الأحد، 6 نوفمبر، 2016

الاخاء

الاخاء في الاسلام
     بعد أن سرب الإسلام الطمأنينة إلى أفراد المجتمع بإشاعة المساواه بينهم وإقامة العدل فيهم وجعل التفوق والتميز نظير العمل فمن آمن وصدق قوله عمله وسلم الناس من غوائله ليس كغيره , ومن جد واجتهد فى طلب العلم ليس كغيره عند الله , قال تعالى :" يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ " { المجادلة : 11 } , حينئذ إستقرت النفوس وإطمأنت القلوب وإهتدت العقول , ومع ذلك فكان لابد من ربط أبناء المجتمع المسلم , برابطة تعبر عن روح الإسلام فى الوحدة والإجتماع وحرصه على نبذ التعصب والتفرق , رابطة ثابتة مستقرة لاتتغير بتغير الزمن ولا تتأثر بتداخل الثقافات , ليست إشتراكية , ولا رأسمالية ..... وإنما هى رابطة إسلامية ربانية .
     قال تعالى : " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ " { الحجرات : 10 } , والأخوة التى إختارها الإسلام إخوة مبادئ لاأخوة نسب , لأنها أقوى وأوثق من رابطة النسب , فهى التى جمعت بين " صهيب الرومى , وبلال الحبشى , وسلمان الفارسى " وبين أبناء شبه الجزيرة العربية على إختلاف إتجاتهم القبيلية " روم وحبشة وفرس وعرب " , أجناس وأوطان وألوان وعادات ومناهج وطباع وغرائز وإتجاهات , فضلاً عن إختلاف الرؤى التى ينظر كل طرف من خلالها إلى الآخر , بين " الفرس و الروم " عداء منقطع النظير , و الفرس والروم ينظرون إلى العرب نظرة إستقلال فهم يرون أن العرب " بدو همج " , لايستطيع أحد العيش معهم , فلم تحاول دولة واحدة منهم غزو العرب رغم سهولة ذلك , وفى الإتجاه الآخر نرى العرب أنفسهم يظنون أنهم خير الأجناس , وأن لهم السيادة على البشر .
     رغم كل هذه العوائق والتى يستحيل أن يقضى عليها ويمحى أثرها إلا الأخوة الإيمانية تلك الرابطة التى أزالت ومحت الفوارق العنصرية والعرفية , فلا " أبيض وأسود " ولكن " مؤمن وغير مؤمن " فردت الجميع إلى الأصل " آدم وحواء " , فهما الذى جاء منهم البشر جميعاً ومن ثم فكلهم متساوون , وتكون الأخوة بينهم على حسب إدراك كل منهما للدور الذى خلق الله آدم وحواء من أجله وهى عبادة الله وعمارة الأرض .
     وتلك الرابطة إنما هى نعمة من الله وفضل منه , لانها تتعلق بالروح والقلب , وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبهما كيف يشاء , فلا يستطيع أحد أن يشتريها ولا يأتى بمثلها , قال تعالى : " وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  " { الانفال : 63 } .
     وقد تفوقت هذه الأخوة على أخوة النسب , بحيث لانسب ولاقرابة أمام الأخوة الإيمانية , فهذا أبو بكر الصديق
     ومن هنا يقول أنه لن تقوم الأمة الإسلامية , وتعود إلى ريادته ومكانتها التى كانت عليها , ولن تكون لها منعه وقوة علمية وحربية وإقتصادية وفكرية وتجارية و...... إلا بالعودة إلى الأخوة الإسلامية والإنضواء تحت رايتها , فضلاً عن إدراكنا أن ما شاع بين المسلمين من نزاعات وقوميات وحدود وجنسيات إنما هى دعاوى هدم لا إصلاح , دعاوى تفريق وتشتيت لا تلاحم وترابط قام بها أعداء الإنسانية لبعثرة وحدتها وضياع هيبتها .
    وقد جعل الإسلام لهذه الأخوة مقومات تفضى إلى المحبة والوحدة وتبيد وتمنع كل عوامل النزاع والكره , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "      
     المقصود من الإخاء فى هذا الباب هو أن يتأخى مجموعة من الناس فى العقيدة , قال تعالى : " وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  " { الانفال : 63 } , كان الصحابة قبل الإسلام عبارة عن قبائل متناحرة متنازعة , فقد كان بين الانصار " الاوس والخزرج " حروب طويلة دامت لسنوات عديدة , وكانوا يحملون لبعضهم البعض من الكره والبغض ما يستحيل معه زواله لو كان على يد بشر , إلا أن الإسلام أخى بين الجميع أوس وخزرج , أنصاراً ومهاجرين , قال تعالى : " وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ " { الحجر : 47 } , وقال تعالى : " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ " { الحجرات : 10 } , وقال تعالى : " وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " { أل عمران : 103 } .
     وقد عمق النبى النبى صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ فى نفوس المسلمين , بجملة من الأقوال والسلوكيات , فقد قال صلى الله عليه وسلم فى حديث بن عمر : " المسلم أخو المسلم لايظلمه ولا يسلمه ومن كان فى حاجه أخيه كان الله فى حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة " [1] , ومنه أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم فى حديث أنس : " أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً " فقال رجل : يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوماً أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره ؟ فقال : " تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره " [2] . ومنه ما رواه أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تهادوا تحابوا[3]". وايضاً عن أنس قال: " يا بني! تبادلوا بينكم ؛ فإنه أودّ لما بينكم[4]".
     وهكذا كان يتعامل المسلمون مع بعضهم البعض على أساس هذا المبدأ , فكان الواحد منهم يسعى إلى مرضاة أخيه , بل ولديه إستعداد إلى أن يضحى بماله بل وبنفسه من أجل أخيه , فكانوا كالجسد الواحد يتألم بعضهم لتألم البعض الأخر , فكانوا خير قدوة وخير مثال فى العلاقات الإجتماعية .
v             مقومات الأخوة الإيمانية :
     إذا فقدت الأخوة الاساس الذى تقوم عليه , والذى يمدها بالثبات والإستقرار , والذى يعمل على تدعيمها وترسيخها كمبدأ من مبادئ التربية الإجتماعية , لأصابها الزبول وولت مدبرة مع أبطئ ريح , لذلك وضع الإسلام لها مقومات تدعمها وترسخها وتثبت أركانها .

1.المحبة والولاء :-
     الولاء يعنى حب الله ورسوله والمؤمنين الموحدين ونصرتهم , فكل مسلم يجب عليه حب المؤمنين وموالاتهم ونصرتهم , ومن لم يفعل ذلك ووالى الكفار بالحب أو التقليد أو المحاكاه , فقد نقص إيمانه , قال تعالى : " تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ " { المائدة : 80 } .
     فلا يمكن أن تتحقق الأخوة إلا إذا أحب المسلم أخاه المسلم محبة صادقة تصدر من القلب , قال تعالى : " وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " { التوبة : 71 } , ولأهمية الحب فى قيام المجتمع المسلم , جعله الله تعالى شرط من شروط الإيمان , قال تعالى : " وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ " { المائدة : 81 } , كما جعله النبى صلى الله عليه وسلم أوثق عرى الإيمان , فقال صلى الله عليه وسلم : " أوثق عرى الإيمان الموالاة فى الله والمعاداة فى الله والحب فى الله والبغض فى الله " [5] , وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم : " لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " [6] , هكذا قرن النبى صلى الله عليه وسلم المحبة بين المسلمين بمحبتهم أنفسهم , كما أنها سبب لتذوق حلاوة الإيمان وهذا من أكمل دواعى الحب , قال : " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لايحبه إلا لله وأن يكره أن يعود فى الكفر كما يكره أن يقذف فى النار "  [7] , والاحاديث فى الباب كثيرة .
     وطالما توافر هذا المبدأ فى مجتمع ما فماذا تجد منهم ؟ فمثلهم سيعملون على إرضاء بعضهم البعض , وبالتالى فلن تجد هناك شقاق أو خلاف , وإنما سيتفرغوا لنصرة دينهم وأوطانهم , كما فعل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقد سادو العالم فى فترة لاتكاد تذكر .
     إذاً فلا سبيل إلى استقرار وتنمية فى العلاقات الإجتماعية إلا بنشر المحبة بين صفوف المجتمع , الكل يعمل للكل , والكل يكمل الكل , محبة صادرة من الضمير , نابعة من القلب , لانه يرجوا بها إبتغاء مرضاة الله عز وجل , لذك لن يشوبها المراء والمداهنة , بل هى صافية نقية خالصة ومن هنا كان لزاماً علينا أن نكون خير قدوة لأبنائنا , وأن نلقنهم القصص والمواقف التى تشير إلى تلك المحبة وفضلها , وأن نجنبهم المنافسات التى تثير الشحناء والبغضاء فيما بينهم .

2. الإيثار :-
     وهو أن يؤثر غيره بالشئ مع حاجته إليه , وضده الأثرة : وهى إستئثاره عن أخيه بما هو محتاج إليه , وعرفه الجرحانى فى التعريفات : أن يقدم غيره على نفسه فى النفع له والدفغ عنه , وهو النهاية فى الاخوة .
     والإيثار من الفضائل التى إمتاز بها الإسلام دون غيره من الشرائع , فهو أرفع درجات السخاء , وأقوى دعائم ومقومات الأخوة الإيمانية , فهو مؤشر بقوة المحبة والإخوة , وعمق العلاقات الإجتماعية , وقوة التماسك الإجتماعى , فالإيثار ضد الأنانية , وحب الذات , والتى بدورها معول من معاول هدم العلاقات الإجتماعية وتفريقها , والتى تسربت وإنتشرت داخل مجتمعنا الإسلامى , مهددة له بالتفكك والتمزق , زرعها الغرب وترك رعايتها للرأسماليين والعالمانيين , لذلك يأتى دور الإيثار حتى تعود الأخوة الإيمانية والترابط والتماسك الإجتماعى داخل الحضر , الذى أصبح التفكك سمة من سماته , فلنربى أبنائنا على الإيثار , كما تربى الجيل الاول عليه .
     فقد مدح الله تبارك وتعالى الأنصار الذين أثرو المهاجرين على أنفسهم برغم ما كان بهم من فقر وحاجة , فقد أثروهم بالأموال والأولاد والدور , لذلك بشرهم الله تعالى بأسمى بشارة يبشر بها إنسان , وهو الفلاح , وهذا الفلاح ليسقاصراً على الدنيا فقط بل يتعداه ليشمل الآخرة ايضاً, قال تعالى : " وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " { الحشر : 9 } , وليس الفلاح خاص بهم مقصوراً عليهم , بل يمتد ليشمل كل من إقتفى أثرهم وسار على دربهم وإتبع نهجهم , قال تعالى فى الآية التالية : " وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ " { الحشر : 10 } ,  وقال تعالى : " وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ " { التوبة : 100 } .
     وإعلم أخى المربى أن المربى الكفء من صفاته أن يحول أولاده من المنافسة على الإمتلاك إلى المنافسة على الإيثار , ولك فى رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسوة الحسنة والقدوة الصالحة , هو وصحابته , ومن افضل الوسائل التى يكتسب بها الطفل الإيثار ويصبح ضمن قيمة وإتجاهاته , هو إسلوب القصة المشوقة والحكاية المؤثرة والمواقف الخالدة المنتقاه من تاريخ هذه الأمة الناصع , ومنها ما فعله الأنصار مع إخوانهم المهاجرين , وينبغى على الأبوين داخل الاسرة أن تلتزموا بهذا السلوك , فهى أول قدوة فى حياة الإنسان .
     ومن الجدير بالذكر , إن المؤاثرة لاتكون إلا فى طاعة الله , كأن تترك مثلاً صلاة الجماعة فى المسجد حتى لاتزعج ضيفك فهذه المؤاثرة مرفوضة , كأن يترك الفرد مساعدة أمه حتى يترك المجال لأخيه , فهذه أيضاً ليست مؤاثرة , فلابد أن ينتبه المربى لمثل هذه الأمور , كما ينبغى للمربى أن يكون يقظاً لماحاً , فإذا لاحظ الإيثار من أحد تلاميذه , فينبغى أن يبادر بالثناء عليه ومدحه ومكافأته , فالله تعالى يقدر ويكافئ على قدر العمل .

3. العفو والصفح :-
     من السلوكيات الإجتماعية التى ينبغى أن يبنها الأباء والمربون فى نفوس تلاميذهم وأبنائهم .
     وقال إبن منظور فى لسان العرب : العفو : هو التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه وأصله المحو والطمس , أما الصفح : فهو الإعراض عن الذنب .
     قال تعالى : " خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ " { الأعراف : 199 } , هذه الآية تدل على عظمة هذا السلوك القويم وأهميتة فى التربية الإجتماعية , فالتعبير القرآنى يشير بالاخذ , والعرف يقول أنه كلما كان الإنسان عظيماً وقال خذ , فهذا يدل على أن المأخوذ عظيم فى نفسه , فما بالك إذا كان المعطى هو الله جل وعلا والأخذ هو أحب خلق الله إلى الله , فكيف يكون الشئ المأخوذ , فلابد أنه أعظم القدر , والعفو هو مفتاح السعادة ؛ وهو سر النجاح فى معاشرة الخلق ؛ فمن تأمل حال الخلق وحدهم غير معصومين من الخطأ , ولو وقف المرء أمام كل خطأ ليقتص لنفسه ما عاش أحد , وإذا تتبعت أحوال الناجحين فى الحياة الإجتماعية , لوجدت من أهم سماتهم الإجتماعية هو العفو , فهو يرقى بالإنسان فالإنتقام وعدم العفو والوقوف على الأخطاء صغيرها وكبيرها , سمة من سمات الحيوان , ويكفى أن العفو من صفات الله تبارك وتعالى , كما أن الإنتقام أيضاً من صفاته ولكن مع من أصر على العصيان وأثر العناد .
     من هنا كان العفو من أهم مقومات ودعائم الأخوة , فهو يزيل العداوة والكره ويذهب بالبغضاء والشحناء , لذا تجد العفو محبوب إجتماعياً , ليس له أعداء , لذلك أمر الله تبارك وتعالى به فى كثير من الآيات , وحث عليه بأسمى الأُمنيات , قال تعالى : " وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ " { الحجر : 85 } , وقال تعالى : " وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " { النور : 22 } , وقال تعالى : " الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " { آل عمران : 134 } , وقال تعالى : " وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ " { الشورى : 43 } , وغيرها من الآيات التى تبين فضله وأثره .
     وإذا كنا نريد لأبنائنا وتلاميذنا , تربية نفسية صافية من كل ما يعكر النفس ويشوبها , وإذا كنا نريد لهم تربية إجتماعية قوامها الأخوة والمحبة , والأمان والسيادة , وكسب العلاقات الإجتماعية الفعالة , فعلينا بإكسبهم سلوك العفو , فنتمثل ونتشبع به , ونقص عليهم ما يؤثر من المواقف الجليلة , والقصص الرائعة فى العفو , وأن نكافئ ونثيب عليه .
     ولا تنس ؛ أخى المربى أن تعلمهم أن العفو لابد أن يقابل بالفضل , كما علمنا الله تبارك وتعالى , قال : " وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ " { البقرة : 237 } .

4.الصبر وإحتمال الأذى :-
     المؤمن يتحمل ويصبر على ما يجده من إخوانه من جفاء وغلظة , وما يلقاه منهم من أذى وإساءة سواء بالقول أو الفعل , فهو يتحمل كل ذلك إحتساباً عند الله وحفاظاً على الأخوة , قال تعالى : " وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ " { فصلت : 34 - 35 } , يربى الله تبارك وتعالى المجتمع المسلم على ما يسميه أصحاب علم الإجتماع بثقافة التسامح , فمن أخلاق المسلمين المؤمنين أن يقابلون الإساءة بالإحسان , لانه من خصائص النفوس الكريمة إنها تحب من أحسن إليها , وعفا عنها , وبها تزول العداوة ويصير العدو ولى حميم , ولما كانت هذه الخصلة تحتاج إلى مجاهدة ومثابرة , أتبعها الله بما من شأنه أن يدفع كل عاقل إلى الإلتزام بها والإتصاف والتمسك بها , حتى يكون من أصحاب الحظ العظيم .
     وهذه الصفة من أهم الصفات والسلوكيات التى تحافظ على وحدة المجتمع وبقاؤه متماسكاً متفاعلاً , فلو ذهب كل فرد إلى الإنتقام لنفسه ممن إساء إليه , ويدفع السيئة بمثلها لما إنتهى الدور , وعندها صبح المجتمع فى دوامة من البطش والعنف .


[1] [ رواه البخارى " 2442 " , ومسلم " 2580 " ] .
[2] [ رواه البخارى " 6952 " , والترمذى " 2255 " ] .
[3] [رواه البخارى فى الأدب المفرد , وصححه الألبانى فى صحيح الأدب المفرد "240"]
[4] [ نفس التخريج السابق ]
[5] [ رواه الطبرانى , والبغوى فى السنة , وصححه الالبانى فى الصحيحة " 998 " ] .
[6] [ رواه البخارى " 13 " , ومسلم " 45 " ] .
[7] [ رواه البخارى " 16 " , ومسلم " 43 " ] .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق