الأربعاء، 16 نوفمبر 2016

أصل الغلاف الجوي

أصل الغلاف الجوي
يعتبر الغلاف الجوي جزءاً مهماً من نظام كوكب الأرض، ويرتبط بالعديد من العمليات الفيزيائية والحياتية لهذا النظام. فهل تكوذن هذا الغلاف في الوقت نفسه الذي تشكل فيه الكوكب الأرضي، أم هل تكوّن فيما بعد؟ ثم هل تكوّن دفعة واحدة أم هل تطوّر بالتدريج حتى وصل إلى تركيبه الحالي؟ كيف دخل بخار الماء إلى غلافنا الجوي؟
صاحَبَ تكوّن الأرض قبل حوالي 4600 مليون سنة حدوث نشاطات بركانية كبيرة أدت إلى انبعاث المواد والحمم البركانية وتطايرها إلى الأعلى. ومن المعروف أن بخار الماء يشكل قرابة 85% من المقذوفات البركانية الغازية، أما الباقي فيتكون من ثاني أكسيد الكربون ومركبات الكبريت والنتروجين، لذا فقد انبعثت كميات هائلة من بخار  الماء الذي برد عند خروجه من باطن الأرض، وشكّل غيوماً كثيفة أدت إلى تساقط أمطار غزيرة. ولما كان سطح الأرض ما يزال ساخناً فقد تبخرت المطار الساقطة وصعدت إلى الأعلى وبردت وتكثفت مرة أخرى وهكذا. واستمرت عملية التبخر والتكثف فترة طويلة من الزمن حتى بردت الأرض واستقر الماء على سطحها في المنخفضات فتكونت المحيطات والمسطحات المائية التي تغطي حالياً ما يقارب 70% من مساحة سطح الأرض. وأصبحت هذه البحار فيما بعد المصدر الرئيسي لبخار الماء الجوي.
وإذا قبلنا بهذه الفرضية لتفسير وجود الماء في نظام كوكب الأرض فلماذا لا توجد إذاً محيطات على سطح كل من كوكبي الزهرة والمريخ على افتراض أنهما تكونا بالطريقة نفسها ومن ذات المواد التي تكونت منها الأرض؟ إن كوكب المريخ يحتوي على كميات كبيرة من الثلج المتراكم على أقطابه بسبب درجة حرارته المتدنية (-25◦س). أما كوكب الزهرة فبسبب درجة حرارته العالية (430◦س) فقد بقي الماء الذي كان فيه بحالته الغازية مما أدى إلى انفلاته بسهولة وفقدانه إلى خارج الكوكب وبقي بذلك كوكب الزهرة خالياً من الماء.
ونعرف أن الأكسجين كعنصر قد تكوّن في نواة كوكب الأرض التي كانت مكونة من غاز الهيدروجين عن طريق الاندماج النووي الذي ولّد الهيليوم أولاً ثم بالطريقة ذاتها الليثيوم فالبريليوم فالبورون فالكربون فالنتروجين فالأكسجين، وهكذا حتى نهاية سلسلة العناصر بدءاً بالهيدروجين وعدده الذري (1)؛ وكل ما بعده بزيادة العدد الذري واحداً بعد واحد. وبعد تكوّن الأكسجين اتحد بالهيدروجين مكوناً الماء.
أما تزايد الأكسجين في الجو فله تفسيرات:
1-      تحلل الماء Dissociation of Water
يتحلل الماء إلى الأكسجين والهيدروجين نتيجة لامتصاص الأشعة فوق البنفسيجة (U.V) التي تصله من الشمس حسب التفاعل التالي:
معادلة
2-      البناء الضوئي Photosynthesis
حتى يتم البناء الضوئي لا بد من وجود نبات يحوي المادة الخضراء المعروفة بالكلوروفيل والتي تستطيع ربط طاقة ضوء الشمس مع ثاني أكسيد الكربون والماء كما في المعادلة:-
معادلة
أي أن العملية تنتج السكر الذي يتحول إلى نشا (كربهيدرات) وكذلك تنتج الأكسجين الذي ينطلق في الهواء. ولم يحدث هذا التوازن في إنتاج الأكسجين من الماء وثاني أكسيد الكربون اللذين ينتجان من تنفس الكائنات الحية إلا على الأرض لوجود النبات الأخضر.
لقد كانت الأرض معرضة عند بداية تكوّنها قبل قرابة 4500 مليون سنة لأشعة الشمس بما فيها الأشعة فوق البنفسجية الضارة ولم يكن الغلاف الجوي محتوياً على الأكسجين. فبدأت الحياة قبل 3200 مليون سنة بنشوء الكائنات وحيدة الخلية التي تحتاج لوسط خال من الأكسجين كي تنمو، وكانت تقوم ببناء الغذاء مستخدمة طاقة كيميائية. ثم ظهرت الكائنات وحيدة الخلية التي تحوي الكلوروفيل، وبذا صار من الممكن أن تصنع الغذاء بالطاقة الشمسية المتوفرة كل يوم، ويوجد أدلة جيولوجية تشير إلى أن هذه الكائنات بدأت حياتها فعلا في وسط مائي وعلى أعماق كافية لحمايتها من الأشعة فوق البنفسجية الضارة، لكنها في الوقت نفسه قريبة من السطح لمسافة تسمح بوصول الطيف المرئي والضروري لعمليات البناء الضوئي. ومع بدء عمليات حياة هذه الكائنات تحررت كميات إضافية من الأكسجين وانطلقت للأعلى وقامت بامتصاص جزء من الأشعة فوق البنفسجية مكونة غاز الأوزون. ومع مرور الوقت وزيادة الأكسجين الجوي ازدادت كمية الأوزون في الجو وتكونت طبقة الأوزون التي أصبحت تشكل درعاً واقياً للحياة على سطح الأرض من أشعة الشمس فوق البنفسجية. وبعدها خُلقت الكائنات الحية وعاشت على اليابسة الأمر الذي أدى إلى زيادة عمليات البناء الضوئي وبالتالي ازدادت كميات الأكسجين المتحررة لتلائم أشكالاً من الحياة أكثر تعقيداً.
أما المواد الصلبة والأملاح فقد دخلت إلى الغلاف الجوي نتيجة للنشاطات التي تقوم بها الإنسان كالحراثة والزراعة واستصلاح الأراضي والنشاطات الصناعية الأخرى، ونتيجة للعوامل الطبيعية كالبراكين والرياح وحرائق الغابات وغيرها. ويؤدي تلاطم أمواج المحيطات إلى تكوّن فقاعات الماء (زبد البحر) التي تتكسر وتتطاير منها كميات كبيرة من قطرات الماء المالح في الهواء حيث تبخر الماء تاركاً الأملاح معلقة في الهواء كما هو مبين في الشكل (9-2). وتقدر كمية الأملاح التي تدخل الغلاف الجوي بهذه الطريقة بما يقرب من 1000 مليون طن سنوياً. كما يدخله 500 مليون طن سنوياً من دقائق الغبار والهباء الناتجة عن هبوب الرياح على سطح الأرض. أما كمية المواد الصلبة التي تدخل الغلاف الجوي نتيجة النشاطات الصناعية فتقدر بحوالي 100 مليون طن سنوياً. ومن المهم أن نؤكد هنا أن المواد العالقة في الهواء ليست جميعها ملوثات جوية وإنما هي جزء من تركيب الغلاف الجوي.
الشكل (9-2): شكل توضيحي للمراحل التي تتفجر فيها فقاعات ماء البحر على سطح الأمواج حيث يتبخر الماء من القطرات الصغيرة تاركاً الأملاح معلقة في الهواء.

9-5
الضغط الجوي وكثافة الهواء
يعرّف الضغط بأنه القوة الواقعة على وحدة المساحة ويعبّر عنه رياضياً بالعلاقة التالية:
الضغط (ض)= القوة (ق)÷ المساحة (ح)
فإذا وقفت على كرسي فإن الضغط الواقع على الكرسي أي الضغط الذي يؤثر به جسمك على هذا الكرسي يساوي وزنك مقسوما على مساحة قدميك، بينما يكون الضغط الواقع على الأرض مساوياً لمجموع وزنك ووزن الكرسي مقسوماً على مساحة أرجل الكرسي.
نشاط 9-1
بحث مكتبي
اكتب بحثا عن التطبيقات والمشاهدات على علاقة الضغط بمساحة القاعدة؟
بما أن للغلاف الجوي الذي يحيط بنا ويغمر أجسامنا وزناً فإن له بالتالي ضغطاً يؤثر به علينا ويسمى بالضغط الجوي. ويمكن أن نعرّف الضغط الجوي بأنه (وزن عمود الهواء الواقع على وحدة المساحة والممتد من سطح الأرض حتى نهاية الغلاف الجوي).
يُعبّر عن الضغط الجوي بوحدة نيوتن/ متر مربع أو بوحدة باسكال. إلا أن الوحدة المشتقة الأكثر شيوعاً في التطبيقات العملية للأرصاد الجوية هي وحدة مليبار Millibar.
وقد وجد من التجارب والقياسات العملية أن معدل ارتفاع عمود الزئبق في الباروميتر على مستوى سطح البحر يساوي 0.76م وعلى ذلك نقول إن معدل الضغط الجوي على مستوى سطح البحر يعادل ضغط 0.76م زئبق. علماً بأن كثافة الزئبق تساوي 13600 كغ/م3 والتسارع الأرضي يساوي 9.8م/ث2.
سؤال
المطلوب إثبات أن متوسط الضغط الجوي على مستوى سطح البحر يساوي (1013) مليبار أو (101300) نيوتن/ م2 أو (1013) هكتوباسكال تقريبا: (حيث: نيوتن= كغ×م/ث2، باسكال= نيوتن/م2، مليبار=1 هكتوباسكال، 1 هكتوباسكال= 100باسكال).
 إذا راقبت الضغط الجوي في نقطة ما فسوف تلاحظ أنه يتغير مع الزمن لأن كتلة عمود الهواء تعتمد على درجة الحرارة وكمية بخار الماء الموجودة فيه وهي عناصر دائمة التغير. ويمكن ملاحظة تغير الضغط مع الزمن من خلال تعاقب حالات الضغط الجوي المنخفض والمرتفع على منطقتنا.
كما أن ربط تعريف الضغط الجوي بطول عمود الهواء يفسر لنا لماذا يكون الضغط الجوي في المناطق الجبلية أقل منه في المناطق المنخفضة. إلا أن معدل تغير الضغط مع الارتفاع ليس ثابتاً وإنما يمكن اعتماد العلاقة التقريبية التالية في تطبيقاتنا اليومية: يقل الضغط الجوي بمعدل 1 مليبار لكل 10 متر ارتفاعاً في الطبقة القريبة من سطح الأرض.
مثال
إذا كان الضغط الجوي المقاس على شاطئ العقبة في أحد الأيام يساوي 1010 مليبار وارتفاع الشاطئ يساوي (0) متر فوق سطح البحر، وعند قياس الضغط على رأس أحد الجبال المجاورة وجد مساوياً 960 مليبار. جد ارتفاع هذا الجبل فوق سطح البحر؟
الحل
فرق الضغط الجوي بين النقطتين= 1010-960=50 مليبار.
فرق الارتفاع بين النقطتين= 50×10=500م
ارتفاع الجبل= 0+500= 500 تقريباً.
وقد يخطر ببال أحدنا أن يطرح السؤال التالي:
إذا كان معدل الضغط الجوي مع الارتفاع منتظماً وبمعدل 1 مليبار/ 10م خلال الغلاف الجوي بأكمله فهل يعني ذلك أننا نتوقع أن يتلاشى الضغط الجوي نهائياً على ارتفاع 10كم تثريباً؟
في الحقيقة أن معدل تغير الضغط الجوي مع الارتفاع ليس ثابتاً بسبب تغير كثافة الهواء مع الارتفاع. وعلى عكس السوائل فإن الهواء يتميز بخاصية الانضغاط Compressibillity، لذا فإن الطبقات السفلى في عمود الهواء تكون متضاغطة وتكون الجزيئات متقاربة، وبالتالي فإن كثافة الهواء في هذه الطبقات تكون أعلى منها في الطبقات العليا. وتبلغ كثافة الهواء الجاف 1.275 كغ/م3 على درجة الصفر السليلوزي وتحت ضغط مستوى سطح البحر. أما على ارتفاع 60 كم فلا تتعدى كثافة الهواء 0.01 كغ/م3. وتتركز نصف كتلة الغلاف الجوي في الخمسة كيلومترات القريبة من سطح الأرض ولا يوجد سوى 1% من هذه الكتلة فوق ارتفاع 30 كم. ونتيجة ذلك يكون نقصان الضغط الجوي الناجم عن ارتفاع 1 كم في الطبقة القريبة من سطح الأرض أكبر بكثير من نقصان الضغط الناجم عن ارتفاع المسافة ذاتها في طبقات الجو العليا.
ويؤدي نقص كثافة الهواء إلى بعض الصعوبات لدى مرضى القلب الذين يعيشون في المناطق الجبلية العالية كما يؤدي إلى أعراض نقص الأكسجين (Hypoxia) عند بعض الطيارين الذي يقودون طائرات صغيرة غير مزودة بتكييف الهواء، فعند سطح الأرض كل مرة يأخذ الإنسان فيها شهيقا يدخل الرئتين كمية من الهواء تحتوي على كمية كافية من الأكسجين بضغط كافٍ ليصل إلى الدم، وعند نقص كثافة الهواء ينقص ضغطه (يتخلخل) ولذا تكون كمية الأكسجين التي تدخل الرئتين أقل من الكمية التي يحتاجها الجسم في الظروف العادية، وبالتالي يصل الدم كمية أقل مما يحتاج. وتؤدي أعراض نقص الأكسجين عند الطيارين إلى شعور بالإعياء وعدم وضوح الرؤية وضعف القدرة على اتخاذ قرارات سليمة وتؤدي أحياناً إلى الإغماء.
9-6
الغازات متغيرة التركيز في الغلاف الجوي
لاحظ من الجدول (9-1) أن الغلاف الجوي يحتوي على بعض الغازات التي يكون تركيزها غير ثابت إذ يتخلف تركيز بعض هذه الغازات بين منطقة وأخرى حسب مصادر الانبعاث Sourses أو توفر المصارف Sinks كما يتغير تركيز بعضها موسمياً. ولأهمية هذه الغازات فإننا سنتناول عدداً منها (بخار الماء وثاني أكسيد الكربون والأوزون) ببعض التفصيل.
1-      بخار الماء
يدخل البخار إلى الغلاف الجوي نتيجة تبخر الماء من المسطحات المائية والتربة والغطاء النباتي. وتتراوح نسبة بخار الماء في الهواء ما بين الصفر في المناطق الصحراوية الجافة إلى أقل من 4% في المناطق الاستوائية الرطبة.
وتبرز أهمية الماء ودوره في النظام الأرضي نتيجة خصائصه المتعددة وقدرته على التحول من حالة إلى أخرى.
ويكون الماء بحالته الغازية غير مرئي ثم يتحول إلى الحالة السائلة إذ يظهر في الغلاف الجوي على شكل غيوم أو أمطار أو قطرات من الندى أو ضباب، ويمكن أن يظهر في حالته الصلبة على شكل ببلورات ثلجية. يمكن أن نلخص الأدوار التي يقوم بها الماء كما يلي:
أ‌-       يؤدي الماء دوراً أساسياً في نظام الكائنات الحية الموجودة على سطح الأرض كما يعتبر عاملاً أساسياً وضرورياً للعديد من التفاعلات التي تجري عليها.
ب‌-     إن الطاقة الحرارية الكامنة التي تصاحب تحول الحالة تعتبر من الأساسيات في اتزان الطاقة على سطح الأرض، إذ ينال خط الاستواء كمية من الطاقة الشمسية أكبر من تلك التي تصل إلى القطبين، وجزء من هذه الطاقة الزائدة يستهلك في تبخير الماء في المناطق الاستوائية، ينتقل البخار الناتج إلى المناطق الباردة ويتكاثف محرراً الطاقة الكامنة. وبذلك تعتبر هذه العملية إحدى طرق توزيع الطاقة على سطح الأرض.
ج- يعتبر بخار الماء من غازات الدفيئة التي تساعد على حفظ حرارة الأرض.
د- تشكل الغيوم جزءاً مهماً من نظام الاتزان الحراري في الأرض فهي تحجب أشعة الشمس وتحول دون وصول بعضها إلى سطح الأرض مما يؤدي إلى تبريد السطح. كما يمكن أن تمتص هذه الغيوم الأشعة الطويلة (تحت الحمراء) المنبعثة من الأرض وتعيد بثها إلى الأسفل مما يؤدي إلى تسخين سطح الأرض، ويعتمد دور الغيوم في حجب الأشعة أو امتصاصها على عوامل متعددة مثل سماكة الغيوم وارتفاعها وتركيبها.
هـ- يتأثر الاتزان الحراري للأرض بطبقة الثلج التي تغطي مساحات من سطح الأرض نظراً لقدرة الثلج على عكس الأشعة الشمسية وبالتالي تقليل كمية ما تمتصه الأرض منها.
صندوق المعلومات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق