السبت، 19 نوفمبر 2016

أهلية الأداء

أهلية الأداء:
الفرع الأول: حقيقة أهلية الأداء:
عرف الأصوليون أهلية الأداء بتعريفات عدة، كلها متقاربة من بعضها البعض، و تدور حول صلاحية الإنسان لصدور الأفعال والأقوال منه على وجه يعتد به شرعاً: ويترتب عليه آثاره الشرعية.
وعلى هذا فإن أهلية الأداء، هي أهلية المعاملة، بحيث يكون الإنسان صالحاً لاكتساب حقوق فيما يقوم به من تصرفات، وصالحاً لأن ينشئ حقوقاً لغيره بتلك التصرفات، وهو ما يسمى بالواجبات.
وهي من خلال التعريفات السابقة تعم العبادات والمعاملات ([1]).
الفرع الثاني: أساس أهلية الأداء:
إذا كان أساس أهلية الوجوب هو الحياة، فقد اتفق الفقهاء على أن أساس أهلية الأداء، هو التمييز والعقل.
 ( فأهلية الأداء لا تثبت إلا بالعقل وقدرة العمل به)([2]).
إذاً فأساس أهلية الأداء الذي تقوم عليه، هو العقل وبدونه لا توجد أهلية أداء.
وفي ذلك يقول الشوكاني: (اعلم أنه يشترط في صحة التكليف بالشرعيات، فهم المكلف لما كلف به، بمعنى تصوره بأن يفهم من الخطاب القدر الذي يتوقف عليه الامتثال، لا بمعنى التصديق به)([3]).
إذاً فالاتفاق واقع على أن الأداء متعلق بالقدرتين معاً، قدرة فهم الخطاب، وقدرة العمل بالخطاب، والقدرة الأولى إنما تتحقق بالعقل والثانية بكمال البدن([4]).
وعليه فعند فقدان هذا الأساس ـ العقل وكمال البدن ـ تنعدم الأهلية، وإن كان في الإنسان استعداد لوجودها، وهي توجد لدى الإنسان متدرجة، فإذا كمل عقله تثبت له أهلية كاملة، وإذ نقص كانت أهليته ناقصة، ولذا كانت أحوال الأهلية ثلاثاً:
‌أ.        حالة انعدام أهلية الأداء مطلقاً.
‌ب.  وجود أهلية أداء ناقصة.
‌ج.    وجود أهلية أداء كاملة.
وهذا ما سنوضحه ـ إن شاء الله تعالى ـ في القسم التالي.

الفرع الثالث: أحوال أهلية الأداء:
البند الأول: عدم أهلية الأداء مطلقاً: وذلك متحقق في الطفل الذي لا يميز، وفي المجنون إذا ما استمر جنونه، إذ كلاهما عديم العقل، ومن لا عقل له لا أهلية له.
فكل من المجنون، والصغير غير المميز، باطل العقود، والتصرفات، ولا يترتب على قوله أو فعله، أي أثر شرعي، فجنايتهما على النفس، أو المال، تترتب عليها المؤاخذة المالية وحدها، وقتل الطفل أو المجنون، أو إتلافه حق الغير، يترتب عليه ضمان الدية في القتل، وضمان التلف فيما أتلفه، ولا ينبني على فعلهما قصاص، لأنه مترتب على العمد، ووجود القصد، و كلاهما قد انعدم بانعدام القدرتين([5]).
والإنسان في أول أحواله عديم القدرتين (العقل والبدن)، لكن فيه استعداد وصلاحية لأن توجد فيه  كل واحدة من القدرتين شيئاً فشيئاً([6]).
البند الثاني: أهلية الأداء الناقصة:
(وهذه الأهلية تنبني على القدرة القاصرة من العقل القاصر، والبدن القاصر)([7]).
وهذه الحالة تصدق على الصبي، والمعتوه الذي لم يختل عقله، لكن ضعف إدراكه وتمييزه، وإنما تثبت الأهلية لهما لثبوت أصل الأهلية بالتمييز، ولكنها لما كانت ناقصة صحت منهما بعض التصرفات، وجعلت موقوفة على إذن الولي، وبطلت بعض التصرفات وإن أجازها وليهما.
إذاً فأهلية الأداء الناقصة هي: (صلاحية الشخص لصدور بعض التصرفات منه، دون البعض الآخر، أو لصدور أفعال وتصرفات يتوقف نفاذها على رأي غيره)([8]).
البند الثالث: أهلية الأداء الكاملة:
(وهذه الأهلية تنبني على القدرة الكاملة من العقل الكامل، والبدن الكامل)([9]).
وهي تتحقق بالنسبة لتكاليف الشرع بكمال العقل للإنسان وبلوغه، سواء كان بلوغه طبيعياً أو تقديرياً، كما ثبتت بالبلوغ مع الرشد بالنسبة للمعاملات المالية.
وبتلك الأهلية يصبح الإنسان مكلفاً بالعبادات والأحكام الشرعية، صالحاً لكل أنواع الالتزام.
ولما كانت هذه الأهلية متوقفة على تحقيق العقل، وهو من الأمور الخفية التي تخفى على الناس، وينمو بنمو الأجسام، وهو مختلف بين بني البشر، فقد جعل البلوغ دليلاً على كمال العقل في الإنسان، لأنه موضع يتوقع فيه حصول العقل للمرء، وأحكام الشرع ترتبط بعلل ظاهرة منضبطة.
وعلى هذا تكون الأهلية الكاملة بكمال عقل الإنسان وبدنه([10]).
إذاً فأهلية الأداء الكاملة هي:
(صلاحية الشخص لصدور التصرفات منه، على وجه يعتد به شرعاً، وعدم توقفها على رأى أحد غيره)([11]).


([1]) انظر: كشف الأسرار: البخاري، (4/ 249) شرح المنار وحواشيه: ابن الملك،     ص(940، 941)، أصول الفقه الإسلامي: د. بدران أبو العينين، ص(318)، أصول الفقه الإسلامي: أبو زهرة، ص(311).
([2]) انظر: فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت: ابن نظام الدين: (1/ 156)، كشف الأسرار: البخاري، (4/ 348)، شرح المنار وحواشيه: ابن الملك،               ص(939، 940)، تيسير التحرير: أمير بادشاه، (2/253)، التلويح مع التوضيح: التفتازاني، (2/ 161، 164)، أصول الفقه الإسلامي: د. بدران أبو العينين.
([3]) إرشاد الفحول: الشوكاني، ص(10).
([4]) انظر: كشف الأسرار: البخاري، (4/ 238)، شرح المنار وحواشيه: ابن الملك،     ص(939).
([5]) انظر: كشف الأسرار: البخاري، (4/ 248)، التلويح مع شرح التوضيح: التفتازاني،    (2/ 163، 164)، الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد: د. الزرقا، (2/ 745)، أصول الفقه: أبو زهرة.
([6]) كشف الأسرار: البخاري، (4/ 248)، وانظر: مثله في شرح المنار وحواشيه: ابن الملك، ص(939).
([7]) انظر: شرح المنار وحواشيه: ابن الملك، ص(939)، كشف الأسرار: البخاري، (4/ 248)، التلويح مع التوضيح: التفتازاني، (2/ 164)، تيسير التحرير: أمير بادشاه، (2/ 253)، فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت: ابن نظام الدين، (1/ 156)، التقرير والتحبير: ابن أمير الحاج، (2/ 168)، كشف الأسرار: النسفي، (2/ 466)، شرح نور الأنوار: ميلاجيون، (2/ 466)، مطبوع مع كشف الأسرار للنسفي.
([8]) أصول الفقه الإسلامي: د. بدران أبو العينين، ص(319)، أصول التشريع الإسلامي: على حسب الله، ص(357).
([9]) شرح المنار وحواشيه: ابن الملك، ص(939، 940)، تيسير التحرير: أمير بادشاه،    (2/ 253)، فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت: ابن نظام الدين، (1/ 156)، كشف الأسرار: البخاري، (4/ 348)، التقرير والتحبير: ابن أمير الحاج، (2/ 168)، التلويح مع التوضيح: التفتازاني، (2/ 164)، كشف الأسرار: النسفي، (2/ 466)، شرح نور الأنوار: ميلاجيون، (2/ 466).
([10]) شرح المنار وحواشيه: ابن الملك، ص(939، 940)، تيسير التحرير: أمير بادشاه،    (2/ 253)، فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت: ابن نظام الدين، (1/ 156)، كشف الأسرار: النسفي، (2/ 466)، شرح نور الأنوار: ميلاجيون، (2/ 466).
([11]) أصول الفقه الإسلامي: د. بدران أبو العينين، ص(318)، أصول التشريع: على حسب الله، ص(357).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق