الاثنين، 31 أكتوبر، 2016

تجربة الجزائر في ترقية سياسة التشغيل

تجربة الجزائر في ترقية سياسة التشغيل
     لقد عرف مسار الاقتصاد الجزائري مرحلتين مهمتين خلال هذه الفترة ، فقد شهدت نهاية الثمانينات وبداية التسعينات ارتفاع كبير لمعدلات البطالة التي  كان لها بالغ الأثر على الاقتصاد الوطني، وذلك يرجعه أغلب الاقتصاديين إلى مخلفات الأزمة الاقتصادية المتمثلة في انخفاض سعر البترول ، وكذلك أزمة الديون العالمية التي استدعت انتهاج سياسة تقشفية ، شملت كذلك مجال الشغل.، أما المرحلة الموالية التي عرفت انتهاج سياسة تنموية توسعية من خلال برنامجي الانعاش الاقتصادي ودعم النمو الذين كان لهما وقع على عالم الشغل من خلال انخفاض نسبي في نسبة البطالة .


III-1- المرحلة الأولى: مرحلة الاصلاحات:
  عرفت المرحلة الأولى من فترة الدراسة بين 1990/2000 وضع حرج مر به الاقتصاد الوطني ، وذلك بعد الأزمة البترولية لسنة 1986 أين هوى سعر البترول إلى أدنى مستوياته، مما أثر على إيرادات الدولة , وقلص من دورها في مختلف القطاعات خاصة الجانب الاجتماعي، وبالأخص قطاع الشغل,
  كما عرف تطور سوق العمل خلال الفترة 1990-2000، عدة مراحل ، أهمها مرحلة التعديل الهيكلي من سنة 1994 إلى غاية 1997 ،(8) أين اتبعت الجزائر توصيات البنك الدولي و صندوق النقد الدولي التي تحث على رفع الدولة يدها على الجانب الاجتماعي باعتباره قطاع غير منتج. مما أثرعلى واقع الشغل. 
ويجب الإشارة إلى أن الجزائر باشرت عدة إصلاحات في هذه الفترة ، وذلك لأن الاقتصاد الوطني كان يواجه عدة عقبات بفعل التبعية المفرطة للمتغيرات الخارجية (9) : 
-           تبعية ناتجة عن التصدير الأحادي المتمثل في النفط، تخضع موارده المالية لمتغيرة خارجية، تتمثل في أسعار البترول في السوق العالمي و قيمة الدولار؛
-           تبعية غذائية للسوق العالمي و إنتاج زراعي يتوقف على كمية الأمطار السنوية؛
-           تبعية في التكنولوجية المستوردة و من ثم تبعية للعقل المفكر الخارجي؛
-           و أخيرا تبعية مالية، بفعل المديونية الخارجية.
أ- برنامج التعديل الهيكلي وواقع الشغل:
        لقد عرف قطاع الشغل أزمة حادة خلال تطبيق برنامج التعديل الهيكلي ، بسبب الشروط المفروضة من قبل صندوق النقد الدولي التي تمحورت أغلبيتها في انتهاج سياسة واسعة المجال، والتركيز على مصادر النمو الاقتصادي. وهذا ما كان له بالغ الأثر على معدل البطالة فقد عرفت تزايد مستمرا خلال سنوات البرنامج بسبب عمليات تسريح الجماعي للعمال نظرا لإجراءات إعادة الهيكلة الصناعية من جهة وانتهاج لنهج الخوصصة الذي كان له دور كبير في تفاقم الظاهرة ..
     فقد قدر عدد المؤسسات التي لم تدرج ضمن الاستقلالية المالية 1.323 مؤسسة تشغل 220.000 عامل، والتي أحيلت إلى الخوصصة بمعدل 2,5 % سنويا. مما يؤكد بطء وتدّرج العملية تفاديا لكل أشكال المعارضة والاحتجاج، التي من شانها أن تعرقل المسار الجديد للدولة. أما المؤسسات المفتوحة للأجراء فقد تم التنازل عن% 1000 مؤسسة لفائدة العمال والذين يقارب عددهم 20.000 من مجموع 50.000 عامل، أي بمعدل% 13. سنوي.(10)
    كما تؤكد المعطيات الكمية المتاحة أن عدد العمال المسرحين قد تجاوز 500 ألف خلال الفترة 94ـ97 نتيجة تصفية و خوصصة حوالي 633 مؤسسة محلية و 268 مؤسسة عمومية و 85 مؤسسة خاصة، أي بمجموع 986 مؤسسة  تأتي في مقدمة ذلك من ناحية القطاعات الإقتصادية مؤسسات البناء و الأشغال العمومية ب 61.59٪ تليها مؤسسات القطاع الخدمي ب 21.07٪ ثم المؤسسات الصناعية ب 15.81٪ و إن كانت هذه الأخيرة تحتل المرتبة الثانية إذا استثنينا المؤسسات المحلية ب 21.15 بعد المؤسسات العمومية لقطاع البناء و الأشغال العمومية التي تحتل المرتبة الأولى ب 59.89٪ التي تعتبر الأكثر تضررا لتحل مؤسسات القطاع الخدمي في المرتبة الثالثة ب 17.55٪ أما القطاع الزراعي فهو القطاع الأقل تضررا من ناحية التشغيل ب 1.42٪الأمر الذي يزيد في تعقيد وضعية البطالة في الجزائر المعقدة أصلا. فالبيانات الإحصائية للديوان الوطني للإحصاء تبرز أن عدد البطالين في الجزائر لسنة 1997 قد تجاوز 2.3 مليون بطال ليصل سنة 2001 إلى 2.5 مليون بطال مقابل 2.4 مليون لسنة 2000 وهذا الارتفاع كان راجع بالدرجة الأولى إلى الأسباب التالية:
1-         استمرار عمليات تسريح العمال.
2-         تراجع الاعتماد على القطاع العام في خلق مناصب الشغل، بسبب التوجه نحو اقتصاد السوق.
3-         ضعف القطاع الخاص في مساهمته في خلق مناصب الشغل.
ب- مجهودات الدولة في  ترقية قطاع التشغيل خلال الفترة 1990/2000:
     ب-1- التخصيصات المالية لقطاع الشغل:
      لقد عرف قطاع التشغيل تخصيصات مالية ضمن الميزانية العامة ، لكن هذه التخصيصات لم تسلم هي الأخرى من التقليص جراء تطبيق برنامج التعديل الهيكلي وسياسة التقشف المنتهجة في تلك الفترة، مما أثر على حلق مناصب الشغل .
فقد عرفت بداية التسعينات ( المرحلة الانتقالية نحوى اقتصاد السوق) تطور ملحوظ في معدل البطالة ، بحيث سجلت الفترة 1990-1995 انخفاض كبير في عرض العمل وبالتالي زيادة معدل البطالة الذي وصل إلى 23.15% 1993 ليرتفع إلى 24.36% سنة  1994ثم إلى 28.10% سنة 1995، نظرا لانخفاض المعدل السنوي لخلق مناصب العمل الذي انخفض إلى حوالي 50000 منصب شغل ما بين 1990 و 1995.
      وبالمقابل عرفت سياسة الانفاق العام نهجا تقشفيا ، وهو ما يبينه الجدول أعلاه ، من تدني نسبة الانفاق العام بالنسبة لPIB ، بحيث انخفضت نسبة النفقات العامة من 32.8% سنة 1993 إلى 31%  سنة 1994، لتصل إلى 28.2% سنة1996 من ال PIB، وكان هذا التوجه في تقليص النفقات العامة ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي بالتعاون مع المؤسسات المالية الدولية، والملاحظ كذلك قلة التحويلات المخصصة للتشغيل خلال هذه الفترة بحيث انتقلت من 2000مليار دج سنة 1993 إلى 3000مليار دج سنة 1997 خلال أربع سنوات لتصل إلى 3800 مليار دج سنة 1998، بحيث كانت هذه الزيادات جد بطيئة مما أثر على خلق مناصب الشغل وزيادة معدل البطالة. ورغم ارتفاع هذه المخصصات إلى 6250 مليار دج بنسبة زيادة تقدر ب64.47% سنة 1999،و 7900 مليار دج بنسبة زيادة  26.4% سنة 2000، إلا أن معدل البطالة واصل الارتفاع الى28.71 % سنة 1999 و 29.4% سنة 2000.وكان السبب عدم تعافي الاقتصاد الوطني من مخلفات برنامج التعديل الهيكلي.
    نفقات التجهيزعرفت تذبذب ملحوظ فقد انخفضت من 8.3% من الناتج الداخلي الخام سنة1990الى 6% سنة 1991 ، لترتفع إلى 8.6 سنة1993 وبقيت نسبتها مستقرة ما بين 8% 7% بين سنتي 1994 و 1998، وبالتالي عرفت هذه الفترة بطء لعجلة المشاريع الاستثمارية ومناصب الشغل كما يوضحه الجدول الموالي:
يلاحظ قلة عدد مناصب العمل التي تم خلقها في هذه الفترة وهو ما لم يغير من معدل البطالة الذي بدأ يراوح مكانه ما بين 28% و 29%. بخلاف سنة 2000 التي عرفت نوعا ما انتعاش في مناصب الشغل.
ويرجع السبب في انخفاض مناصب العمل، أساسا إلى نقص الوعي الاقتصادي للمستثمرين الخواص. فأغلب المستثمرين إستغلوا الامتيازات الضريبية لتحقيق أغراضهم الشخصية، بهدف تحقيق أكبر ربح ممكن وفي أقرب وقت، وميولهم إلى النشاطات الاستثمارية التي تنخفض فيها كثافة اليد العاملة ورأس المال، ولا تتطلب تقنيات عالية، دون المبالاة بمساعي الدولة وأهدافها، من جراء حرمان خزينتها من الإيرادات الضريبية. وهذا ما ينعكس سلبا على مستوى التشغيل، في الوقت الذي تواجه فيه البلاد ظاهرة البطالة المتفشية.(11)
ب-2- أجهزة وبرامج التشغيل المستحدثة بهدف القضاء على البطالة:
     لقد تم استحداث برامج وأجهزة منذ بداية التسعينات ، بهدف امتصاص البطالة وخلق مناصب الشغل عديد فئات المجتمع، والجدول المالي يشرح هذه الأجهزة:
الجدول رقم(3)أجهزة وبرامج الشغل المستحدثة:
الهيئات    الوصاية   المهام     الفئات المستهدفة
الوكالة الوطنية للتشغيل ANEMأنشأت عام 1990   وزارة التشغيل و التضامن الوطني          -ضبط سوق العمل
تنفيذ برامج خاصة بالتشغيل      - كل طالبي مناصب شغل
وكالة التنمية الاجتماعية أنشأت عام 1996
( ADS )            وزارة التشغيل
و التضامن الوطني مصالح رئاسة الحكومة إعانة السكان المحرومين
ترقيةو تطوير التشغيل            - الأشخاص بسن 60 فما أكثر بدون مداخيل- الأشخاص القادرين على العمل بدون مداخيل والجامعيين و التقنيين الساميين والباحثين عن أول منصب شغل
الوكالة الوطنية لدعم تشغيل
ANSEJ الشباب 53 فرع جهوي أنشأ عام 1996  - مصالح رئاسة الحكومة
 وزارة التشغيل
والتضامن الوطني.   الإعانة على إنشاء النشاط
بالنسبة للشباب العاطل عن العمل.           طالبي مناصب الشغل سنهم بين35 سنة – 19مع إمكانية التوسيع لذوي40 سنة.
الصندوق الوطني
للتأمين عن البطالة1994
            - وزارة العمل
والضمان الإجتماعي - إدماج العاطلين على العمل الذين يستفيدون من التأمين على البطالة         - العاطلين من 50 سنة – 35
المسجلين منذ 6 أشهر على الأقل لدى الوكالة الوطنية للتشغيل.
- المستفيدين من الصندوق الوطني للتأمين على البطالة. 
الوكالة الوطنية لتسيير التشغيل جانفي 2004          وزارة التشغيل
و التضامن الوطني   - تسيير القروض المصغرة      - النساء بالمنازل- الحرفيين الصغار المستفيدين من الشبكة الإجتماعية –  الشباب العاطلين عن العمل.
المصدر : المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي.
     وتميزت هذه البرامج والأجهزة المستحدثة في معظمها أن أغلب الوظائف الجديدةالتي تم خلقها  تتميز بكونها مؤقتة، اذ لم يتجاوز معدل التوظيف الدائم  %3 في المتوسط ، وهي نسبة بعيدة عن التوقعات المقدرة ب 10 %. كما أن توزيع الوظائف ظل مرتكزا في قطاع الخدمات ب 75 %منها 23 % في الادارة، أما البقي فيمثل 22 % لقطاع البناء والأشغال العمومية و 6 % للنشاط الزراعي و 2 % فقط للنشاط الصناعي. الشيئ الذي يبين أن هذين القطاعين ليسامن اهتمامات البرامج التنموية للجماعات المحلية لتلك الفترة.
ج- نتائج مرحلة التسعينيات على معدل البطالة :
        لقد كان لإجراءات الإصلاح الاقتصادي التي باشرتها الجزائر في بداية التسعينيات  وخاصة من خلال برنامج التعديل الهيكلي أثر بالغ على واقع الشغل، باعتبارها كانت تنتهج النهج الاشتراكي الذي أعطى أهمية بالغة للمؤسسات العمومية التي كانت تشغل ل 65% من اليد العاملة، ولكن الأزمة البترولية لسنة 1986 كشفت عن هشاشة الاقتصاد الوطني في مواجهة مثل هذه الأزمات  والذي تلزم على الدولة إعادة هيكلة هذه المؤسسات مما أفرز نتائج جد وخيمة على واقع الشغل من خلال تسريح  للعمال ، والاحصائيات تؤكد أن معدل البطالة واصل الارتفاع خلال هذه الفترة بنسب عالية رغم المجهودات المبذولة ، من خلال عمل أجهزة التشغيل والتي أجمع المتتبعون على أنها لم تأتي بحلول جذرية بل حلول ترقيعية فقط,
الجدول رقم(4): تطور معدل البطالة حسب السن.

وبنظرة شمولية للظاهرة  وحسب الإحصائيات المتوفرة فقد بدأت الأزمة تتفاقم في بداية التسعينيات ، من خلال ارتفاع كبير في معدل البطالة من 23.15 % سنة 1993 إلى 28.10% سنة 1995 ثم  الى28.71 % سنة 1999 و 29.4% سنة 2000. وذلك ما يوضحه الشكل البياني الموالي:
الشكل البياني رقم (4): تطور معدل البطالة خلال الفترة 1990/2001.

                    








  كما ارتفع  معدل البطالة في أواسط حاملي الشهادات من 11.9% سنة 1992 إلى 19.07% سنة 1997 ، منهم 48% متحصلون على شهادة الليسانس، و35% مهندسين ، وباقي الشهادات 17% (12)
    وهذا الوضع دفع  توسع النشاطات غير الرسمية مما يجعلها تحرف قراءة مستوى البطالة و المداخيل على حد السواء بما في ذلك النشاطات غير المصرح بها كليا أو مصرح بها جزئيا حيث تم تقدير نسبة تزايد مناصب الشغل غير الرسمية ب 8,41 % سنويا في حين أن نسبة تزايد مناصب الشغل المنظمة لا يتطور إلا بنسبة 2,52 % في الفترة بين سنتي 1993 و.1998 (13) و (14)
   وهذا الوضع يدفعنا لطرح السؤال التالي : هل البطالة التي تعاني منها الجزائر هي بطالة هيكلية-structurel - أم بطالة إحتكاكية-frictionnel-؟ ، وذلك أن المرحلة الإنتقالية أفرزت عدة نتائج فمن جهة نلاحظ أن الأزمة ألقت بظلالها على سوق الشغل  وسوق السلع والخدمات ، وكذلك كان هنانتيجة مفادها إتساع شريحة عديمي المستوى أي بدون مؤهلات تقودهم للحصول على شغل، لذلك فإنه من الأولوية البدأ في حملة تكوين واسعة لهذه الشريحة باعتبارها جد واسعة. (15)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق