السبت، 19 نوفمبر، 2016

علاقة الأخلاق بالقرارات الإدارية

علاقة الأخلاق بالقرارات الإدارية:
لقد سبق توضيح مفهوم الأخلاق في الباب الأول، وعلاقتها بمختلف العلوم. والمقصود بالأخلاق هو علم الخطأ والصواب كما تشير جهود الفلاسفة الذين استعرضنا بعض أعمالهم ومنهم من اعتبر مفهوم الخير والشر كمقياس للأخلاق أو اللذة أو المنفعة الفردية أو المنفعة العامة أو الواجب أو الضمير . وتمت الإشارة إلى العديد من الفضائل والقيم الأخلاقية. ويرى رو وبايرز (Rue & Byars) أن الأخلاق عبارة عن " المعايير التي تحكم سلوك الفرد أو الجماعة والواجبات الأخلاقية للفرد"([1]).
وارتباط الأخلاق بالقرارات الإدارية ارتباطاً وثيق الصلة في جميع الحالات التي يضطر الإداري فيها للرجوع لمبادئ الأخلاق والى تحكيم ضميره في ما يعرض عليه من حالات إدارية. ومن الأمثلة على هذه الحالات تقادم القوانين والأنظمة والتعليمات بحيث لم تعد صالحة ومناسبة للتطبيق أو تضارب الأنظمة أو التعليمات أو غياب النص القانوني الذي يمكن أن يطبقه الإداري على الحالة المعروضة عليه. وأخلاقية القرارات مستمدة من الجانب القانوني الذي تستند إليه هذه القرارات. وعند غياب القانون للأسباب التي ذكرت سابقاً يعتمد الإداري على اجتهاده، والاجتهاد محكوم بما يعتقد المقرر بأنه صحيح وبقيم المقرر ودرجة التزامه بالمعايير الأخلاقية . وتختلف درجة الالتزام بالمعايير الأخلاقية العامة بداخل المنظمات الإدارية وخارجها. ومن المتوقع أن أجهزة الإدارة العامة التي تتعرض لاهتمام الرأي العام بما يجري بها تراعي المعايير الأخلاقية العامة أكثر من الإدارات في القطاع الخاص.
وعند استعراض مظاهر السلوك التنظيمي التي يمكن إدراكها من طبيعة القرارات الإدارية يمكن التمييز بين نوعين من القرارات. النوع الأول هو القرارات التي تستهدف تحقيق أهداف التنظيم وتقديم المصلحة العامة أو القرارات التي تكون محكومة بالنزعة الميكافيلية التي ترى المراوغة والخداع والكذب وإقامة العلاقات على أساس الخوف وليس التواد والتراحم بين الرئيس والمرؤوس فهي بالتأكيد قرارات تفتقر إلى الجانب الأخلاقي([2]).
وكثيرة هي المناورات السياسية بداخل المنظمات الإدارية التي يترتب عليها قرارات تهدف إلى تصفية المعارضة أو العمل وفق قاعدة " فرق تسد" أو قاعدة " الغاية تبرر الوسيلة " أو قاعدة " استثناء المعارضة واستبعادها" أو قاعدة " احتضن أو دمر" ، أي احتضن بعض مراكز القوة التي يمكن الاستفادة منها واقض على المقاومة دون رحمة في عمليات استيلاء الشركات أو البنوك على بعضها البعض .
ومن المعروف أن مخالفة الأنظمة والتعليمات أو مخالفة القوانين تستوجب إيقاع العقوبة على المخالف ولكن مخالفة القواعد الأخلاقية لا يستوجب العقوبة، إذا كانت المخالفة لا تلفت انتباه الرأي العام، ولم يترتب على المخالفة ظهور الفساد الإداري الذي يستوجب العقوبة.
وتبدو علاقة الأخلاق بالقرارات الإدارية من خلال الضغوط التي تمارس على صاحب القرار من بيئة التنظيم الداخلية أو الخارجية. وقد يضطر الإداري لمواجهة هذه الضغوط حتى ولو صدرت عن رؤسائه بقصد القيام بتنفيذ ما يطلب منه رغم تعارضه مع مبادئه الأخلاقية، والإداري في مواجهة ضغوط رؤسائه أمام خيارين : إما أن يستجيب لهذه الضغوط ويعيش على صراع في داخله. وإما أن يرفض الاستجابة وعليه في هذه الحالة تحمل النتائج المترتبة على ذلك.
وتتسم بعض الحالات الإدارية بغموض بعض جوانبها بحكم تأثيرها بالمناخ السياسي والبيئة السياسية التي تحيط بالمنظمة الإدارية. وتختلف أنماط السلوك السياسي التنظيمي بحيث تعتبر السلوكيات التي تهدف لتحقيق أهداف المنظمة سلوكيات أخلاقية، وأما الممارسات السياسية والتي يشار لها في أدبيات السلوك التنظيمي بالسلوك السياسي المخادع (Devious Political Behavior) وتعتبر النزعة الميكافللية جانباً من هذه الممارسات غير الأخلاقية في المنظمات الإدارية.
وإذا كان الإداريون يطبقون أساسيات الإدارة من خلال الإطار الفكري لمعتقداتهم وقيمهم الأخلاقية كما يعتقد (دزلر) (Dessler) ، أو أن الإدارة العليا تحدد المعايير الأخلاقية للعمل الإداري في المستويات الإدارية الأدنى فإن تحسين نوعية القرارات باعتماد البعد الأخلاقي يجب أن يتم بمبادرة من الإدارة العليا من خلال القدوة الحسنة بالعمل وليس بالقول وحده لأن "صوت الفعل أقوى من صوت الكلمة".
ويلاحظ أن علاقة الأخلاق بالقرارات الإدارية تبدأ مع الخطوات الأولى لإصدار القرار وتشكل أساساً للقرارات المقبولة اجتماعياً وأخلاقياً. وتعتبر الأخلاق محدداً لعملية الاختيار بين البدائل المتاحة أمام المقرر وسنداً شرعياً عند عدم توفر السند القانوني. وإذا لاحظنا أن القانون يكون وليد حاجة موجودة في المجتمع وسابقه على وجوده فإن القواعد الأخلاقية تنظم الحاجات المستجدة ريثما يتم إصدار التشريع المناسب والذي يحدد من يستفيد ومن لا يستفيد وكيفية إشباع الحاجة. وأخلاقية القرارات الإدارية الفردية والقيم التنظيمية والقيم الاجتماعية السائدة في بيئة التنظيمات الخارجية.
وليس بالضرورة أن تتوافق قيم الفرد مع القيم التنظيمية أو القيم الاجتماعية السائدة وإنما قد تتعارض أحياناً بعض هذه القيم. ونظراً لأن القرارات الإدارية تعتمد على الحقائق والقيم في كثير من الحالات الإدارية فإن تعارض القيم على المستويات المذكورة أعلاه ( الفرد والتنظيم والبيئة) ، قد يترتب عليها أحياناً تغليب قيم الفرد على القيم التنظيمية والاجتماعية وبالتالي تتأثر القرارات الصادرة بقيم المقرر.
والخطورة المحتملة من القرارات المحكومة بقيم المقرر تكمن في عملية الاجتهاد والاختيار بين البدائل وعدم التوافق مع قواعد الأخلاق العامة، وذلك لأن تكرارها قد يخلق عادة أو عرفاً مخالفاً لقواعد الشرعية الأخلاقية وليس المقصود بالتقيد بالعرف عدم التغيير وإيقاف عجلة التطور في المنظمات وإنما المقصود هو مراعاة القواعد الأخلاقية العامة إلا إذا اقتضت الضرورة المخاطرة بطريقة محسوبة لإحداث تغيير إيجابي رغم تعارضه مع التقاليد والأعراف المرعية .
والمخاطرة المحسوبة رغم كونها أحياناً تتعارض مع المفاهيم الأخلاقية السائدة قد تقود إلى فتح آفاق جديدة، مثل: بناء المدارس المختلطة في الأرياف الأردنية في الخمسينات من القرن الماضي، أو دخول المرأة مجال الخدمات الطبية رغم مقاومة ومعارضة البعض. وكذلك بناء الجامعات وإقرار التعليم المختلط فتح آفاقاً واسعة أمام المرأة الأردنية في مجال التعليم والعمل وخدمة الوطن. ولا يخفى أن معظم الإنجازات أعلاه قد استندت إلى قرارات جرئية استهدفت إحداث تغيير إيجابي ولم تكن مؤيدة بالمفاهيم الاجتماعية السائدة.

ونخلص إلى ضرورة وجود ميثاق أخلاقي ملزم للإداريين يستند إلى العدالة والحق والعقل والمنطق ويحكم القرارات الإدارية على جميع المستويات والالتزام بهذا الميثاق يمكن أن يساعد في تخفيف الصراعات والتوتر بداخل المنظمات الإدارية ومن المحتمل أن يتحول المناخ التنظيمي في المنظمات الإدارية إلى مناخ متعاون ومنتج. ولضمان الالتزام بالميثاق الأخلاقي المقترح لابد من تضمين التشريعات التي تحكم العمل الإداري روح الميثاق وتدريب الإدارات العليا لترسيخ مبادئ الميثاق وتنمية الاتجاهات الأخلاقية الإيجابية لديهم.


(5)                         Rue Leslie W., & Lioyd L. Byars, Management Theory Application, Home Wood,. Richard D. Irwin, Inc., 1977, P. 471.                                     
(6) نعيم نصير، "الإدارة بالاستقلال: دراسة لاتجاهات موظفي الإدارة العليا للسلوك الميكافللي في القطاع العام في محافظة إربد" ، مجلة أبحاث اليرموك، سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد 12 ، العدد 4 ، 1996 ، ص: 9-43 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق