السبت، 19 نوفمبر، 2016

نظرية اللذة

نظرية اللذة
يتلخص موقف هذه النظرية بأن جميع الكائنات الحية تميل إلى اللذة، وتتجنب وتعارض الألم بشكل طبيعي. وقد أخذ بهذا الموقف السوفسطائيون وعلى رأسهم كاليكليس (400 ق.م) والذي يقول بأن الخير في اللذة والشر في الألم. وهم يرون أن الطبيعة الإنسانية مكونة من شهوة وهوى، وأن غاية الإنسان في بلوغ اللذة، وكما سبق إيضاحه.
وأما ارستيب (435 ق. م) مؤسس المدرسة القورينائية نسبة إلى مدينة قورينا من أعمال برقة بطرابلس الغرب، فيرى أن الإنسان يجب أن يختار اللذة ويسعى لها، وأن يتجنب الألم والعناء لأن اللذة تمثل صوت الطبيعة، وليس هناك ما يوجب الخجل والحياء ما دامت القيود المفروضة على اللذة هي من وضع العرف.
ويركز ارستيب على اللذات الحسية دون تعلق بها لأنه يرى أن التعلق باللذات يورث القلق والألم. وارستيب محق في النهي عن الإفراط في اللذة لأنه يورث الألم ومثاله من يعاني من مرض (الجرب) الذي يصيب الجسم يشعر بلذه في حك جسمه، ولكنه كلما زاد في حك الجسم كلما زاد الألم المصاحب للذة الحك . وكأن الإفراط في اللذة يولد الألم الذي لا يطاق.
وترى هذه النظرية أن السعادة في التخلص من الشهوة باللذة التي ترضيها وقياساً على هذا فإن التخلص من الألم والمعاناة بألم أقل مباح. وترتب على القبول بهذه النظرية في الواقع العملي في المجتمع قبول الإباحية التي نادى بها (ثيودورس اثيوس) (400 ق.م) الذي يقيس الأعمال بنتائجها. فإذا كانت السرقة أو التزوير تعطي لذة مرغوبة من السارق أو المزور فهي مباحة. وذهب بعض دعاة اللذة إلى قبول الألم الأخف إذا واجه الفرد حياة مؤلمة وقاسية، كما يقول ( هيجياس) الذي سمي (بالناصح بالموت) أو الداعية للموت، لأنه يرى أن اللذة لا تدوم وأن الألم دائم، ولا بد من ذكر أن (هيجياس) قد انتحر وانتحر كذلك معظم أتباعه. ولازال أتباع هذا الاتجاه في الغرب حتى عصرنا هذا.
وأما (ابيقور) مؤسس المدرسة الابيقورية، فقد وافق ارستيب على أهمية اللذة، ولكنه أكد على أن اللذة قد تجلب الألم، وحدد أربع قواعد لمشروعية اللذة ، هي:
1.   خذ اللذة التي لا يعقبها ألم.
2.   اجتنب الألم الذي لا يتبعه لذة.
3.   اجتنب اللذة التي تحرم من لذة أعظم أو تسبب ألماً أكثر من اللذة.
4.   تقبل الألم الذي يخلصك من ألم أعظم أو يجلب لذة أكثر من ذلك الألم.
ومن أقواله لا تسرف في الأكل أو الشرب واحتقر المرأة و السياسة وسائر الأعمال الشهوانية. ويبدو أن مذهب ابيقور قد مهد لمذهب المنفعة وركز على اللذات الروحية واعتبر الفضيلة في القناعة لأنها تحفظ الصحة وتطيل الحياة. واستمرت نظرية اللذة في الظهور والاختفاء بين الحين والآخر عبر التاريخ، كما يظهر من فلسفة جاسندي، ولامرية، وبارون فون هولباخ، وبنثام... وغيرهم.

نقد نظرية اللذة([1]):
تعرضت نظرية اللذة إلى العديد من النقد من المذاهب الأخلاقية المختلفة ويمكن تلخيص هذا النقد فيما يل :
1.   اللذة لا تصلح أن تكون غاية السلوك الأخلاقي للإنسان ولا يمكن أن تكون أساساً لعلاقات الأفراد في المجتمع.
2.   اللذة لا تؤدي إلى التوازن النفسي للإنسان.
3.   لا تنسجم اللذة مع الضمير.
4.   اللذة تستند إلى الأثرة أو الأنانية التي لا يستقيم معها عمل الجماعة والمجتمع.
5.   علاقة اللذة بالسعادة تختلف من شخص لاخر.
6.   اللذة ليست خيراً دائماً ، والألم ليس شراً دائماً وكيف يمكن تفسير الألم الذي سبق الشفاء .
7.   اعتماد اللذة كفلسفة أخلاقية لا يترك  مجالاً للقيم الأخلاقية العليا بسبب تفضيل اللذات الدنيا على المثل العليا.
وأخيراً إن القبول باللذة كفلسفة لحياة الفرد تجعل الجانب الحسي للجسد، يسود على الجانب الروحي للنفس ، والجانب العقلي للفرد. ويعني هذا سيادة الجانب الحيواني في الجسد البشري، واستبعاد الجانب العقلي والروحي الذي يعمل على صلاح النفس والجسد والمجتمع بأسره.
ثانياً: نظرية السعادة:
جاءت هذه النظرية في الفلسفة الغربية رداً على نظرية اللذة وتعتبر السعادة هي الخير الأعظم على عكس اللذة الجزئية المتغيرة باستمرار والناتجة عن التجربة. والسعادة كلية وعقلية ومنزهة عن التجربة وثابتة ومستقرة.  فيرى سقراط أن غاية الأخلاق هي السعادة، وقد خالف السوفسطائيين في مقولتهم أن الإنسان الفرد مقياس الخير والشر وأكد أن الإنسان يسيطر على الحس والشهوة بعقله، وأن غايته عقلية وروحية وتتمثل بالسعادة . ويرى أن الخير في الفضيلة، والفضيلة هي المعرفة والعلم فضيلة ، بينما الجهل رذيلة والحكمة هي رأس الفضيلة.
وأما أفلاطون فيرى أن السعادة مقترنة بالعدالة التي تتحقق في اعتدال قوى النفس الثلاث الشهوية والغضبية والعقلية. بينما يرى أرسطو أن اللذة ظاهرة مصاحبة للفعل وأن الحكمة فيها السعادة، وهي مميزة للإنسان عن بقية الكائنات الحية، ومثال الحكمة التأمل العقلي والتعقل في الأمور المعروضة.
وتأثر الفلاسفة المسلمون بآراء الفلاسفة اليونان، وبخاصة أفلاطون وأرسطو، ولكنهم ، وكما سبق شرحه يضيفون البعد الديني من حيث أن السعادة هي غاية الإنسان، ولكن مفهوم السعادة لديهم مرتبطة بالعقيدة الإسلامية، ونعني بالسعادة لديهم طاعة الله وعدم مخالفته إلى شيء من الشهوات من ترجيح أهمية العلم والعمل كضرورة لصلاح النفس والمجتمع الإسلامي.
ويؤكد الإمام الغزالي (505هـ) أن السعادة هي الخير الأعلى ذاكراً أنواع الخيرات التي تشمل : خيرات النفس والبدن،والخيرات الخارجية، والخيرات التوفيقية([2]).  وتأكيده على أهمية مجاهدة النفس وردها إلى التوسط والاعتدال واشتراطه العمل الصالح كوسيلة للسعادة واشتراط العلم لأنه يحقق كمال النفس بمعرفة الحقائق الإلهية. والسعادة في الفكر الإسلامي هي غاية المسلم في الدنيا والحياة الآخرة . بينما السعادة في الفلسفة الغربية القديمة مرتبطة بالحياة الدنيا.






(1) محمود حمدي رقزون، مرجع سابق، ص: 82-84 .
(2) المرجع السابق، ص: 100- 103 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق