السبت، 19 نوفمبر 2016

علاقة القيادة الإدارية بأخلاقيات المهنة

علاقة القيادة الإدارية بأخلاقيات المهنة:
تعتبر القيادة فكرة جماعية موقفية ترتبط بالقائد والجماعة والموقف، ولا يتسع المجال للخوض في نظريات أو مداخل دراسة القيادة الإدارية، ولكن سيتم التركيز على العلاقة بين القائد الإداري وأخلاقيات القيادة الإدارية.
يزخر الأدب الإداري بالكثير من الكتابات عن القائد والقيادة. ويلاحظ الدارس أن أحد الاتجاهات الفكرية التي تبلورت مع بداية الأربعينات من القرن العشرين ركزت على دراسة ظاهرة القيادة. وقد ساهم علماء النفس وعلماء الاجتماع في دراسة ظاهرة القيادة في محاولات لتفسير أسباب نجاح القادة الذين خلدهم التاريخ.وكانت دراسات علم النفس تدور حول شخصية القائد ونمط السلوك المرغوب والمحقق للنجاح، وسمات الشخصية والقيم الأخلاقية والاتجاهات وغيرها مما ساعد كثيراً في إثراء المعرفة بفكرة القيادة.
وجاءت مساهمة علماء الاجتماع بحكم اهتمامهم في الجماعة البشرية واتصالاتها وطرق التأثير والاهتمام بمفاهيم القوة والمنافسة والصراع وغيرها ومن أهم المساهمات لعلماء الاجتماع الاهتمام بنمط التنظيم الاجتماعي والبيئة الاجتماعية والتغير الاجتماعي والمناخ الاجتماعي، وأساليب التعامل مع الصراع بداخل الجماعات والمجتمع بشكل عام.
وبشكل مبسط ظهر الاهتمام بدراسة  السمات الشخصية للقائد في مدخل مستقل هو مدخل السمات لدراسة القيادة. وكذلك تبلور الاهتمام بالموقف كعنصر أساسي من عناصر نجاح القيادة، وآخر ما توصل إليه الكتاب هو الاهتمام بدور المرؤوسين في نجاح القائد ضمن المدخل التفاعلي أو التعاملي.
ويصنف البعض القادة على اختلاف مستوياتهم إلى نوعين، هما : القادة التحويليين (     Transformational Leaders) ومثالهم الأنبياء والمصلحين الاجتماعين الذين يعملون على تغيير المفاهيم والمعتقدات والعادات والتقاليد والنوع الثاني من القادة هم القادة التعامليون (Transactional Leaders)  وهم القادة الذين يركزون على تنفيذ الأعمال والتعامل المستمر مع المرؤوسين لتحقيق الأهداف.
ويبدو أن النوع الأول من القادة التحويليين يكون أثرهم أدوم من القادة التعامليين، ويشترك جميع القادة في حاجتهم إلى التأثير على من هم دونهم لتحقيق الأهداف . وهذا التأثير يستمد مصادره من القوة التي يتمتع بها القائد ومصادر القوة تشمل السلطة القانونية والدين والأعراف والعادات والمعرفة المتخصصة للقائد والخبرة والشخصية التي يتمتع بها.
ومن الجدير بالذكر أن القائد قد يستخدم مصدرا أو أكثر للتأثير على من دونه لتنفيذ ما يريد القائد. فقد عرفت القيادة بأنها فن التأثير على الآخرين وأبلغ أنواع التأثير الذي يحول فيه القائد آراء ومعتقدات  أتباعه لتكون منسجمة مع ما ينادي به من فكر ومفاهيم ، وعندما يصبح الأفراد تحت تأثير قوى داخلية في أنفسهم تدفعهم للعمل دون تردد أو انتظار إلى توجيه ومراقبة من القائد.
يؤكد بعض الكتاب أن الإطار الأخلاقي للعمل يحدده القادة الإداريون في الإدارة العليا. وعليه فإن أخلاقيات القائد تؤثر في التابعين لأنه سيكون القدوة لمن دونه، فإذا استطاع القائد أن يتحلى بالقيم الأخلاقية بحيث تنعكس في سلوكه داخل المنظمة أو خارجها أثر ذلك على من دونه والعكس صحيح فالإخلاص والأمانة والعدل والمساواة بين التابعين والصدق والصبر وأداء الواجب وإتقان العمل والقدوة الحسنة والتسامح وتغليب المصلحة العامة على الخاصة كلها قيم يمكن للقائد أن يعطي المثل والقدوة  لتابعيه، وتأثيره يكون بالعمل وليس بالقول وحده. وتشكل هذه القيم الخلق الحسن الذي تصدر عنه الأفعال دون تكلف أو انتظار لمنفعة.
وفي تقديري المتواضع أن تفعيل هذه القيم يأتي من قمة الهرم الإداري وتطبيق قيمة العدالة في التعامل يخفف الكثير من المشاكل الإدارية في  العلاقات بين الرئيس والمرؤوسين كما أن القدوة الحسنة في الصدق  والأمانة والإخلاص والصبر على متاعب العمل وأداء الواجب يمكن أن تؤثر بالعاملين أكثر بكثير من التلويح باستخدام القوة واستخدام الصلاحيات بالعقاب والثواب.
ونشاط القائد في تحمله لمسؤولية القيادة مرتبط بأخلاقية العمل في إدارته. وإذا كانت القيم الوظيفية تركز على  الكفاية والفعالية لتحقيق أهداف المنظمة فإن التحدي الحقيقي للقائد يكمن بالتأثير على المرؤوسين لبلوغ أعلى درجة كفاية بإتقان أعمالهم وصولا لتحقيق أهداف المنظمة. وضرورة خلق المناخ التنظيمي المنتج الذي يسوده التعامل ضمن إطار أخلاقي تحدده طبيعة المهنة التي يؤديها المرؤوسون ويرتب على إتقان العمل والإخلاص فيه أن يحظى الفرد بحرية العمل واتخاذ القرارات المناسبة لإنجازه في مناخ يشجع على الإنتاجية، ويضمن حقوق المرؤوسين المشروعة.
والقائد الناجح يدرك توقعات المرؤوسين ويتعامل معها بوضوح ضمن ما تسمح به القوانين والأنظمة وأخلاقيات الوظيفة ، ويجعل مرؤوسيه يدركون توقعاته منهم بكل وضوح ودون مبالغة في تحديد معايير الأداء للوظيفة.
والقائد يتعامل مع حالات إدارية متنوعة كما سبق إيضاحه . وليست جميع الحالات المعروضة والتي تستدعي اتخاذ قرارا بصددها يمكن البت فيها استناداً إلى القوانين والأنظمة والتعليمات الوظيفية. وهناك حالات لابد للإداري أن يجتهد رأيه فيها ويتخذ  ما يراه مناسباً من قرارات بصددها. وهنا يأتي دور الأخلاق في تحديد عملية الاختيار بين البدائل المتاحة استناداً لما يعتقد القائد بأنه صحيح وليس بخافٍ على أحد أن قرارات القائد تتعرض للتحليل من المرؤوسين، بحيث يتم تحديد من يستفيد ومن يتضرر من القرار. فإذا كانت نتيجة التحليل مقنعة  وعادلة زادت درجة تأثير القائد وزادت فرص نجاحه والعكس صحيح.
والقائد الذي يتحلى بالفضائل يحقق السعادة لأن السعادة هي نتيجة الفضيلة كما أسلفنا ومن الفضائل الشجاعة والعفة والعدل والحكمة والحزم والاعتدال والاستقامة. فإذا تحلى القائد بالشجاعة والعدل والحكمة والحزم والاعتدال والاستقامة يكون قد تمكن من ضبط نفسه فلا تميل نفسه نحو سوء استعمال القوة لأنه لا يكون عندها عادلاً ولا حازماً . فالحزم يتطلب الحكمة والاعتدال من غير تطرف ولا مغالاة. والعدل يستوجب الاستقادمة والعفة والشجاعة مرتبطة بالحزم في قول الحق وفعله، والعفة مرتبطة بالإيثار واعتدال الميل إلى اللذة وخضوعها للعقل، وكذلك الحكمة التي تستند إلى العقل والمنطق، وضبط النفس ومجاهدتها من أعظم الأمور لأن النفس أمارة بالسوء ، ومجمل القيم والفضائل التي سبق ذكرها تحدد الإطار الأخلاقي لعمل القائد.
وأخيراً ، أرجو أن أكون قد قدمت للقارئ الكريم من خلال هذا الجهد المتواضع ما يلقي الضوء على الجانب الأخلاقي للقيادة الإدارية بعد أن مهدت لذلك باستعراض المفاهيم والنظريات الأخلاقية وعلاقة الأخلاق بالعلوم الأخرى ولا أدعي أن هذا الجهد قد أحاط بكل صغيرة وكل كبيرة في مجال الأخلاق والقيادة ، ولكنه مساهمة متواضعة في مجال خصب بالنظريات والمفاهيم والآراء قديمها وحديثها. ويخوض في تفسير الأخلاق ومدى أهميتها في العمل الإداري وفي الحياة بشكل عام، لأي مجتمع يصبو إلى الوصول إلى درجة مجتمع  العدل والكفاية ، أي المجتمع الذي يجد فيه الفرد ما يسد حاجته ويسوده العدل وعمل الخير بنية مسبقة على فعله دون انتظار لجزاء أو منفعة سوى رضا الله سبحانه وتعالى، وبلوغ السعادة  في الدنيا والآخرة.


أخلاقيات القرارات الإدارية:
الجانب الأخلاقي لللقرارات الإدارية، نظراً لأن الحالات الإدارية التي تستدعي اتخاذ قرارات بشأنها لا تكون محكومة بنصوص واضحة في الأنظمة والتعليمات، بحيث يسهل تطبيقها مما يستدعي لجوء الإداري إلى الاجتهاد لاتخاذ القرار المناسب. وعملية الاجتهاد ترتبط بما يعتقد الإداري بأنه صحيح أو بقيمة ومعتقداته،وهنا يأتي دور الأخلاق في توجيه متخذ القرار وتحديد اختياره لبديل من البدائل المتاحة.
ويعتقد هربرت سايمون (Herbert Simon) أن دراسة القرارات الإدارية تصلح لأن تكون " مدخلا لدراسة العملية الإدارية لكون هذه العملية الإدارية مظهراً من مظاهر السلوك الإنساني"([1])، ويناقش سايمون ترشيد القرارات ، من حيث الكلفة والنتائج المترتبة عليها وشرعية القرارات الإدارية([2]).
ومرحلة الاختيار للبديل المناسب تكون محكومة بالمفاهيم الأخلاقية للمقرر عند غياب النص القانوني أو تضارب الأنظمة والقوانين أو تقادم النصوص القانونية بحيث لم تعد صالحة للتطبيق على الحالات المعروضة ومن النتائج المترتبة على القرار الإداري في بعض الحالات نشوء صراعات وتوتر في العلاقات الداخلية في المنظمة. وكجانب من هذه الصراعات ما يحسه المقرر في حالة تعرضه لضغوط تجبره على التنازل عن بعض مبادئه أو قيمه أو قواعد السلوك الأخلاقي التي يلتزم بها([3]).
وتقترح بعض الدراسات أن تستند عملية ترشيد القرارات على الكلفة والنتائج المترتبة على القرار كما سبق الإشارة إليه وضرورة اعتماد أخلاقية القرار وانسجامه مع القواعد الأخلاقية كمعيار إضافي لترشيد القرارات الإدارية ، وضمان درجة معقولة من قبول القرارات التي يراعي في اتخاذها البعد الأخلاقي([4]).


(1)Simon, Herbert, Administrative Behavior: A Study of Decision Making Processes in Administrative Organization. New York: The MacMillan Company, 1991, PP. 63.
(2) نفس المرجع ، ص: 178- 179 .
(3)              Kast Fermont E., & James E. Rosenzwieg, Organization and Management,
   3rd Edition, New York: McGraw- Hill Co., 1979, P. 144. Simon, Herbert, Administrative Behavior: A Study of Decision Making Processes in Administrative Organization. New Youk: the MacMillan Company, 1991 , PP. 63.
(4) تحسين أحمد الطراونة، " أخلاقيات القرارات الإدارية" ، مؤتة للبحوث والدراست، المجلد الخامس ، العدد الثاني ، 1990، ص: 141.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق