الأحد، 6 نوفمبر 2016

تعريف الاعتدال لغة

تعريف الاعتدال لغة
   الاعتدال مصدر مشتق من الفعل عدلَ، والعدل هو "ما قام في النفوس إنه مستقيم، وهو ضد الجور.. وفي أسماء الله تعالى: العدل وهو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم.."([i]). لذا يقول صاحب كتاب (معجم تفسير مفردات ألفاظ القرآن): إنه ".. بالعدل قامت السماوات والأرض تنبيها إنه لو كان ركن من الأركان الأربعة في العالم زائداً على الآخر أو ناقصاً عنه على مقتضى الحكمة لم يكن العالم منتظماً.."([ii]). أما الاعتدال فهو التوسط بين حالين في الكم أو الكيف وعدم الميل إلى المواقف الطرفية ".. وكل ما تناسب فقد اعتدل ، وكل ما أقمته فقد عدلته.. وإذا مال شيء قلت عدلته أي أقمته، واعتدل أي استقام"([iii]). والاعتدال من "أمهات الفضائل"، فهو فضلاً عن الاستقامة والوسطية، يشير إلى "..الاتزان في الحكم والرأي"([iv]) ، فيقترب معناه اللغوي من معنى السماحة بما فيها من يسر وسهولة واستواء وتجرد من العقد، لذا قيل إن الإسلام يمثل الحنيفية السمحاء([v]).
   بناءاً على ما تقدم، فإن الاعتدال يشكل النقيض اللغوي للتطرف، حيث إن التطرف يشير إلى مجاوزة حد الاعتدال وعدم التوسط، وأخذ الأشياء من أطرافها، فالمتطرف من الناس والقوى يمثل العنيف المغالي في قوله أو فعله([vi]). فلا تراه إلا مُفرِطاً أو مُفَرِطاً.
ماهية السياسة لغة
   السياسة لغة: هي ".. الرياسة، يقال ساسوهم سوساً، وإذا رأسوه قيل سوَّسوه وأساسوه، وساس الأمر سياسة: قام به، ورجل ساس من قوم ساسة وسَّواس.. وسوَّسه القوم: جعلوه يسوسهم.. سست الرعية سياسة.. وسوس الرجل أمور الناس.. إذا ملك أمرهم.. والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه، والسياسة فعل السائس، يقال: هو يسوس الدوابَّ إذا قام عليها وراضها، والوالي يسوس رعيته.."([vii])، كما قيل عن السياسة، بأنها: ".. تولي الرئاسة والقيادة والإدارة.. ساسة البلاد قادتها، الذين يديرون شؤون البلاد والعباد... سياسي متعلق بإدارة الشؤون العامة وتنظيمها.."([viii]).
ويفهم من هذا التحديد اللغوي لمفردة السياسة، إنها تنطوي على معنيين:
الأول: ضيق، ينحصر في إطار السلوك الفردي عندما يقوم الإنسان بترويض دابته لتحسين سلوكها ومنع جماحها وعنفها، ويدخل في هذا المعنى ترويض الإنسان نفسه لحملها على الأخلاق الفاضلة والسلوك الحسن، وإبعادها عما خالف ذلك.
الثاني: واسع، يجعل السياسة فعلاً إنسانياً شاملاً للمجتمع بكل مستوياته من خلال قيادته، وإدارته، والتولي عليه، وتنظيم أموره.
والمعنيان كلاهما، يجعل السياسة فعلاً إصلاحياً، سواء في إصلاح النفس والدابة وما يدخل في بابها، أو في إصلاح المجتمع –قيادة وإدارة وتنظيماً- وهذه النزعة الإصلاحية للسياسة سيجري تأكيدها والارتكاز عليها في مباني هذا البحث، تمييزاً لها عن النزعة الميكافيلية التي تجعلها عبارة عن ".. نشاط.. مراوغ، بواعثه الوحيدة هي الطموح، وتذوق الربح وإرادة القوة"([ix])، وتنظر إليها كفعل قائم على الحيلة والخداع، منطلقه الأساس مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، خدمة لمصلحة الحاكم –فرداً أو جماعة- على حساب مصلحة المحكوم – إنساناً واجتماعاً.
الماهية الاصطلاحية للاعتدال السياسي في الإسلام
  طالما أن السياسة كعلم تعرف على إنها:" .. العلم الذي يدرس الدولة.."([x])، أو ".. علم إدارة الدولة.."([xi])، أو العلم الذي ".. يدرس الناس من حيث هم حاكمين ومحكومين، ومن حيث هم جماعات سياسية متغيرة المصالح والأهداف"([xii]). أما السياسة كفن فهي: "فن ممارسة النشاط السياسي.."([xiii])، أو "فن ممارسة القيادة والحكم وعلم السلطة أو الدولة، وأوجه العلاقة بين الحاكم والمحكوم"([xiv])، أو هي على رأي أحد الباحثين الإسلاميين ذلك الفعل الذي ".. يكون معه الناس اقرب إلى الصلاح وأبعد من الفساد ، وان لم يضعه الرسول (ص) ولا نزل به وحي.. (أو) هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي"([xv]).
  فإن نطاق السياسة هو من الاتساع والخطورة بحيث يجعلها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً –تأثيراً وتأثراً- بحياة الناس على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم واعتقاداتهم سواء داخل الدولة التي يحملون جنسيتها أو خارجها. وإذا كان الإسلام قد حض على ممارسة الاعتدال من قبل المسلم في إطاره الفردي: الأكل والشرب، الإنفاق، إشباع الغرائز.. فإنه من باب أولى، استناداً إلى قاعدة المهم والأهم، أن يعطي للاعتدال في ميدان السياسة اهتماماً أكبر لعلاقة الأمر بمجموع الناس، وتأثير ذلك على مقدار قبول النظام السياسي الإسلامي من قبل الخاضعين له، وطبيعة تصوره من قبل الآخرين الذين يعيشون خارج العالم الإسلامي، لاسيما أن الاعتدال –كما مر بنا آنفاً- يعد من أمهات الفضائل، وإذا كان الاعتدال السياسي يمثل: ".. تلك الفضيلة التي تترك يمينها ويسارها يميلان نحو الرذيلة والتطرف، وتقيم ميزاناً للعدل في الحكم، والخلق الرفيع في السلوك.."([xvi]). فإن الاعتدال السياسي في الإسلام يعني: ".. التزام المنهج العدل الأقوم، والحق الذي هو وسط بين الغلو والتنطع، وبين التفريط والتقصير، فالاعتدال والاستقامة وسط بين طرفين هما: الإفراط والتفريط، والاعتدال هو الاستقامة والتزكية والتوسط والخيرية.."([xvii]).
   إن فهم الاعتدال السياسي في الإسلام بشكل واضح يتطلب تحديد المرتكزات الشرعية التي يرتكز عليها ، وهذه المرتكزات تستند إلى ركنين مهمين هما:
الركن الأول: الاستقامة :-
 ويقصد بها الاستقامة في الموقف والسلوك الدنيوي مع الطبيعة والمجتمع، والتزام تحقيق "الدنيا المحمودة" التي تقوم على أمرين هما:([xviii])
الأول: توحيد الله ورؤية قدرته تعالى وربوبيته في الطبيعة وخيراتها، ووعي العناية الإلهية في تيسيرها للإنسان، وتمكين الإنسان منها بتزويده بالقدرات العقلية والجسدية المناسبة.
الثاني: مراعاة التوازن والاتزان، والعدل .. في الأخذ من الدنيا والاستمتاع بها، والتعامل مع الطبيعة ، فضلا عن ضرورة مراعاة الرفق ، والتسامح ، والعفو ، والمعرفة ، وقبول الآخر واحترام قناعاته الفكرية والأعتقادية والسياسية ، وأهلية تحمل المسؤولية ، والحفاظ على الكيان السياسي للدولة الإسلامية ، وعدم تمزيق وحدة المجتمع ، والابتعاد عن الطغيان والبغي والعدوان في العلاقة مع الناس – مجتمعاً وأفراداً.  
وتظهر أهمية هذا الركن في ميدان الحكم والإدارة –ميدان السياسة- من حقيقة أن الناس كما يقول أحد الباحثين: تبحث في الحاكم عن عدله الذي يرسخ الثقة بينه وبين المحكومين([xix]). ولا يمكن للعدل أن يسود بدون استقامة الحاكم  ، والتزامه بمنهج الاعتدال السياسي.
الركن الثاني: الوسطية والشهادة:-
   إن "الأمة الإسلامية بما هي حاملة لرسالة الإسلام عقيدة، وشريعة، وحضارة، وتجسيد لها ، تقف في المركز الوسط المتوازن، ويتمثل التوازن في المسيرة البشرية بين الإفراط والتفريط، وبين الإسراف من هنا ، والإسراف من هناك"([xx])، وهذه الوسطية أهلت الأمة الإسلامية لتمتاز إلى جانب وسطيتها بميزة الشهادة ، ".. فإن الشاهد يجب أن يكون منفصلاً ومتمايزاً عن المشهود عليه (بقية الأمم) ولكن لا يجوز أن يكون منغلقاً عنه، بل يجب أن يكون منفتحاً عليه، متواصلاً معه في آن واحد"([xxi]). لذا تجد إنه في الوقت الذي يقول سبحانه وتعالى: } وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً..{([xxii])، فإنه سبحانه وتعالى يقول: } كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ..{([xxiii]). فوسطية الأمة وشهادتها، مقترنة في الآن نفسه بخيريتها وصلاحها ، يؤيد هذا الكلام، الفهم اللغوي لمفردة "وسط" في معاجم اللغة العربية حيث أن وسط الشئ:  أفضله وأقواه ، كذلك وسط القوم أفضلهم وأشرفهم([xxiv]).
إن الاعتدال السياسي للمسلم –حاكماً ومحكوماً- لا يقصد به أن يكون في منتصف الطريق بين الخير والشر، أو بين الله سبحانه وتعالى والشيطان عليه اللعنة، بل هو دائماً وأبداً مع الله عز وجل، وفي مركز الحق والخير، ليؤهله ذلك لدور الشهادة. وعليه يكون الاعتدال السياسي الإسلامي هو رديف الأخذ بأفضل الأفكار والرؤى والمعتقدات، والسبل وأنماط السلوك والمواقف السياسية ، لإدارة الدولة وإصلاح شؤون الناس، تعزيزاً للثقة بين السلطة والشعب.
  بناءاً على ما تقدم، يمكن تعريف الاعتدال السياسي في الإسلام بأنه: المنهج السياسي الإسلامي الذي يكون مرتكزا على الاستقامة والوسطية والشهادة في الدين والدنيا ، ومعتمدا النزعة الإصلاحية للسياسة في القيادة ، والحكم ، والإدارة ، بعيداً عن الغلو والتطرف من جهة ، وعن الابتذال والتقصير من جهة أخرى ، لبناء نظام حكم صالح يؤهل المسلمين ليكونوا الأمة الأكثر خيرية وسموا بين الأمم الأخرى.


([i]) أبن منظور، لسان العرب ، ج9، ط3، بيروت ، دار إحياء التراث العربي، بلا تاريخ نشر، ص83.
وللمزيد انظر:
    محمد بن أبي بكر الرازي، مختار الصحاح، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1981، ص ص417-418.
    إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، ط2، استانبول – تركيا، دار الدعوة، 1989، ص588.
    الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، ط1، بيروت، مكتبة ناشرون، 2004، ص ص521-522.
([ii]) سميح عاطف الزين، معجم تفسير مفردات ألفاظ القرآن، بيروت، الدار الأفريقية – العربية، 2001، ص ص583-584.
([iii]) أبن منظور، مصدر سابق، ص85.
([iv]) أنطوان نعمة وآخرون، المنجد في اللغة العربية المعاصرة، ط1، بيروت، دار المشرق، 2000، ص ص 954-956.
([v]) للمزيد أنظر:                                                                                                                               
      إبراهيم مصطفى وآخرون، مصدر سابق، ص447.
      أنطوان نعمة وآخرون، مصدر سابق، ص697.
([vi]) للمزيد أنظر:
         إبراهيم مصطفى وآخرون، مصدر سابق، ص345.
         أنطوان نعمة وآخرون، مصدر سابق، ص721.
([vii]) أبن منظور، لسان العرب، ج6، ط3، بيروت، دار إحياء التراث العربي، بلا تاريخ نشر، ص ص 429 – 430. وللمزيد أنظر:
        الخليل بن أحمد الفراهيدي، مصدر سابق، ص345.
 ([viii]) أنطوان نعمة وآخرون، مصدر سابق، ص721.

([ix]) جان ماري دانكان، علم السياسة، ترجمة محمد عرب صاصيلا، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1997، ص 24.
([x]) صايل زكي الخطايبة، مدخل إلى علم السياسة، ط1، الأردن، دار وائل للنشر والتوزيع، 2010، ص37.
([xi]) ناجي عبد النور، منهجية البحث السياسي، الأردن، دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع، 2010، ص 26.
([xii]) المصدر نفسه، ص28.
([xiii]) صايل زكي الخطايبة، مصدر سابق، ص36.
([xiv]) سلوى السعيد فراج وريمان أحمد عبد العال، مقدمة في العلوم السياسية، القاهرة، جامعة قناة السويس، بلا تاريخ نشر، ص10.
([xv]) باقر شريف القرشي، النظام السياسي في الإسلام، ط4، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، 1987، ص 51.
([xvi]) عبد الستار قاسم، الاعتدال السياسي العربي، مقال منشور على الانترنيت على الموقع الالكتروني: www.masress.com 
([xvii]) ناصر بن عبد الكريم العقل، مفهوم الوسطية والاعتدال، بحث منشور على الانترنيت على الموقع الالكتروني : www.assakina.com
([xviii]) للمزيد انظر:
   محمد مهدي شمس الدين، في الاجتماع السياسي الإسلامي، ط2، بيروت، المؤسسة الدولية للدراسات والنشر، 1999، ص ص 51-57.
([xix]) للمزيد انظر:
   جعفر البناوي، التعايش في المجتمع الإسلامي: دراسة في العلاقات الإنسانية للمجتمع الواحد، ط1، بيروت، دار الخليج العربي للطباعة والنشر، 1999، ص ص 13-14.
([xx]) محمد مهدي شمس الدين، مصدر سابق، ص93.
([xxi]) المصدر نفسه، نفس الصفحة.
([xxii]) سورة البقرة: 143.
([xxiii]) سورة آل عمران: 110.
([xxiv]) للمزيد انظر:
  أنطوان نعمة وآخرون، مصدر سابق، ص ص 1525 - 1526.
  إبراهيم مصطفى وآخرون، مصدر سابق، ص 1031.
  معتز الخطيب، في نقد القول بالوسطية والاعتدال، مقال منشور على الانترنيت على الموقع الالكتروني : www.altasamoh.net

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق