا الموضوع كتاب عبد الرحمن بدوي والّذي يتحدّث فيه عن دور العرب في تكوين الفكر الأوروبّي حيث يقول " قصدنا في هذه الدّراسة أن نرسم خطوطاً إجماليّة لدور الفكر العربي في تكوين الفكر الأوروبي ، لأن هذا الدّور واسع المدى عميق الأثر ، شمل الصّناعات ، ولم يقتصر على الفلسفة والعلوم الطبيعيّة والفيزيائيّة والرياضيّات ، بل امتدّ كذلك إلى الأدب : الشّعر منه والقصص ، وإلى الفن : المعمار والموسيقى منه بخاصّة ( 38 ) .
من الكتب الغربيّة الّتي تحدّثت عن دور العرب في بناء الحضار الغربيّة المستشرقة الألمانيّة زيجريد هونكه في كتابها " شمس اللّه على الغرب " والّذي كانت تهدف فيه  إعادة الإعتبار للعرب وللحضارة العربية ، وفيه رسالة لمن أنكر وينكر دور العرب في الحضارة الغربيّة وذلك بقولها " إن أوروبا تدين للعرب وللحضارة العربيّة ، وإنّ الدّين الّذي في عنق أوروبا وسائر القارات الأخرى للعرب كبير جدّاً ( 39 ) .
لم يعد التغيير قاصراً على بلاد العرب ، وماحدث في الجزيرة العربيّة سيحدث في البلاد الّتي فتحها العرب ، " وأصبح الإسلام عامل وحدة بين العرب في الجزيرة والأطراف ، وعامل وحدة روحيّة بين أتباعه على اختلاف ألوانهم ولغاتهم وتباعد ديارهم ، وعى الشّعوب وعامل وحدة قوميّة لجميع الّذين أصبحوا يتكلّمون العربيّة ، مسلمهم ومسيحيّهم " ( 40 ) . وكان سبب هذا التأثير المباشر من العرب على الشّعوب الأخرى هو بساطة الّدين الإسلامي وبساطة تعاليمه ممّا جعل هذه الشّعوب تقبل عليه ، وتقبله ديناً لها .
كان من أثر الإسلام على هذه الشّعوب الأخرى  مثل بلاد فارس هو حدوث عمليّة مزج بين العرب وغيرهم من الشّعوب وكان من أشكال هذا المزج : مزج في الدم ومزج في النّظم الإجتماعيّة ، ومزج في الآراء العقليّة ، ومزج في العقائد الدّينيّة ، ويقول احمد أمين أن ماعمل على هذا المزج جملة أمور وهي :
-         تعاليم الإسلام في الفتح ، ممّا جعل غير المسلمين يقبلون على اعتناق هذا الدّين الجديد ، فقد دعا الإسلام إلى العدل والمساواة بين النّاس وعدم التمييز القائم على الأصل أو العرق .
-         دخول كثير من أهل البلاد المفتوحة في الإسلام .
-         الإختلاط بين العرب وغيرهم في سكنى البلاد ( 41 ) ، حيث أدّت هذه الفتوحات إلى انتقال العرب من الجزيرة العربيّة للسّكن في البلاد المفتوحة ممّا أدّى إلى اختلاط الأعراق والأجناس ، والتبادل الحضاري والثقافي ، ونشوء حضارة جديدة عمادها الدّين الإسلامي وفكرها مزيج من ثقافات الشّعوب الأخرى الّتي اختلط بها العرب لتكوّن معاً حضارة اكتسبت صفة العالمية لكثرة الشّعوب الّتي أسهمت بها . وهذا مادفع ابن خلدون للقول " من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملّة الإسلاميّة أكثرهم العجم ولامن العلوم العقليّة إلاّ في القليل النادر ، وإن كان منهم العربيّ في نسبته فهو عجمي في لغته ومرباه ومشيخته " ( 42 ) .
كانت قوّة العرب في البلاد الّتي فتحوها تكمن في عاملين هما :
-         أنّهم كانوا يحملون ديناً جديداّ يحرصون عليه ، ومن أهداف الفتوحات نشر هذا الدّين الجّديد .
-         كان العرب يمثّلون القوّة المنتصرة في هذه البلاد ممّا جعل شعوب هذه البلدان تتودّد إليهم ، ومن أشكال هذا التودّد هو اعتناق هذا الدّين الجديد ، ولذلك لانستطيع القول أن كلّ من اعتنق هذا الدّين الجديد اعتنقه عن إيمان ، بل هناك مصلحة ذاتيّة لبعضهم مثل التخلص من دفع الجزية والّتي يدفعها غير المسلمين ، وسبب آخر هو رغبة هؤلاء النّاس للوصول إلى بعض الوظائف والمناصب في الدّولة الإسلاميّة والّتي كانت مقصورة على العرب والمسلمين . ومن أسباب اعتناقهم لهذا الدّين هو " أن المغلوب مولع أبداً بالإقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده " (43 ) . وسبب ذلك برأي ابن خلدون أن الشّعوب المهزومة تعتقد الكمال في من غلبها وأن لديه القدرات والإمكانيّات لتحقيق الإنتصار عليها ، ولذلك فهي تتّبعه وتقتدي به (44 ) . ويمكن القول أن هذه الشّعوب تسعى لمعرفة خفايا القوّة الّتي مكّنت الغالب من الإنتصار عليهم والتعلّم منهم بقصد العمل على الحصول على القوّة الّتي لديهم ومن ثمّ الإنقلاب عليهم .
-         هل كانت هذه الجماعات راغبة عن الإسلام ورفضت التغيير الّذي طرأ على حياتها ؟ يمكن القول أن هذه الشّعوب قد اعتنقت الدّين الإسلامي ، وتعلّمت اللّغة العربية ، وابتعدت عن ثقافتها القديمة ، ويمكن القول أنّه قد صلح اسلامهم ، ولكن الّذي حدث هو أن العرب كانوا يتصرّفون مع هذه الشّعوب نظرة دونيّة ، وهي النّظرة الّتي يمارسها عادة المنتصر على المهزوم ، وهذا ما ألّب غير العرب على العرب ، وتحوّل هذا الموقف إلى كراهيّةٍ لكلّ ماجاء به العرب من تغيير في حياتهم ، " فقد كان العرب – وخاصّةً في الدولة الأمويّة – ينظرون إليهم نظرة فيها شيء من الإزدراء ممّا أدّى إلى كراهيّة الموالي للأ مويين وتكوين عصبيّة لهم " ( 45 ) .
-         حاولت بعض هذه الشّعوب البحث عن هويّتها وثقافتها القديمة في ظلّ الإسلام ، فهم يدينون بالإسلام ، ويتحدّثون اللّغة العربيّة ، ولكن " منذ القرن التاسع الميلادي ظهرت محاولات تعبير بالفارسيّة المحدثة ( 46 ) ، الهدف منها هو الإبتعاد عن اللّغة العربيّة وتكريس أثر اللّغة القديمة التي عملت اللّغة العربيّة على طمسها ، ولكن هذا لم يمنع غير العرب وخاصّة الفرس من محاولة العودة إلى جذور لغتهم القديمة ، وعلى الرغم من محاولاتهم تلك فإن عظم التغيير الّذي حدث لهم لم يكن من السّهل تجاوزه ، وهم وإن نجحوا في مجال لغاتهم الّتي أعادوا إحياءها على حساب اللّغة العربيّة كما حصل في بلاد فارس والهند وغيرها ، إلاّ أنهم لم ينجحوا في العودة لأديانهم القديمة بسبب قوّة تأثير الدّين الإسلامي عليهم فقد " أراد القوميّون الأتراك والإيرانيّون مرّة تنقية لغتهم من الجذور العربية المدمجة ، ولايبدو أن مشروعهم قد أدرك نجاحاً على الأقلّ بالنسبة للمفردات الفلسفيّة والفقهيّة والشرعيّة "  (47 ) .
-         إن مانراه اليوم في عالم الإسلام باعتباره قوّة عظمى حيث يعتبر مسلمو العالم ثاني قوّة دينيّة في العالم بعد الديانة المسيحيّة ، ومازالت قوى الدّين الإسلامي ومؤثّراته تسود في أنحاء عديدة من أطراف هذا العالم وحتّى وسطه ، ومازال اسم اللّه ورسوله يذكران كلّ يوم في كل مكان على وجه الأرض ، ومازال الحديث عن الإسلام والمسلمين يشكّل محور الأبحاث والدّراسات والأفعال ، يمكننا القول أن الكثير من القضايا والمواضيع الإسلاميّة تدور بين المسلمين حسب لغاتهم الّتي يتحدّثون بها وليس بواسطة اللّغة العربيّة الّتي كانت في ما مضى اللّغة الوحيدة المتداولة بين العرب والمسلمين .
-         لم يؤدّ تراجع اللّغة العربيّة إلى تراجع الإسلام كدين وشريعة وفقه وقيم وأخلاق ، فكل المسلمين يردّدون الحديث عن الإسلام بلغاتهم ولكن هدفهم دائماً كان رفع شأن الإسلام ، ولكن عندما ينادون للصّلاة ويقرأون القرآن فإن اللغة العربيّة تثبت دائماً أنها موجودة ، فذكر اللّه لايتمّ إلاّ بالعربيّة مهما ابتعد هؤلاء الناس عن هذه اللّغة فهي حاضرة في دينهم وفي وجدانهم وفي عقولهم .
-         والسؤال الّذي يطرح نفسه أخيرأ هو : هل نجح العرب والمسلمون في المحافظة على أسس التغيير الّتي جاء بها الإسلام منذ بدء الدعوة الإسلامية وتأسيس أعظم دولة على وجه الأرض في التاريخ القديم ؟ الجواب هو : عندما حافظ العرب على مباديء الإسلام والقيم الّتي جاء بها وعملوا على نشر دين اللّه كانت لهم الغلبة ، ولكن عندما باعوا آخرتهم من أجل دنياهم " وتداعت القلوب إلى أهواء الباطل والميل إلى الدّنيا حصل التنافس وفشا الخلاف " (48 ) .
        لم يفقد الإسلام كدين بريقه عبر التاريخ على الرّغم من فقدان العرب من قوّتهم ، فالتأثير الرّوحي للدّين مازال قائماً ليس عند العرب فقط بل في جميع أنحاء العالم الإسلامي ، وإذا كان هناك تراجع في دور المجتمعات والكيانات الإسلاميّة على المستوى العلمي والسّياسي فإن مردّ ذلك إلى ابتعاد المسلمين عن دينهم ، فالدّين لايفشل لأنّه كان قد سبق له ونجح وذلك عندما كانت إرادة الإنتصار موجودة ، ولكن عندما تلاشت إرادة الإنتصار وحلّت مكانها تبعيّة العرب لغيرهم من مسلمين وغير مسلمين فقدوا مكوّنات الدولة القويّة والمؤثّرة والفاعلة على السّاحتين الدّينيّة والسياسيّة ، ويرى ابن خلدون أن المحافظة على هذه القوّة تتم لهذه الأمّة " إذا انصرفت إلى الحق ورفضت الدنيا وأقبلت على اللّه اتّحدت وجهتها فذهب التنافس وقلّ الخلاف وحسن التعاون والتعاضد واتّسع نطاق الكلمة لذلك ، فعظمت الدولة " ( 49 ) .
     تظهر الأوضاع الإسلاميّة اليوم أن المسلمين مازالوا يرتبطون بدينهم وثقافتهم وتاريخهم ، وأثبتوا أن هذا الدّين يصلح لكل زمان ومكان ،  مع ضرورة الإعتراف بالتغيّرات التي حصلت في المجتمعات العربيّة  ، وأن مايصلح اجتماعيّاً لزمان لايصلح لزمان آخر وهذا يتم من خلال القول أن باب التغيير يجب أن يبقى مفتوحاً ليتوائم مع التطورات من زمان لزمان ، ومن جيل لجيل ، وذلك من خلال النظر إلى المستقبل بفكر منفتح ، وعقل قادر على التكيّف مع متطلّبات الزّمان الّذي يعيش فيه .
    حول مستقبل الإسلام سنعرض رأيين أحدها لعربي مسلم والآخر لمستشرق غربي ، يرى سيد قطب أنّ " المجتمع الإسلامي هو طريق الخلاص الوحيد للبشريّة المهدّدة بالدمار والبوار ، إنّه الإستجابة الوحيدة لنداء الفطرة في ساعة العسرة ، والفطرة في ساعة الخطر تتنبّه وتعمل ، مهما تكن في خمار أو دوار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق