السبت، 19 نوفمبر 2016

القيم الوظيفية في الخدمة العامة الأردنية

القيم الوظيفية في الخدمة العامة الأردنية:
تعاني الأجهزة الإدارية في مختلف دول العالم وبدرجات متفاوتة من المشكلات الإدارية التي تتعلق بالقيم الوظيفية في هذه الأجهزة. ومشكلات الفساد الإداري والتسيب وتضخم الأجهزة الإدارية وعدم احترام الوقت والإسراف في النفقات وتدني مستوى الخدمة العامة المقدمة للجمهور ترتبط بشكل أو بآخر بمجموعة القيم الوظيفية التي يؤمن بها العاملون في هذه الأجهزة.
ويلاحظ أن الممارسات الإدارية تعكس وبدرجات متفاوتة الإيمان بالقيم الوظيفية الإيجابية مما يتطلب الاهتمام بنوعية الموظفين وتركيز القيم الإيجابية وتفعليها في العمل الإداري. وتشمل القيم الوظيفية الإيجابية الإخلاص في العمل و الصدق والأمانة والنزاهة والعدل والمساواة بين الناس والعاملين والكفاءة الإدارية والقدرة على تحقيق أهداف المنظمة والصبر والمثابرة وغيرها.
ويعتبر عدم توافق القيم الوظيفية مع بعض الممارسات والعادات الاجتماعية في بيئة الإدارات الحكومية مصدراً من مصادر الصراع الداخلي  للموظف أثناء القيام بواجباته اليومية وخاصة في مجال ترجيح الممارسات والمحسوبية وتجاوز روح النصوص في الأنظمة والقوانين المطبقة في إدارة ما.
وتبدو الجهود المبذولة في مجال التطوير الإداري والتدريب والاهتمام بالقيادات الإدارية وتوعية الموظفين كحلول للمشكلات الإدارية التي ترتبط بنظام القيم الوظيفية معقولة ولكنها غير كافية لأنها تتطرق للأعراض وتكمن الأسباب الحقيقة في مجموع القيم الوظيفية وفي نظام القيم السائدة في المجتمع.
والقيم الوظيفية في الخدمة العامة الأردنية مستمدة من القيم العربية والقيم الإسلامية والقيم الغربية. وليست جميع هذه المجموعات من القيم متوافقة تماماً مما يحدث تضارباً أو تناقضاً بين بعضها أثناء التطبيق العملي في المنظمات الإدارية. وكذلك هناك بعض القيم السلبية التي لا تتناسب وطبيعة العمل الإداري والتي يجب التعامل معها حسب مقتضى الحال.
والقيم الوظيفية  في الخدمة المدنية تمثل مجموعة الرغبات التي تنظمها القوانين والأنظمة والتعليمات والقرارات الإدارية وتتعلق ممجموعة الرغبات المتلعقة بالمنظمة بتحقيق الأهداف والكفاءة والإنتاجية والجودة والفعالية وإتقان الإداء  وغيرها . وأما الرغبات  التي يطمح العاملون إلى تحقيقها فتشمل توفير الأمن لعائلة الموظف والعدالة في التعامل وتقدير جهود الموظف وشعوره بأهمية عمله وغيرها.
وأما القيم السلبية التي تلاحظ في الإدارات الحكومية فتشمل تأثر القرارات الإدارية بالواسطة والاعتبارات  الشخصية وولاء الموظف للعائلة أو العشيرة على حساب المنظمة  وعدم العدالة في التعامل مع المرؤوسين ومنح الحوافز على أساس العلاقات الشخصية وليس الجدارة.
ولا تكاد تخلو فلسفة من الإشارة أو المعالجة لبعض القيم، مثل السعادة التي اعتبرها البعض الغاية القصوى للعمل الأخلاقي، ومنهم من اعتبر السعادة قيمة روحية ومادية في آن واحد([1]). ومعنى القيمة يتراوح بين الرغبة والاستقامة والثمن والحكم القيمي أو ما به قيام الشيء والاستقلال والحق والدلالة والثبات والدوام على الأمر([2]). والقيمة بالمعنى الاقتصادي هي قيمة التبادل وتعني الرغبات أو الاهتمامات أو التفضيلات والقيمة مرادف لكلمة نافع أو مفيد أو لائق. وهناك من يرى أن القيم عبارة عن معايير ذات صبغة انفعالية قوية وعامة وترتبط بالمستويات الخلقية التي تحددها الجماعة ويكتسبها الفرد من بيئته الاجتماعية([3]).
ويرى بعض الكتاب أن القيم نوعان : القيم المطلقة ، والقيم النسبية والقيم المطلقة تطب لذاتها مثل الخير والسعادة، أما القيم النسبية فهي وسائل لتحقيق غايات، مثل الرغبة ي الحصول على المال، أو الرغبة في الحصول على سيارة . فإن قيمة السيارة مرهونة بقيمة الخدمات التي تؤديها([4]).
ويحذر مصطفى حلمي من خطورة اعتبارالقيم نسبية لأن ذلك يضع القيم بنفس مستوى العادات التي تتغير بطبيعتها رغم أن القيم تتصف بالثبات والإطلاق والضرورة مما يؤدي حتما إلى الارتباك وبلبلة الرأي العام الأخلاقي([5]).
ويعرف البعض القيمة بأنها القدرة على إثارة الرغبة وأنها ما هو جدير بأن يطلب. ويستعرض  ابن مسكويه أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكوبة (325-421هـ) الفضائل واعتبر أن لكل فضيلة مؤشرات ودلالات . فدلالات الحكمة: الذكاء والتعقل وسرعة الفهم وقوته وصفاء الذهن وسهولة التعلم. ودلالات العفة هي: الحياءوالصبر والسخاء والدعة والقناعة والدماثة والحرية والانتظام والوقار والورع وحسن ا لهدي والمسالمة. ودلالات الشجاعة، هي : كبر النفس والنجدة وعظم الهمة والثبات والحلم وعدم الطيش والشهامة واحتمال الكد. وأما دلالات العدالة ، فهي : الصداقة وصلة الرحم والألفة وحسن الشراكة وحسن القضاء والعبادة والتودد . ويرى أبو محمد علي بن سعيد بن حزم (384-456هـ) أن أصول الفضائل هي العدل والفهم والنجدة والجود بينما الرذائل هي الجور والجهل والشح([6]). وفي دراسة حول قيم الموظفين في محافظة الكرك تبين وجود (12) قيمة مشتركة بين الموظفين وقد تميزت هذه القيم بالموفقة الشديدة عليها حيث تراوح متوسط إجابات (254) موظفاً على هذه القيم ما بين (4.14- 4.77) على مقياس ليكرت المكون من خمس نقاط ، وهذه القيم هي : ([7])
1.   أسعى لتوفير الأمن لعائلتي.
2.   أرغب بحياة مزدهرة ومريحة.
3.   أفضل أن أعيش في عالم يسوده السلام.
4.   تقدير جهود العاملين ضروري.
5.   المساواة بين العاملين أمر هام.
6.   التزام بواجبات عملي.
7.   أحترم وقت العمل وأحافظ عليه.
8.    علاقات المحبة مهمة في مكان العلم.
9.   أفضل الحياة المثيرة والنشيطة.
10.  استمتع بالقيام بعملي.
11.  أشعر بالوء للمؤسسة التي أعمل بها.
12.  أشعر بأهميتي واحترامي لذاتي في مكان العمل.
وعلى ضوء نتائج الدراسة تمت التوصية بأن تقوم جهود الإصلاح الإداري على استخدام الحوافز المعنوية والمادية وتفعيل قيمة المساواة والاهتمام بعلاقات التعاون والمحبة في مكان العمل والاهتمام بالروح المعنوية للموظف وتقدير جهوده ومشاركته في العمل الإداري وتوفر الأمن لعائلة الموظف من خلال الراتب والخدمات الصحية والضمان الاجتماعي ومختلف المنافع الوظيفية.


(2) غ. ت. غومنتسكي ، معنى الحياة والسعادة والأخلاق، ترجمة يوسف إبراهيم الجهماني، دمشق: دار الينابيع ، 1994، ص: 7-22.
(3) علي خليل مصطفى أبو العنين ، القيم الإسلامية والتربية، دراسة في طبيعة القيم ومصادرها ودور التربية الإسلامية في تكوينها وتنميتها ، الطبعة الأولى، المدينة المنورة: مكتبة إبراهيم حلبي ، 1988 ، ص: 22 .
(4) نفس المرجع ، ص: 23 .
(5) انظر حسام الدين الألوسي، التطور والنسبية في الأخلاق ، الطبعة الأولى، بيروت: دار الطليعة للطباعة  والنشر ، 1989، ص: 132-139.
        وكذلك محمود حمدي زقزوق، مقدمة في علم الأخلاق ، الطبعة الرابعة ، المنصورة : الدار الإسلامية للطباعة والنشر، 1984، ص: 136-139.
(6) مصطفى حلمي ، الأخلاق بين الفلسفة وحكماء الإسلام، القاهرة : دار الثقافة العربية، 1986، ص: 11-12.
(7) أسعد السحمراني ، الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة، ط1 ، بيروت : دار النفائس للنشر، 1988، ص: 154-165 .
(8) تحسين أحمد الطراونة وأكثم الصرارية، "القيم الوظيفية في الخدمة العامة : دراسة ميدانية لموظفي محافظة الكرك"، مجلة جرش للبحوث والدراسات ، المجلد الثاني ، العدد الثاني، حزيران 1998، ص: 145-189 ، جدول (2)، ص:158 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق