السبت، 19 نوفمبر، 2016

نظرية الواجب

 نظرية الواجب
تشترك النظريات السابقة ( نظرية اللذة ، ونظرية السعادة ، ونظرية المنفعة) في كونها نظرية غائبة، وتهدف إلى غاية محددة ، وأن الحكم على الأفعال بأنها خلقية يستند إلى آثار ونتائج هذه الأفعال. أما نظرية الواجب فإنها لا تربط الفعل بالمنفعة أو اللذة أو النتيجة أو السعادة المترتبة على إتيان الفعل أو المنفعة الشخصية لصاحب الفعل. وكذلك تخلو النظريات الأخرى في الفكر الغربي من عنصر الإلزام ومثالها لا يوجد إلزام في نظرية المنفعة العامة أو نظرية اللذة أو المنفعة الفردية، نظراً لاستنادها إلى غريزة حب البقاء ورغبة الفرد في تحقيق المنفعة الشخصية له، وهذا بالضرورة يتناقض مع القول بالمنفعة لأكبر عدد ممكن من الناس دون إضرار بالمصلحة الفردية.
ونظرية الواجب تختلف عن النظريات السابقة وتعتقد أن الشخص يقدم على الفعل نظراً لإحساسه بالواجب بغض النظر عن الربح أو الخسارة المترتبة على الفعل أو المنفعة أو اللذة الجزئية المجربة. والإحساس بالواجب شعور يسبق الفعل ويحمل صفة الإلزام للفرد بوحي من الضمير.
ونظرية الواجب ترى أن الإرادة الخيرة ، هي إرادة الفعل وفقاً لمبدأ الواجب دون إكراه وبحرية تامة لاختيار الفعل الخير . وقانون الواجب هو القانون الذي يحكم الإرادة الخيرة، وكما يسميه كانت بأنه الأمر القاطع (Categorical Imperative) والأمر القاطع يستند إلى العقل والمنطق في إقرار مبدأ العمومية ومبدأ العكسية، وتعني العمومية أن الفعل الذي يصدر تلبية لنداء الواجب يكون مجرداً من المنفعة ويهدف لإقرار قانون عام هو قانون الواجب، أو قانون الأخلاق ينطبق على الجميع دون استثناء. وأما العكسية فهي أن يقبل الفرد أن يُعامل بمثل ما يعامل غيره من الناس.
وترتكز نظرية الواجب على دعامة احترام الإنسانية واحترام حق الفرد بالاختيار بين بدائل الأفعال بحرية تامة، وتنمية قدرة الفرد على الاختيار الذي يرغب به من حيث الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها، وفكرة الواجب تقوم على أساس تنمية قدرة الفرد على ضبط نفسه بنفسه وتسخير الإرادة الخيرة المدفوعة بالعقل لتكون منسجمة مع قانون الواجب.
ولا تتعارض نظرية الواجب مع احترام القانون بل ترى أن الحرية تكمن في احترام القانون العام الذي ساهم الفرد في إقراره والالتزام به في أفعاله دون إضرار بغيره. والشخص الذي يقوم بواجبه لا يكون قيامه بالواجب أخلاقياً إلا إذا صدر التزامه عن احترامه للواجب نفسه. وقد حدد كانت سمات الواجب بالقواعد التالية([1]):

1.    أن الواجب تشريع كلي وقاعدة شاملة وقيمته تكمن فيه، والإنسان هو الكائن الوحيد القادر على عمل الواجب.
2.    أن الواجب منزه عن الغاية أو المنفعة الشخصية أو الذة أو السعادة بل يطلب لذاته وتلبية لنداء الواجب.
3.    أن الواجب فكرة وقانون أساس سابق لكل تصور تجريبي وهو قانون غير مشروط بالمنفعة أو اللذة أو السعادة وهو القاعدة التي يستند إليها الفعل الأخلاقي. وهذا التصور لفكرة الواجب منسجم مع التعاليم الإسلامية التي ترى أن النية تسبق الفعل وأن الأعمال بالنيات. ورغم أن كانت لم يتطرق لنية الفرد ولكنه يرى أن الإحساس بالواجب يسبق الفعل، وهذا الإحساس يصل إلى درجة الأمر القاطع عند ثبوت النية لدى الفرد في القيام بالفعل.
والمستعرض لنظرية كانت في الحقوق والواجبات يستخلص أن نظرية الواجب أصلح من النظريات السابقة، وأن تطبيقها من قبل الفرد يحقق مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات الأخلاقية بين الأفراد والجماعات . ويلاحظ كذلك اعتبار مبدأ الواجب المستندإلى العقل أنه الباعث للإرادة الخيرة على فعل الخير. وكانت رفع من شأن الأخلاق عندما ربطها بالواجب المستوحى من الإرادة الخيرة الموجهة بالعقل على عكس النظريات ا لأخرى التي ربطت الأخلاق باللذة والمنفعة أو السعادة.




(6) عبد الرحمن بدوي ، النظريات الأخلاقية، الكويت: وكالة المطبوعات ، 1975، ص: 248-251.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق