السبت، 19 نوفمبر، 2016

أسلوب ولغة الجاحظ الأديب

أسلوب ولغة الجاحظ الأديب المتمكن وما هي مفردات وكلمات عصره التي يستخدمها وتكشف بكل وضوح مدى التدليس الذي يمارسه البعض على لسانه وهو منه براء؟!
بل ولو أمعنا النظر في كتابه، لرأيناه يذكر خرافات القصص الشعبية التي كان يتناقلها العرب وجيرانهم عن أنواع الحيوانات الجديدة عليهم إذ كانوا يسارعون باختراع سيناريوهات (تهجين) مضحكة بين أقرب نوعين شكلاً لها، وهو نفس التفكير السطحي جداً للامارك وداروين نفسه المتأثران بالتشابهات الشكلية الخارجية بين أنواع الكائنات الحية وصاغا على أساسها العديد من القصص الافتراضية لتحولات التطور العجيبة.
فنجد الجاحظ يذكر التهجين في كتابه (باسم النتاج المُركب كما أشرنا من قبل)، ليؤكد على أنه له حد يقف عنده وليس مفتوحاً، وأن ذلك الحد يقف في وجه تهجين أقرب الحيوانات إلى بعضها فيأتي الهجين ميتاًأو بغير نسل (أي عقيماً وذلك مثل البغل هجين الخيل مع الحمير)، وهو نفس ما اعترف به دارويننفسه في كتابه (أصل الأنواع)بعده بقرون عديدة في فصله السادس عن صعوبات النظرية.
وإليكم مثالاً لما ذكره الجاحظفي المجلد الأول من كتابه (الحيوان) باب (النتاج المركب)من أول صـ 137، وهو الباب الذي ملأه بكلمات مثل (قالوا) و (قيل) و (قال) و (زعموا) ليُبين لنا أنه غير موافق لما يقصه علينا، فيقول تحت عنوان: (خضوع النتاج المركب للطبيعة) مشيراً إلا أن الأصل في الطبيعة هو ندرة وقوع التهجين بين الأنواع إلا بتدخل مباشر غالباً من الإنسان:
" ولو كان أمر النتاج وما يحدث بالتراكيب ويخرج من التزاويج، إلى تقدير الرأي وما هو أقرب إلى الظن، لكانت الأظلاف تجري مجرى الحوافر والأخفاف، ألا ترى أن قرابة الضأن من الماعز، كقرابة البخت من العراب، والخيل من الحمير!! وسبيل نتائج الظلف على خلاف ذلك؛ لأن التيس على شدة غلمته (أي شهوته للجماع)لا يعرض للنعجة إلا بالقليل الذي لا يذكر، وكذلك ما يحدث بينهما من الولد كذلك: إما ألا يتم خلقه، وإما ألا يعيش؛ وكذلك الكبش والعنز فضلاً عن أن يكون بينهما نتاج؛ لأنه قد يضرب الجنس في الجنس الذي لا يلقحه، ولا يكون اللقاح إلا بعد ضراب.
وطلب التيس للنعجة قليل وأقل من القليل، وكذلك الكبش للعنز، وأقل من ذلك أنتتلاقح ولا يبقى ذلك الولد البتة".
وهنا انظروا إلى كلمته الرائعة التي ختم بها هذا الكلام بقوله :
" وقد تجاسر ناس على توليد أبواب من هذا الشكل، فادعوا أموراً، ولم يحفلوا بالتقريع والتكذيب عند مسألة البرهان".
فيا ليت داروينوأمثاله وقصصه وافتراضاته الخيالية راعت حكمة الجاحظالأخيرة هذه في الفيصل بين الادعاء وبين الكلام الذي عليه الدليل والبرهان، حيث امتلأت كتابات داروين وكتبه كلها بكلمات الافتراض والاحتمال: قد وربماومن المحتملوقد يكون وإذا كان واحتمال ولو كان كلامي صحيحاً.
وإليكم مثالاً عملياً من خرافات الناس في مثل هذا التهجين المضحك أو (النتاج المركب) الخيالي والتي ذكرها الجاحظفي نفس الباب وبعد العنوان السابق مباشرة صـ 142 :
"زعم في الزرافة...
زعموا أن الزرافة خلق مركب من بين الناقة الوحشية وبين البقرة الوحشية وبين الذيخ وهو ذكر الضباع؛ وذلك أنهم لما رأوا أن اسمها بالفارسية أشتر كاو بلنك؛ وتأويل أشتر بعير، وتأويل كاو بقرة، وتأويل بلنك الضبع؛ لأن الضباع عرج؛ كذلك الذكر والأنثى يكون بهما خماع؛ كما عرض للذئب القزل -وكل ذئب أقزل- وكما أن كل غراب يحجل كما يحجل المُقيد من الناس؛ وكما أن العصفور لا يمشي؛ ومشيه أن يجمع رجليه أبداً معاً في كل حركة وسكون، وقولهم للزرافة أشتر كاو بلنك اسم فارسي، والفرس تسمي الأشياء بالاشتقاقات؛ كما تقول للنعامة: اشتر مرغ، وكأنهم في التقدير قالوا: هو طائر وجمل؛ فلم نجد هذا الاسم أوجب أن تكون النعامة نتاج ما بين الإبل والطير، ولكن القوم لما شبهوها بشيئين متقاربين؛ سموها بذينك الشيئين، وهم يسمون الشيء المر الحلو ترش شيرين وهو في التفسير حلو حامض، فجسر القوم فوضعوا لتفسير اسم الزرافة حديثاً؛ وجعلوا الخلقة ضرباً من التراكيب؛ فقالوا: قد يعرض الذيخ في تلك البلاد للناقة الوحشية فيسفدها(أي يجامعها)، فتلقح بولد يجيء خلقه ما بين خلق الناقة والضبع؛ فإن كان أنثى فقد يعرض لها الثور الوحشي فيضربها(أي يجامعها)؛ فيصير الولد زرافة، وإن كان ولد الناقة ذكراً عرض للمهاة فألقحها فتلد زرافة، فمنهم مَن حجر البتة أن تكون الزرافة الأنثى تلقح من الزرافة الذكر، وزعموا أن كل زرافة في الأرض، فإنما هي من النتاج الذي ركبوا؛ وزعموا أن ذلك مشهور في بلاد الحبشة، وأقاصي اليمن، وقال آخرون: ليس كل خلق مركب لا ينسل ولا يبقى نجله ولا يتلاقح نسله، على ما حكينا من شأن الورشان والراعبي".
وهنا انظروا مرة أخرى لكلامه الحكيم الذي يختم به مثل هذه الخرافات وكأنه يتحدث بعين بصيرته إلى قرون قادمة مما ستلاقي قصص وخيالات لامارك وداروين أسماعاً وتصديقاً بما أفسد العلم باسم التطور بالفعل إذ يقول الجاحظ:
"وهؤلاء وما أشبههم يفسدون العلم، ويتهمون الكتب، وتغرهم كثرة أتباعهم ممَن تجده مستهتراً بسماع الغريب، ومغرماً بالطرائف والبدائع، ولو أعطوا مع هذا الاستهتار نصيباً من التثبت، وحظاً من التوقي، لسلمت الكتب من كثير من الفساد".
وقبل ترك هذا المجلد الأول من كتابه، نود نقل شيء هام جداً فطن إليه الجاحظمن تشابهات الإنسان مع الكثير من خلق الله (سواء القرود أو غيرها وحتى الأفلاك)، وكيف أنه في آحاد البشر لكل منهم تجد خُلقاً أو أخلاقاً من سائر الموجودات، حتى أنه أعطى هذا الباب عنواناً: (تسمية الإنسان بالعالم الأصغر) فقال :
" أو ما علمت أن الإنسان الذي خُلقت السموات والأرض وما بينهما من أجله كما قال عز وجل: "سخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه" إنما سموه العالم الصغير سليل العالم الكبير، لما وجدوا فيه من جمع أشكال ما في العالم الكبير، ووجدنا له الحواس الخمس ووجدوا فيه المحسوسات الخمس، ووجدوه يأكل اللحم والحَب، ويجمع بين ما تقتاته البهيمة والسبع، ووجدوا فيه صولة الجمل ووثوب الأسد، وغدر الذئب، وروغان الثعلب، وجُبن الصفرد، وجمع الذرة، وصنعة السرفة، وجود الديك، وإلف الكلب، واهتداء الحمام، وربما وجدوا فيه مما في البهائم والسباع خلقين أو ثلاثة، ولا يبلغ أن يكون جملاً بأن يكون فيه اهتداؤه وغيرته، وصولته وحقده، وصبره على حمل الثقل، ولا يلزم شبه الذئب بقدر ما يتهيأ فيه من مثل غدره ومكره، واسترواحه وتوحشه، وشدة نكره، كما أن الرجل يصيب الرأي الغامض المرة والمرتين والثلاث، ولا يبلغ ذلك المقدار أن يقال له داهية وذو نكراء أو صاحب بزلاء، وكما يخطئ الرجل فيفحش خطؤه في المرة والمرتين والثلاث، فلا يبلغ الأمر به أن يقال له غبي وأبله ومنقوص. وسموه العالم الصغير لأنهم وجدوه يصور كل شيء بيده، ويحكي كل صوت بفمه".
ومما سبق يتبين لنا أن الذين نسبوا كلاماً تطورياً للجاحظ، إما انهم فعلوا ذلك على وجه الغش والتدليس، وإما على وجه الجهل والغفلة إذ لم يقرأوا كلامه أبداً وإنما نسخوا ولصقوا ما قاله المستشرقون عنه (والمستشرق هو الرجل الأجنبي الذي يهتم بدراسة الحضارات والأمم الشرقية مثل الأمة العربية والإسلامية)، أو أن أجنبياً هو الذي ترجم أو قرأ كلام الجاحظولكن بغير فهم تام للغة إلى درجة عدم التفريق بين المعاني وبين ما ينقله الجاحظ موافقاً عليه وما ينقله ساخراً منه وغير متقبلٍ له.
ولعل النقل الأخير التالي سيؤكد لنا الصنف الأخير تماماً والذي ربما بالفعل هو ما اعتمد عليه داروين وغيره في قصص وافتراضات تطور الإنسان على الخصوص، وزعمهم وجود حلقات وسيطة بين البشر وأسلاف شبيهة بالقرود أو الحيوانات عموماً.
حيث سيذكر لنا الجاحظ الآن كلاماً عن (الدهريين) وهم الملاحدة والماديين في عصره والذين يؤمنون بأن كل شيء مادي يمكنه مع طول الوقت (وهو نفس كلام داروين والتطوريين!!) أن يغير في الطبائع أو الأجساد بغير حاجة إلى التدخل الإلهي أو المعجزات أو حتى المسخ المذكور في القرآن بين ليلة وضحاها.
حيث يقول الله تعالى في سورة المائدة الآية 60:" قل هل أنبئكم بشرٍ من ذٰلك مثوبةً عند الله مَن لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعَبَدَ الطاغوت أولٰئك شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل".
حيث خصص لها الجاحظ في (المجلد الرابع) باباً للقردة والخنازير وصفاتهم وهوان أخلاقهم بعنوان: (هوان شأن القرد والخنزير)، فذكر فيها مسخ الله لبعض بني إسرائيل قردة وخنازير جزاء سوء فعالهم وصنيعهم، وكيف أن الدهريين (وهم الذين يمثلهم التطوريين والماديين والملاحدة في عصرنا الحاضر) عارضوا ذلك الإعجاز الإلهي، ورفضوا الاعتراف به إذا كان خارج أفعال الطبيعة ونواميسها وسننها، وذلك لأنهم لا يؤمنون إلا بما كان في الطبيعة ويمكن تفسيره من الطبيعة (ولذلك يسميهم البعض طبائعيين) وهؤلاء كان لهم في المسخ موقفين أو فريقين عرضهما الجاحظ ها هنا...
فأما أحدهما فقد عارض وقوع المسخ أصلاً وأنكره، وأما الخسف فقال أنه ممكن وقوعه مثل الزلازل وغيره.
وأما الفريق الآخر فهم الذين تقبلوا إمكانية تحول بعض الناس إلى قرود بشرطأن يكون ذلك بعيداً عن أي تدخل إلهي أو معجزة أو عقاب أو آية، حيث يبدو أنهم انخدعوا بالقصص الشعبية والخرافية عن بعض البلدان والقبائل التي كان الناس فيهايلبسون ذيولاً للحيوانات ويلبسونفراءهم وشعورهم ليخيفوا الغرباء أو أثناء الإغارة على غيرهم؛ فحسبهم بعض الجهال والسذج كائنات بين البشر والحيوانات (يعني حتى لم يكن اللباس خاصاً بذيول وشعور نوع واحد كما يتمنى التطوريون ولكن أنواع مختلفة من الحيوانات)، حيث نقل الناس قصصاً لرؤيتهم لهم بذيول كذيول التماسيح، والأسود، والبقر، والخيل، وأذناب كأذناب السلاحف، والجرذان (يعني حتى ذيل القرود أو الشيمبانزي أو أشباههما لم تحظى بشعبية بين هذه الحكايات).
ثم نقل الجاحظ كلام أولئك الدهريين المتقبلين للمسخ (أو التحول الطبيعي بمرور الوقت) أنه يمكن وقوعه بتأثير تغير الجو والبيئة والهواء والماء مع عدم انتقال هؤلاء الناس لمكانهم لفترة طويلة (بماذا يذكرنا هذا الكلام؟ وهل ممكن أن يكون هذا ما نقله داروين وتأثر به حرفياً من كتاب الجاحظ فترك كل كلامه العاقل وأخذ هذه القصص والخرافات؟!).
وهكذا تحول المسخ من عقاب بين ليلة وضحاها إلى عملية تحول طبيعية وبطيئة على مدار الزمن، وإليكم نص كلامهم كاملاً كما نقله عنهم الجاحظ :
"القول في المسخ...
فأما القول في نفس المسخ فإن الناس اختلفوا في ذلك: فأما الدهرية فهم في ذلك صنفان: فمنهم مَن جَحد المسخ وأقر بالخسف والريح والطوفان، وجعل الخسف كالزلازل، وزعم أنه يقر من القذف بما كان من البرد الكبار؛ فأما الحجارةفإنها لاتجيء من جهة السماء، وقال: لست أجوز إلا ما اجتمعت عليه الأمة أنه قد يحدث في العالم، فأنكر المسخ البتة.
أثر البيئة...(وانظروا هنا كلامهم عن التكيف وإنزاله بمعنى التحول)
وقال الصنف الآخر: لا ننكر أن يفسد الهواء في ناحية من النواحي فيفسد ماؤهم وتفسد تربتهم، فيعمل ذلك في طباعهم على الأيام، كما عمل ذلك في طباع الزنج، وطباع الصقالبة، وطباع بلاد يأجوج ومأجوج،وقد رأينا العرب وكانوا أعراباً حين نزلوا خراسان، كيف انسلخوا من جميع تلك المعاني، وترى طباع بلاد الترك كيف تطبع الإبل والدواب وجميع ماشيتهم: من سبع وبهيمة، على طبائعهم، وترى جراد البقول والرياحين وديدانها خضراء، وتراها في غير الخضرة على غير ذلك، وترى القملة في رأس الشاب الأسود الشعر سوداء، وتراها في رأس الشيخ الأبيض الشعر بيضاء، وتراها في رأس الأشمط شمطاء، وفي لون الجمل الأورق، فإذا كانت في رأس الخضيب بالحمرة تراها حمراء، فإن نصل خضابه صار فيها شكلة، من بين بيض وحمر، وقد نرى حرة بني سليم، وما اشتملت عليه من إنسان، وسبع، وبهيمة، وطائر، وحشرة فتراها كلها سوداء، وقد خبرنا مَن لا يحصى من الناس أنهم قد أدركوا رجالاً من نبط بيسان، ولهم أذناب(أي ذيول) إلا تكن كأذناب التماسيح والأسد والبقر والخيل؛ وإلا كأذناب السلاحف والجرذان، فقد كان لهم عجوب طوال كالأذناب، وربما رأينا المَلاح النبطي في بعض الجعفريات على وجهه شبه القرد، وربما رأينا الرجل من المغرب فلا نجد بينه وبين المسخ إلا القليل، وقد يجوز أن يصادف ذلك الهواء الفاسد، والماء الخبيث، والتربة الردية، ناساً في صفة هؤلاء المغربيين والأنباط، ويكونون جهالاً، فلا يرتحلون؛ ضنانة بمساكنهم وأوطانهم، ولا ينتقلون، فإذا طال ذلك عليهم زاد في تلك الشعور، وفي تلك الأذناب، وفي تلك الألوان الشقر، وفي تلك الصور المناسبة للقرود، قالوا: ولم نعرف، ولم يثبت عندنا بالخبر الذي لا يُعارض، أن الموضع الذي قلب صور قوم إلى صور الخنازير، هو الموضع الذي نقل صور قوم إلى صور القرود، وقد يجوز أن تكون هذه الصور انقلبت في مهب الريح الشمالي، والأخرى في مهب الجنوب، ويجوز أن يكون ذلك كان في دهر واحد؛ ويجوز أن يكون بينهما دهر ودهور، قالوا: فلسنا ننكر المسخ إن كان على هذا الترتيب؛ لأنه إن كان على مجرى الطبائع، وما تدور به الأدوار، فليس ذلك بناقض لقولنا،

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق