الأحد، 6 نوفمبر، 2016

تعريف الاخلاق في اللغة والاصطلاح

أولاً : معنى الأخلاق في اللغة :
       إن الناظر في كتب اللغة بجد أن كلمة أخلاق تطلق ويراد بها : الطبع والسجية ، والمروأة والدين.   وحول هذه المعاني يقول الفيروزابادى " الخُلْقُ بالضم وضمتين السجية والطبع والمروأة والدين"[1] ويقول ابن منظور : " الخُلُقُ والخُلْقُ السجية .. فهو بضم الخاء وسكونها الدين والطبع والسجية "[2]
       ثم يفسر ابن منظور ذلك بقوله " وحقيقته ، أي  الخلق ، أنه لصورة الإنسان الباطنة ، وهي نفسه ، وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخَلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها ولهما أوصاف حسنة وقبيحة "[3]
       وفي هذا المعنى يقول الراغب الأصفهاني " الُخْلقُ في الأصل شيء وآحد كالشّرب والشُّرب والصَّرْمِ والصَّرْمِ لكن خص الخَلْقُ بالهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر ، وخُص الخُلْقُ بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة . قال تعالى ( وإنك لعلى خُلق عظيم ).
وقرىء : إن هذا إلاخَلْقُ الأولين ، والخلاق ما اكتسبه الإنسان من الفضيلة بخُلُقِه قال تعالى ( وماله في الأخرة من خلاق ) (البقرة 200) وفلان خليق بكذا : أي كأنه مخلوق فيه ذلك كقولك مجبول على كذا ، أو مدعو اليه من جهة الخَلْقِ .. )[4]
ومن خلال هذا العرض اللغوي يمكن ملاحظة ثلاثة أمور هي :
1-     الخُلُق يدل على الصفات الطبيعية في خلقة الإنسان الفطرية على هيئة مستقيمة متناسقة .
2-     تدل الأخلاق علىالصفات المكتسبة حتى اصبحت كأنها خلقت فيه فهي جزء من طبعه .
3-     أن للأخلاق جانبين : جانب نفسي باطني ، وجانب سلوكي ظاهري [5].

ثانياً : الأخلاق في الاصطلاح :
       عرف العلماء الأخلاق بتعريفات كثيرة لا يتسع المجال لذكرها ولكن سنذكر أهم تلك التعريفات ومنها :
1-     تعريف ابن مسكويه ، فقد عرف الأخلاق بأنها " حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية . وهذه الحال تنقسم الى قسمين: منها ما يكون طبيعياً من أصل المزاج ، كالإنسان الذي يحركة أدنى شيء نحو غضب ويهيج من أقل سبب ، وكالإنسان الذي يجن من ايسر شيء كالذي يفزع من أدنى صوت يطرق سمعة أو يرتاع من خبر يسمعه ، وكالذي يضحك ضحكاً مفرطاً من أي شيء يعجبه ، وكالذي يغتم ويحزن من أيسر شيء يناله . ومنها ما يكون مستفاداً بالعادة والتدريب ، وربما كان مبدؤه الفكر ، ثم يستمر عليه أولاً فأولاً حتى يصير ملكة وخلقاً "[6]
2-     تعريف الغزالي حيث عرفها بأنها " هيئة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بيسر وسهولة من غير حاجة الى فكر وروية )[7]. 
ويلاحظ من التعريفين السابقين أنهما يجنحان إلى منهج فلسفي الى حد بعيد فابن مسكويه كما يقول عبدالله دراز " كان متأثراً في تفكيره الأخلاقي  بالتفكير الأرسطى ، بل كان يتبع ارسطوا في هذا التفكير تماماً .. ولا أقول إن أفكار أولئك نسخه من أفكار هؤلا في جميع نواحيها ذلك أن للإسلام  ولجهودهم الفكرية أثر في بعض نواحي تفكيرهم أيضا)[8]
ومع ذلك فإن التعريفين قد كشفا لنا معان مهمة من معاني الأخلاق فهي صفات مستقره في النفس الإنسانية تصدر عنها لافعال وردوها سريعة بطريقه تلقائية لا تكلّف فيها ، وبهذا تظهر الأخلاق .
3-     عرفها عبدالكريم زيدان بقوله " ويمكننا تعريف الأخلاق بأنهامجموعة من المعاني والصفات المستقره  في النفس وفي ضوئها وميزانها يحسن الفعل في نظر الإنسان أو يقبح ، ومن ثم يقدم عليه أو يحجم عنه )[9]
ولا يخفى أن هذا التعريف هو نفسه تعريف الغزالي مع إضافات غير خافية وتكمن اضافته الحسنة بأن المعاني والصفات المستقرة في النفس هي الضابط للإقدام والإحجام عن  الفعل بحسب حسنة وقبحه .
وقد عرفها بعض العلماء بأنها " التحلي بالمليح والتخلي عن القبيح "
ولا شك أن هذا التعريف هو أخصر من التعريفات السابقة ، وأقرب الى الدلالة على المطلوب ، ولكن لو قيد بحسب الشرع لكان ذلك أحسن في نظرنا لتفادي توهم التحسين والتقبح العقليين وذلك غير مراد، فلو قيل " فعل المليح والتخلي عن القبيح بحسب الشرع " لكان هذا اولى حتى ننأى بالتعريف عن المناهج والتعريفات الفلسفية . وقد تنبه لذلك بعض الباحثين الأفذاذ  مثل الدكتور يالجن فحدد مفهوم  الأخلاق في الإسلام بقوله : " يمكن تحديد مفهوم الاخلاق في نظر الإسلام بأن الأخلاق عبارة عن علم الخير والشر والحسن والقبح وله قواعده التي حددها الوحي لتنظيم حياة الإنسان وتحديد علاقته بغيره على نحو يحقق الغاية من وجوده في هذا العالم على أكمل وجه "[10]
والملاحظ أن الأخلاق في المعنى الاصطلاحي لا تبتعد كثيراً عن المعنى اللغوي – فنجد بينهما نسباً وصهراً ( فالعلماء يريدون بها تلك الصفات التي تقوم بالنفس على سبيل الرسوخ ، ويستحق الموصوف بها المدح أو الذم )[11] ولا شك أن المعاني اللغوية تدور حول هذه المفاهيم الاخلاقية كالدين والمروأه ويستحق من اتصف بها الذم والعكس صحيح ، فإن الأخلاق الكريمة مما تدعو اليها العقول السليمة والفطر المستقيمة ، ولهذا فإن الناس قد تعارفوا على أن الصدق والأمانة والوفاء بالعهود ونحو ذلك من الأخلاق الكريمة ، كما تعارفوا عن أن الكذب والغش والخيانة من الاخلاق الذميمة التي ترفضها العقول السليمة والفطر المستقيمة ، ثم جاءت الشريعة داعية الى المعروف من الأخلاق ناهية عن المنكر منها ، فقد قال صلى الله عليه وسلم " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق


[1] -  القاموس المحيط ، فصل الخاء : باب القاف ، ص 236
[2] - لسان العرب ،مادة : خلق ، حـ2 ، ص 1244-1245 .
[3] - نفسه ، المادة نفسها .
[4] - المفردات في غريب القرآن ، الراغب الأصفهاني ، ط 1 ، تحقيق وضبط محمد خليل عيتاني ، دار المعرفة ، بيروت لبنان ، 1418هـ 1998م ، مادة خلق ، ص 164 .
[5] -  علم الأخلاق الإسلامية ، مقداد بالجن ، ط 1 ، الرياض 1413، 1992م ص 34 .
[6] -  تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق ، ابن مسكويه ، ط2 ، تقديم حسن تميم دار مكتبة الحياه للطباعة والنشر ، بيروت . ص 51 .
[7] - أصول الدعوه ، عبدالكريم زيدان ، ط 3 ، دار العرفا ، مطر ، 1408هـ . ص 79 .
[8] - علم الاخلاء الإسلامية ، مقداد بالجن ، ص 43 .
[9] - أصول الدعوه ، ص 79 .
[10] - التربية الأخلاقية الإسلامية ،مقداد يالجن ، ط1 ، دار عالم الكتب ، الرياض ، 1412هـ  1992م .ص 81 .
[11] - نحو ثقافة إسلامية أصيلة ، عمر الأشقر ، ط 10 ، دار النفائس ، عمان ، 1421، 2000م ، ص 157 ، عن بصائر ذوي التمييز ن 2/658 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق