السبت، 5 نوفمبر، 2016

الحكم الشرعي وأقسامه

الحكم الشرعي وأقسامه
أ ـ تعريف الحكم الشرعي :
ب ـ أقسام الحكم الشرعي :
أولاً : تعريف الحكم الشرعي :  الحكم الشرعي هو : خطاب الله في الكتاب والسنة المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء ، أو تخييراً أو وضعاً ([1]) .
وهذا تعريف علماء أصول الفقه، و أما عند الفقهاء فالحكم الشرعي هو : ما ثبت بالخطاب الشرعي مثل وجوب الصلاة الثابت بقوله تعالى:)وأقيموا الصلاة .. ( ( البقرة :110) ، و مثل حرمة لحوم الحمر الأهلية الثابت بقول رسول e :حيث نهى عن لحومها وقال : « إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية » متفق عليه ([2])  .
ثانياً : أقسام الحكم الشرعي :
ينقسم الحكم الشرعي إلى قسمين : 1/ الحكم التكليفي . 2/ الحكم الوضعي .
1/ الحكم التكليفي  :
تعريف الحكم التكليفي : هو طلب الفعل ، أو تركه أو اختيار بين الفعل والترك .
أنواع الحكم التكليفي :
إن أنواع الحكم التكليفي خمسةٌ : الواجب ، المندوب ، المباح ، الحرام ، والمكروه .
تعريف الواجب :
فهو في اللغة : الساقط الواقع، يقال: وجب الحائط إذا سقط ، وفيه معنى الثبوت واللزوم ، لأن ما سقط استقر وثبت،وهذا المعنى مرتبط بالحكم الشرعي وموجود فيه، حيث أن الواجب هو الواقع على المكلف من قبل الشارع ولازم عليه ، يقال : وجب البيع أي لزم وثبت([3]) .
والواجب في اصطلاح الشرع : هو ما طلب الشارع فعله طلباً جازماً على سبيل الحتم والإلزام ، فيثاب فاعله ويأثم ويعاقب تاركه، ويكفر جاحده ، مثل وجوب الصلاة والزكاة وغيرهما من شعائر الإسلام وفرائضه المعلومة بالضرورة([4]) .
و يُعلم بأن الواجب هو الفرض عند جمهور الفقهاء خلافاً للحنفية، فإنهم فرقوا بين الفرض و الواجب .
فالفرض عندهم: ما ثبت بدليل قطعي الثبوت وقطعي الدلالة .
 والواجب : ما ثبت بدليل ظني الثبوت أو ظني الدلالة كأخبار الآحاد ، وأطلقوا عليه الفرض العملي كصلاة الوتر وقراءة الفاتحة في الصلاة .
وحكم الواجب عندهم : أنه يثاب فاعله ويعاقب تاركه بلا عذر ، ولا يكفر جاحده بل يفسق .
 واتفق الجميع على أن الوجوب هو مقتضى خطاب الشارع الذي يستدعى طلب الفعل على وجه الحتم والإلزام بغض النظر من كون دليله قطعياً كان أو ظنياً ([5]).
أقسام الواجب أو الفرض :
وينقسم الواجب إلى قسمين :
القسم الأول :الفرض العين ، وهو :ما طلبه الشارع طلباًَ جازماً بعينه من كل مكلف دون التخيير بينه وبين غيره كالصلوات الخمس ونحوها من فروض الإسلام العينية .
القسم الثاني : فرض الكفاية ، وهو : ما طلبه الشارع طلباً جازماً بغير تعيين المكلف ،فإذا أداه البعض سقط عن الباقين كصلاة الجنازة ([6]) .
صيغ الواجب : للواجب صيغ طلب مخصوصة فصلَّها علماء أصول الفقه وهي كالتالي :
أ ـ الأمر المطلق مثل قوله تعالى : ) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ.. ( (البقرة: من الآية43).
ب ـ الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر كقوله تعالى : ) وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ.. ( (الحج: من الآية29)
ج ـ اسم فعل الأمر كقوله : ) عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ( (المائدة: من الآية105)  
د ـ المصدر النائب عن فعل الأمر مثل قوله تعالى : )فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ..( (محمد: من الآية4)
هـ ـ التصريح بلفظ الأمر من الشارع كقوله : )إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا..( (النساء: من الآية58)
و ـ التصريح بلفظ الإيجاب ، أو الفرض أو لفظ (كتب) كقوله سبحانه : )فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً..((النساء: من الآية11) وقوله:)كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ...( (البقرة: من الآية183) وكقوله:) وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ..( (آل عمران: من الآية97)  وكقوله:)فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ..( (النور: من الآية63) .
الأداء والقضاء والإعادة  في العبادات :
يقتضي المقام الحديث عن الأداء والقضاء والإعادة في العبادات, لأن الواجب باعتبار تعلقه بالزمان ينقسم إلى أداء وقضاء وإعادة ، بحثها علماء الأصول ضمن بحوث الحكم التكليفي .
فالأداء : هو إتيان الواجب بعينه في الوقت الذي حدده له الشارع مثل أداء الصلوات الخمس في أوقاتها .
وأما القضاء:فهو إتيان مثل الواجب بالسبب بعد وقتها المعين،مثل قضاء الصلوات الفائتة و قضاء الصوم الفرض في أيام أخر.
و أما الإعادة: فهي إتيان عين الواجب بالسبب في وقته إذا فسد ، مثل إعادة الصلاة الفاسدة ،فهي اسم لمثل ما فعل في الوقت([7]) .
المندوب:
و هو لغة من الندب ، وهو الدعاء والطلب إلى أمر مهم .
وهو في الاصطلاح:ما طلب الشارع فعله من غير جزم وإلزام، ويثاب فاعله ، ولا يعاقب تاركه ، وقد يستحق العتاب واللوم ، و هو المسنون .
صيغ المندوب و المسنون ما يلي :
أ ـ كل أمر صريح تصرفه قرينة من الوجوب إلى الندب كقوله تعالى:) فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً...( (النور:33) .
ب ـ التصريح بأنه سنة: كقولهr :« سننت لكم قيامه ..» .
ج ـ التنصيص بالأفضلية كقولهr:« ومن اغتسل فالغسل أفضل » ([8]) .
و للمندوب أسماء أخرى في مذاهب الفقهاء كالسنة والمستحب وغيره .
وبيان ذلك كالتالي :
أولاً:السنة عند الحنفية :
إن السنة في تعريفات الحنفية هي: ( الطريقة المسلوكة في الدين ، لا على وجه الفرض والوجوب )([9]) .
 و تنقسم السنة عندهم إلى قسمين :
القسم الأول: السنة المؤكدة :وهي بمعنى الواجب عندهم ، لأنهم يقولون: إن الواجب أقل من الفرض ، وهو ما ثبت بدليل فيه شبهة ، ويسمى فرضاً عملياً بمعنى أن يعامل معاملة الفرائض في العمل ، فيأثم بتركه ويعاتب ، ويجب فيه الترتيب والقضاء ، ولكن لا يجب اعتقاده أنه فرض ، وذلك كالوتر ، فإنه عندهم فرض عملاً لا اعتقاداً ، فيأثم تاركه ولا يكفر منكر فرضيته بخلاف الصلوات الخمس , فإنها فرض عملاً واعتقاداً ،  فيأثم تاركها ويكفر منكرها ، غير أن تارك الواجب عند الحنفية لا يأثم إثم تارك الفرض ، فلا يعاقب بالنار ، بل يحرم من شفاعة الرسول r ، وإذا ترك سهواً في الصلاة يجبر بسجدة السهو ، وفي الحج يجبر تركه بالفدية ، والفرق بينهما ليس بكبير .
وأما القسم الثاني: فهو سنة غير مؤكدة ، ويسمونها مندوباً ومستحباً ، وهي ما يثاب على فعلها ولا يعاقب على تركها([10]).
ولهذا التقسيم تفسير آخر عند علماء المذهب الحنفي([11])،وهو:أن السنة تنقسم إلى سنن الهدى ،وسنن الزوائد .
أ ـ سنن الهدى : وهي السنن المؤكدة التي تراد عند إطلاق لفظ ( السنة ) وهي : ما تعلق بتركها كراهية أو إساءة ... مثل الأذان والإقامة ، والجماعة في الصلوات المفروضة .
ب ـ سنن الزوائد : وهي غير مؤكدة ، ولا يتعلق بتركها كراهة و لا إساءة ، نحو إطالة القراءة في الصلاة ، وإطالة الركوع والسجود وسائر أفعال الصلاة التي يؤجر المصلي على إتيانها .
 ثانياً : السنة عند المالكية :
إن السنة عند المالكية هي: ما طلبها الشارع وأكد أمرها بالمواظبة عليها ، ولم يقم دليل على وجوبها ، ويثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها ، كصلاة الوتر وصلاة العيدين و سجدتي السهو وغيرها .
وهي بخلاف المندوب المستحب عندهم ، فإن المندوب المستحب عند المالكية هو : ما طلبه الشارع ولم يؤكد عليه بالمداومة بل رغب فيه بذكر أجره وثوابه ،وفعله مرة أو مرتين ، فإذا فعله المكلف يثاب عليه ، وإذا تركه لا يعاقب عليه ، ويسمى بالفضيلة أو الرغيبة ، وهو مثل أربع ركعات قبل الظهر([12]) .




ثالثاً: السنة عند الشافعية والحنابلة :
إن السنة والمندوب والمستحب عندهم كلها بمعنى واحد غير أن الحنابلة تقسم السنة إلى مؤكدة وغير مؤكدة ، فالمؤكدة مثل الوتر و ركعتي الفجر والتراويح ، وتركها عندهم مكروه ، وأما ترك غير المؤكدة فهو غير مكروه عندهم .
وأما عند الشافعية فتنقسم السنة عندهم إلى قسمين : عينية وكفائية .
 أما العينية : فهي ما يطلب فعلها بخصوصها من المكلف طلباً غير جازم ، ولا يختص بها أحد دون الآخر من المكلفين ، وذلك مثل سنن الرواتب لفرائض الصلاة .
وأما السنة الكفائية : فهي ما يخاطب بها مجموع المكلفين إذا فعلها واحد سقط عن الآخرين ، ويثاب الفاعل فقط ([13]) ، ويوافقهم في هذا التقسيم فقهاء الحنفية ([14]) .
ملاحظة مهمة :
فرّق الشارع الحكيم بين الفرض والواجب في باب الحج ، فجعل الفرض ركناً يفوت الحج بتركه كالوقوف بعرفة ، والواجب ما يجبر تركه بدم كالوقوف بمزدلفة ، وهذا التفريق بين الفرض المسمى بالركن وبين الواجب في هذا الباب متفق عليه عند الفقهاء جميعا.
وكذلك الحال في الصلاة عند الحنابلة حيث فرقوا بين الركن والواجب فقالوا بفساد الصلاة بترك الركن مثل قراءة الفاتحة والركوع والسجود،وعدم فسادها بترك الواجب سهواً ويجبر بسجود السهو مثل ترك التشهد الأول عندهم ونحوه([15])،وهو المذهب عند الحنفية مع فارق القاعدة الأصولية التي بُني الحكم عليها في المذهبين .
 المباح :
وهو في اللغة : الإطلاق والإذن . وفي اصطلاح الشرع :ما خيَّر الله المكلف بين الفعل والترك مطلقاً من غير مدح ولا ذم في أحد طرفيه .
وحكمه : أنه لا يثاب فاعله , ولا يعاقب تاركه إلا إذا قصد بالفعل أو الترك الاستعانة على القيام بالواجبات والمندوبات .

صيغ المباح: وله الصيغ التالية :
أ ـ لفظ الحلال كقوله: )أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ... ((البقرة: من الآية187).
ب ـ لفظ نفي الجناح كقوله: ) وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ... ((البقرة: من الآية235).
ج ـ لفظ (رفع الحرج) كقوله: r « افعل ولا حرج ....»([16]) .                    
الحرام :
وهو لغة : المنع يقال حرَّمه أي منعه .
وفي اصطلاح الشرع : ما طلب الشارع تركه على سبيل الجزم والإلزام ، وحكمه أنه يعاقب فاعله ويثاب تاركه شرعاً.
صيغ الحرام : وللحرام الصيغ التالية :
أ ـ لفظ التحريم ومشتقاته: كقوله تعالى )حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ( (المائدة: من الآية3).
ب ـ صيغة النهي كقوله:  )وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى ((الإسراء: من الآية32) .
ج ـ التصريح بعدم الحلّ كقوله r : « لا يحل دم امرئ مسلم إلا بثلاث ...» .
د ـ أن يرتب الشارع على فعل الشيء عقوبة كقوله تعالى: )وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا(  (المائدة: من الآية38)([17]).
المكروه:
 وهو لغة: ضد المحبوب كقوله: كرهت الشيء ..إذا لم يحبه , فالمكروه ما نفر الشارع والطبع منه.
وفي الاصطلاح : هو ما طلب الشارع تركه لا على سبيل الحتم والإلزام , وحكمه أنه يعاتب فاعله.
 وله صيغ تالية :
أ ـ لفظ: ( كره) كقوله r :« إن الله كره لكم القيل والقال وكثرة السؤال..».
ب ـ لفظ :( البغض ) كقوله r : «أبغض الحلال إلى الله الطلاق » .
ج ـ لفظ النهي إذا اقترنت به قرينة تصرفه عن التحريم إلى الكراهة .. كقوله تعالى ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ(  (المائدة: من الآية101)([18]).


تقسيم المكروه عند الحنفية :
ينقسم المكروه عند الحنفية إلى المكروه تحريما،والمكروه تنزيهاً، فأما المكروه التحريمي عندهم هو: ما نهى عنه الشارع وثبت دليله بطريق ظني أو كانت دلالته ظنية، وهو يقابل الواجب عند الحنفية، وهو الحرام عند الجمهور، لأنهم لا يفرقون بين الدليل القطعي والظني بل يعتمدون فقط على طلب الشارع فعل الشيء أو تركه على سبيل الحتم والإلزام ، أو على عدم الحتم والإلزام .
 وأما المكروه التنزيهي عند الحنفية : فهو ما نهى عنه الشارع تنزيهاً أي أشعر فاعله بأن تركه خير له من فعله وإن لم يكن على فعله عقاب ([19]) .  
2/ الحكم الوضعي :
 تعريف الحكم الوضعي :هو خطاب الله المتعلق بجعل الشيء سبباً لشيء آخر , أو شرطاً له , أو مانعاً عنه([20]).
فالسرقة سبب لقطع اليد ، و الوضوء شرط لصحة الصلاة ، وقتل الوارث مانع من الميراث , وهي من الأحكام الشرعية ، لأن الشارع الحكيم هو الذي وضعها، وعلق بوجودها وجود حكم شرعي آخر ، وله أنواع كثيرة .
أنواع الحكم الوضعي :
إن أنواع الحكم الوضعي كثيرة منها المذكورة أي السبب , الشرط , والمانع، ومنها :العزيمة والرخصة والصحة والفساد والبطلان.
وإليك فيما يلي بيان موجز لكل واحد منها:
1ـ السبب: وهو في اللغة : ما يتوصل به إلى المقصود .
وفي الاصطلاح هو: ما جعله الشارع علامة على وجوب الحكم الشرعي بحيث يلزم من وجوده وجود الحكم, ومن عدمه عدم الحكم لذاته, كزوال الشمس لوجوب صلاة الظهر , وملك النصاب لوجوب الزكاة , والقتل العمد لوجوب القصاص.
2ـ الشرط : وهو في اللغة: العلامة , ومنه أشراط الساعة أي علاماتها، وجمعه شروط .
وهو في اصطلاح الشرع:تعليق صحة فعل ما على علامة معينة , كالطهارة شرط لصحة الصلاة , فالشارع جعل الطهارة علامة لصحة الصلاة , فيلزم من عدمه العدم , ولا يلزم من وجوده الوجود ولا العدم لذاته([21]).
أقسام الشرط :
تنقسم الشروط عند الفقهاء إلى قسمين :
أ/ شروط الوجوب ، مثل الإسلام والبلوغ ،والعقل لوجوب فرائض الإسلام .  
ب/ شروط الصحة أو الأداء ، مثل اشتراط النية والطهارة واستقبال القبلة وستر العورة لصحة الصلاة و أدائها .
3ـ المانع : وهو الأمر الذي يلزم من وجوده عدم وجود الحكم , ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم , كالجنابة , فإنها مانعة من الصلاة , وكقتل الوارث مانع من الإرث , وكالحيض مانع من وجوب الصلاة([22]) .
4 ـ العزيمة :فهي الحكم الشرعي الثابت وضعاً لجميع المكلفين في أحوالهم العادية دون تميز ، كالصلاة بكامل ركعاتها في الحضر ، وكالصوم والحج .
5 ـ الرخصة : فهي ما شرعه الله للتيسير و رفع الحرج عن المكلفين في حالاتهم الخاصة ، كالقصر والإفطار في السفر .
والرخصة والعزيمة من أوصاف العبادات بوضع من الشارع ،حيث وضع الشارع السفر والمرض ونحوهما سببا للرخصة في الفطر ، أو مانعة من التكليف لأحكام العزيمة ([23]).
6ـ الصحة والبطلان :
الصحة :هي الحكم الشرعي الذي يطلق على أفعال المكلفين إذا تمت على الوجه الشرعي المطلوب ، مستوفية شروطها و أركانها, وارتفعت موانعها , وتترتب على الصحة آثارها الشرعية من حيث الإجزاء وإبراء الذمة .
البطلان : وهو ضد الصحة إذا وقع الفعل على غير الوجه المشروع ولم يستوف شروطه وأركانه , أو وجدت موانعه, ولا تترتب عليه الآثار الشرعية التي تترتب على الصحة([24]) .
هذا، وإن الشارع الحكيم هو الذي وضع هذه الحدود لصحة العمل وقبوله, أو بطلانه وإلغائه  .
الفرق بين الصحة والبطلان عند الحنفية:
اتفق جمهور الفقهاء على أن الصحة لا يقابلها إلا البطلان في العبادات والمعاملات .
وأما فقهاء الحنفية فوافقوا الجمهور في العبادات , وزادوا في المعاملات مصطلحاً ثالثاً وهو الفساد , فالتقسيم عندهم في العبادات ثنائي وهو: صحيح أو باطل , والباطل هو الفاسد , لأنه لا فرق بين البطلان والفساد في العبادات .

وأما في المعاملات فالتقسيم ثلاثي : معاملات صحيحة أو باطلة أو فاسدة .
فالمعاملات الصحيحة : هي التي استوفت أركانها وشروطها وانتفت موانعها شرعاً .
وأما المعاملات الباطلة : فهي التي اختلت أركانها وشروطها شرعاً أو وجدت موانع لها .
وأما المعاملات الفاسدة : فهي التي اختلت صفاتها مع استيفاء الأركان والشروط ([25]).
ويتبين مما تقدم أن لفظي البطلان والفساد مترادفان في المعنى عند الجمهور في العبادات والمعاملات, و به قالت الحنفية في العبادات , لكن الحنفية فرقت بينهما في المعاملات , وعللوا ذلك بأن المقصود في العبادات التعبد وهو يكون بالطاعة والامتثال , فإذا وقعت المخالفة فات المقصود , فلا وجه حينئذ للتفرقة بين الباطل والفاسد, لأن ذمة المكلف لا تبرأ بصلاة فاسدة كمالا تبرأ بصلاة باطلة .
وأما المعاملات فالمقصود منها مصالح العباد الدنيوية التي يجب تحقيقها وعدم إلغائها إلغاءً تاماً إلا إذا وصل الخلل إلى أركانها التي عليها تبنى حقائقها الشرعية ([26]).
هذا ما تيسر بيانه لبعض المبادئ المهمة و المصطلحات الفقهية التي تتكرر ذكرها في كتب الفقه, ولا ينبغي جهلها لطالب العلم مع الأمل في أن تتعمق طلبة العلوم الشرعي في تلك المصطلحات ويأخذوا بأرجحها، وأسأل الله عز وجل أن ينفع به , وأن يسدد الخطا على طريق الحق والصواب , إنه سميع مجيب...



  ^ ^ ^


([1]) انظر للتوسع نهاية السول للأسنوي 1/68 ، وشرح الكوكب المنير 1/333 وأصول الفقه لأبي النور زهير 1/36 .
([2]) رواه البخاري في كتاب الأطعمة ، باب لحوم الحمر الإنسية و كذلك مسلم في صحيحه .
([3]) انظر أصول السرخسي 1/111، و المصباح المنير ص648 وكتاب التعريفات ص249 .
([4]) انظر الوجيز في أصول الفقه لعبد الكريم زيدان ص31 والإحكام لابن حزم 3/321 .
([5]) انظر الوجيز في أصول افقه ص31 نقلاً من سلم الأصول للشيخ محمد بخيت المطيعي 1/76. وكشف الأسرار شرح أصول فخر الإسلام البخاري 2/549 والمحصول للرازي 1/100 ومصطلحات المذاهب الفقهية ص37 .
([6]) المستصفى للغزالي 1/66 والمهذب في أصول الفقه 1/149 والجامع لمسائل أصول الفقه ص24 وأصول الفقه تأليف محمد أبي النور زهير 1/53 والبحث الفقهي مع  المصطلحات الفقهية ص82 والوجيز في أصول الفقه ص31 .
([7]) انظر روضة الناظر ص 31 والوجيز في الأصول ص33 ورسالة الأداء والقضاء في أصول الفقه 52 و153و165 وكتاب التعريفات للجرجاني .
([8]) انظر الجامع لمسائل أصول الفقه ص37والوجيز في أصول الفقه ص38 .
([9]) انظر أصول السرخسي 1/ 113 كشف الأسرار للنسفي 1/455 .
[10])) انظر حاشية  رد المحتار 1/ 94و102 و المغني في أصول الفقه ص84 و85 ، والفقه على المذاهب الأربعة ص42 .
([11]) انظر في ذلك أصول السرخسي 1/144 ، وكشف الأسرار للنسفي 1/456 وكشف الأسرار للبخاري 2/ 310 ، و المذهب الحنفي  1/ 296 .  
([12]) انظر وتقريب الأصول إلى علم الأصول لابن جزي ص215 ، و المصطلحات الفقهية ص40 ، والبحث الفقهي ص82 .
[13]))  انظر مصطلحات المذاهب الفقهية ص38 و أصول الفقه لأبي النور زهير 1/54 ، والإحكام للآمدي 1/94 والوجيز في أصول الفقه ص38 والفقه على المذاهب الأربعة ص42 .
([14]) انظر رد المحتار 1/538 ، ومصطلحات المذاهب الفقهية ص 38 .
([15]) انظر المغني 2/381 ، وبدائع الصنائع 3/1093و1112 ومنتهى الإرادات 1/66و 203، ونهاية المحتاج 3/322و385 والكافي لابن عبد البر 1/359و405 والبحث الفقهي ص82 والفقه الإسلامي وأدلته 2/91-100 .
([16]) كتاب التعريفات ص 65 ، ومصطلحات المذاهب الفقهية ص 50 الوجيز ص 47.
[17])) انظر المراجع السابقة .
[18])) انظر كتاب التعريفات ومصطلحات المذاهب الفقهية ص 51 والوجيز في الأصول ص48 .
[19]))  انظر حاشية رد المحتار 1/133 ,و المحصول للرازي 1/104 ، ومصطلحات المذاهب الفقهية ص46  و البحث الفقهي ص83 .
([20]) انظر في شرح بيان الحكم الوضعي الوجيز في أصول الفقه لعبد الكريم زيدان  ص 55 وأصول الفقه لأبي النور زهير 10/64 والجامع لمسائل أصول الفقه ص 61.  
([21])  راجع المصباح المنير ص 309 والتعريفات ص 125 والجامع لمسائل أصول الفقه ص 73 وتقريب الوصول إلى أصول الفقه ص 109 والوجيز ص59.
[22])) انظر المراجع السابقة
[23])) انظر الجامع لمسائل أصول الفقه ص80 ، والمهذب في أصول الفقه 1/453 ، والوجيز في أصول الفقه ص50 ، وتقريب الأصول ص 107 .
[24]))  المصطلحات الفقهية ص 66, وتقريب الوصول ص 105 , والجامع لمسائل أصول الفقه ص 67.
[25]))  راجع الإحكام للآمدي 1/100 الوجيز في أصول الفقه ص 65 وأصول الفقه لأبي النور زهير ص 67و71 .
[26]))  انظر أصول التشريع الإسلامي ص 350, والمراجع السابقة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق