السبت، 19 نوفمبر، 2016

مدخل السمات أو المدخل الفردي

مدخل السمات
لقد ساد هذا المدخل الفكر الإداري حتى القرن التاسع عشر ومدخل السمات أو المدخل الفردي كما يحلو للبعض أن يسميه يؤكد أن هناك مجموعة من السمات إذا توفرت في فردما كان ناجحا في جميع الظروف والمواقف القيادية ومن ابرز النظريات في هذا المدخل نظرية الرجل العظيم .
        4/1/1. نظرية الرجل العظيم
يعتقد أنصار هذه النظرية أن القيادة سمة مميزة للفرد وان هناك عددا قليلا من الأفراد تتوفر بهم صفات القيادة ويميل البعض إلى الاعتقاد بان هذه السمات موروثة أي أن القائد يولد قائد . وترتبط هذه النظرية بالكثير من الأساطير القديمة التي تعتقد بوجود القائد البطل الأسطورة الذي يكون نجاحه بسبب قوى غير طبيعية يهبها الله للقائد. وتمثل هذه النظرية التفكير القديم في القيادة وقد أسهم أنصار هذه النظرية بتحديد العديد من السمات التي سنشير إلى جانبا منها وذلك باستقراء وملاحظة سلوك القادة الناجحين.
ويذكر اردواي تيد أهم سمات القيادة ومنها الطاقة البدنية وحب العمل والحماسة والصداقة والمودة والتكامل والأمانة والحكمة والمهارة الفنية والحزم في الأمور والذكاء والتعليم والإيمان بالهدف وحفظ الاتجاه نحو الأهداف.[1] ويؤكد اردواي تيد أن القيادة هي العمل للتأثير في الناس وجعلهم يتعاونون لتحقيق هدف يرغبون كلهم في تحقيقه ويجدونه صالحا لهم جميعا وهم يرتبطون معا في مجموعة واحدة.[2]
ويعتقد تاننباوم وسكلر ومازاريك كما سبق ذكره أن القيادة تتكون من التأثير بين الأفراد الذي يمارس في موقف ما ويوجه بواسطة عمليات الاتصال بقصد تحقيق الأهداف.[3] وذلك يعكس الاعتقاد الذي ساد لقرون بان القيادة تمارس من قبل الرجال العظام وأنهم يولدون ولا يصنعون (من خلال التدريب والتعليم والإعداد). وأن التقدم الحقيقي ينتظر قدوم من يولدون قادة. واستمر هذا الاعتقاد حتى بداية القرن العشرين ولكن قيمة هذه النظرية تضاءلت على ضوء نتائج الأبحاث والدراسات العلمية التي ركزت على ملاحظة سلوك القادة في المواقف الجماعية وتحليل السير الذاتية والاختبارات النفسية لمن يشغل المناصب القيادية.وقدمت الأبحاث مساهمات في تحديد السمات التي لا زمت القادة الناجحين مثل القامة الطويلة والصوت الجهوري والصحة العامة ولكن هذه السمات تتوفر لدى غير القادة مما جعل النتائج مربكة ومشوشة.[4]
        واستنتج استوجدل أن السمات تختلف من موقف غالى آخر وانه لا توجد سمات محددة للشخصية تعتمد عليها القيادة. وقد لاحظ أن القيادة عبارة عن علاقة موجودة بين الناس في المواقف الاجتماعية وأن من يكون قائدا في موقف ما قد يكون تابعا في موقف آخر وشخص عوامل ترتبط في أي موقف اجتماعي هي: أولا القائد وثانيا الموقف وثالثا شخصيات واتجاهات التابعين . وأوضح أن السمات الضرورية للقائد تشمل الذكاء والنضوج العقلي والعاطفي وتوفر الدافعية للعمل وتوفر المهارات المختلفة والحاجة إلى الانجاز والنشاط والمشاركة وتحمل المسؤولية والثقة بالنفس والمثابرة وغيرها. [5]
        وخلاصة القول أن السمات ونظرية الرجل العظيم تؤكد أن القادة العظام يمتلكون سمات ثابتة عبر الزمن وعبر الجماعات التي يتولون قيادتها. ولكن النتائج العلمية تشير إلى أن القادة لا يختلفون عن الأفراد العاديين بطرق واضحة وملحوظة ولكنهم يملكون دوافع مختلفة تجعلهم ينجحون في قياداتهم. وكذلك القادة السياسيين الذين يتميزون بالثقة بالنفس والرغبة في الانجاز والسيطرة ويتمتعون بالجاذبية العالية فإنهم لا يشتركون بنفس السمات التي تلازم القادة الناجحين وليس بالضرورة أن تكون السمات مشتركة بين القادة الناجحين.[6]
        ويذكر كامل المغربي خصائص القائد الناجح بأنها الذكاء الذي يفوق ذكاء أفراد الجماعة وسعة الأفق وسداد الرأي وبعد النظر وطلاقة اللسان والنضج العقلي والتحليل المنطقي والرغبة في قيادة الآخرين. ويؤكد أن نظرية الرجل العظيم ومدخل السمات فشلت في التمييز بين السمات القيادية والسمات الخاصة والمشتركة وفشلت في تحديد صفات القائد الناجح في جميع المواقف وفشلت في تحليل السلوك الإنساني.[7]
وحظيت المهارات القيادية اللازمة لنجاح القائد باهتمام كبير من الباحثين في جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية بحيث تم إعداد( 41) رسالة وأطروحة في مجال المهارات القيادية ما بين عامي   (1420-1431هـ). ويذكر كيث ونيوستروم أهمية المهارات الفنية في مختلف العمليات والمهارات الإنسانية في التعامل مع الرؤساء والمرؤوسين والمهارات الفكرية المتعلقة بالتخطيط وتطوير النماذج والعلاقات الفعالة [8] وتلاحظ المهارات في سلوك القائد وليست كسمة من سماته.

ويورد نواف كنعان قائمة غنية بالسمات التي حددها كل من تايجي مثل السمات الشخصية والسمات السياسية والسمات النظامية والسمات التي حددها ارنست ديل مثل الدقة في العمل والقدرة عل التفويض وقبول التابعين والقدرة على التنسيق وبعد النظر والصحة والذكاء والأخلاق الحميدة والمظهر الحسن وحسن التصرف .ويورد كذلك تحليلا لهذا المدخل ويخلص غالى أن مدخل السمات ودراسات تحديد السمات لم تتوصل إلى أيجاد علاقة ايجابية بين السمات الشخصية والسمات القيادية بسبب اختلاف المنهجية واختلاف الجماعات وإهمال دور التابعين وعدم الاتفاق على عدد السمات . وسجل مآخذ على نظرية السمات بأنها أهملت الطبيعة الموقفية للقيادة وأنها نظرية غير واقعية بسبب التركيز على ضرورة توافر جميع السمات في القائد.[9] والدارس لهذه السمات سيجد أن قائمة السمات أصبحت بالمئات  ومن المستحيل توفرها في شخص واحد وهذا دفع بعض الكتاب المسلمين إلى طرح مفهوم القيادة الجماعية عند تعذر توفر السمات في شخص واحد.
ويذكر نعيم نصير مساهمات بعض الكتاب المسلمين بالتفصيل حول سمات القيادة  [10]بينما يؤكد بشير الخضراء أهمية الرجل العظيم في الفكر العربي وارتباطها بالأزمات والصعوبات التي مر فيها العرب والمسلمين لدرجة جعلتهم يتقبلون مفهوم المنقذ المرتقب أو القائد الذي سيأتي ليخلص الأمة مما لحق فيها من ويلات وهزائم وتفتت ومعاناة. القائد الذي سيقود الأمة إلى النصر والاستقرار ويخلصها من الفرقة والضياع. ويذكر شهاب الدين احمد ابن أبي  ربيع أن سمات القائد تشمل القدوة الحسنة وانفراده بالقيادة والحكمة والحدس والتخمين وضبط الشهوة والمعرفة بالفروسية وقوة الجسد وحسن الصورة واستمالة الأتباع ومعرفة أخلاق الرعية. وحدد سمات العسكريين التي تشمل معرفة أحوال العدو بالجواسيس في كل ساعة وإخفاء أخباره عن العدو ومواجهة العدو بعد إعداد العدة واستخدام أساليب التضليل واختيار القادة الأشداء واستخدام الحيلة  والتسامح عندما يستسلم الأعداء ومقاومة الإشاعات وغيرها.
ويذكر أبو نصر الفارابي أن القائد هو الشخص الأفضل والقيادة تكون بالفطرة والطبع أولاً مما يؤكد انه يؤمن بان القيادة تشمل سمات موروثة وان القيادة بالملكة والإرادة من السمات المكتسبة ثانياً.وتشمل السمات المكتسبة الحكمة وسعة الاطلاع وجودة الاستنباط وجميعها سمات مركزة على سلوك القائد . وأما السمات الموروثة فتشمل اكتمال الأعضاء والقدرة على الفهم والذكاء والبلاغة والصدق والعدل وحب التعليم وقوة العزيمة وحب الكرامة وعدم الشره والفطنة. وأدرك الفارابي أن هذه السمات لا يمكن أن تجتمع لإنسان منفردا  ومن هنا أجاز القيادة الجماعية حتى تكتمل السمات المطلوبة في أعضاء الجماعة التي تتولى القيادة بدلا من القائد الفرد.
وابرز أبو الحسن الماوردي في الأحكام السلطانية أن للقادة سبع سمات هي: [11]
·        العدالة.
·        العلم المؤدي إلى الاجتهاد.
·        سلامة الحواس.
·        سلامة الأعضاء من نقص يمنع الحركة.
·        الرأي السديد في تدبير الرعية والمصالح.
·        الشجاعة وحماية الدين والشعب ومجاهدة الأعداء.
·        النسب من قريش لورود النص والإجماع عليه.
ومن المؤكد أن علماء المسلمين اعتبروا القيادة ملازمة للسمات الشخصية وميزوا بين السمات الموروثة والسمات المكتسبة وأدركوا أنه لا يمكن أن تجتمع السمات لشخص واحد ومن هنا أجاز بعضهم القيادة الجماعية أو قيادة مجلس الشورى. وبذلك يكون معظم العلماء المسلمين الذين تم استعراض مساهماتهم من أنصار مدخل السمات رغم المآخذ على هذا المدخل.
        وأخيرا هل تصلح نظرية السمات أو مدخل السمات للبيئة العربية؟ من المؤكد أن اختيار القادة الصغار يرتكز أساساًُ على تحري ومعرفة السمات الموروثة مثل الذكاء والمظهر العام والفطنة ولكن السمات المكتسبة يمكن إكسابها للقادة الصغار وهذه النظرية يمكن أن تسهم مثلا في ترشيد قرارات اختيار التلاميذ العسكريين تمهيدا لإعدادهم لمهامهم المستقبلية في الوحدات العسكرية في البيئة العربية.


[1] اردواي تيد , فن القيادة والتوجيه في إدارة الأعمال, ترجمة وتقديم محمد عبد الفتاح إبراهيم , تصدير حسن جلال ألعروسي, القاهرة: دار النهضة العربية, 1965,ص 74.
[2] المرجع السابق, ص 16.
[3] Beach, Dale S., The Management of People At Work, 5th, Edition ,New York: Macmillan Publishing Company, 1985, PP.332-333.

[4] المرجع السابق, ص 334.
[5] المرجع السابق, 336.
[6] Baron , Robert A., and Greenberg, Jerald, Behavior in Organization : Understanding and Managing The Human Side of Work, Third Edition, Boston: Allen and Bacon, 1990, PP.376-397.
[7] المغربي, كامل محمد , السلوك التنظيمي, عمان: دار الفكر للنشر والتوزيع, 1993, ص141.
[8] Keith, Davis , and New storm, John W. , Human Behavior At Work: Organizational Behavior, 8th Edition, New York : Mc Grew-Hill Book Company , 1989, pp. 206-207. See also ,7th edition P.159.
[9] كنعان,  نواف, القيادة الإدارية, الطبعة الرابعة ,عمان : مكتبة دار الثقافة, 1992, ص 312-348.
[10]  نعيم نصير , القيادة في الإدارة العربية, المنظمة العربية للعلوم الإدارية,عمان.1987
[11] العلامة الشيخ عبد الحي الكتاني ,(بلا تاريخ) نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية, الجزء الأول, بيروت: دار الكتاب العربي ,ص202.أنظر ما كتب عن الخلافة والوزارة, وانظر كذلك فاضل عباس  الحسب, الماوردي في نظرية الإدارة الإسلامية العامة, عمان: المنظمة العربية للعلوم الإدارية,1984, ص 19-20. وانظر كذلك أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي (450هـ), الأحكام السلطانية والولايات الدينية, بغداد , 1989,ص 16-17.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق