الجمعة، 7 أكتوبر، 2016

نهر الفرات

تعريف نهر الفرات
       يُعد نهر الفرات احد الموارد الطبيعية المهمةفي العراق وبهذا فقد كان العراق يعد من البلدان الغنية بالمياه الداخلية مقارنة بالبلدان المجاورة.
         وعليه سنعمل من خلال هذا الفرع على تحديد مفهوم نهر الفرات  من حيث المدلول اللغوي لهذه الكلمة فضلاً عن المفاهيم العامة لهذه الكلمة . ومن ثم نتناول بعدها التأصيل التاريخي لحقوق أبناء الرافدين بمياه نهر الفرات ، وسيتم ذلك من خلال المقاصد الآتية :-

أولا : مفهوم الفرات لغة
    فرت : الفُراتُ : أشدُّ الماء عُذوبةً . ، وقد فَرُتَ الماءُ يَفُرُتُ فُروتةً إِذا عَذُبَ ، فهو فُراتُ : كالواحد : وهو أسم  نهر معروف بالكوفة([3]).
ثانياً : مفاهيم عامة عن نهر الفرات
     لقد ورد ذكر الفرات في القرآن الكريم في عدة مواضع وكلها تدل على العذوبة والنقاء قوله تعالى (مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملحُ أُجاج وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً)([4]).
     كما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حينما عرج إلى السماء الدنيا وجد عليه الصلاة والسلام نهرين عظيمين مُطرَّدين ماء فقال (صلى الله عليه وسلم) لجبريل عليه السلام (ما هذان النهران يا أخي جبريل ، قال هذان النيل والفرات عنصرهما أي أصلهما من الجنة ) (رواه مسلم )([5]).
    كما ورد ذكر نهر الفرات  في الكتاب المقدس (القديم والجديد) لما له من دور حيوي في حياة سكان بلاد ما بين النهرين فجاء في سفر التكوين(14:2)( نهر يخرج من عدن فيسقي الجنة ومن ثم يتشعب فيصير أربعة رؤوس اسم احدها فيشون واسم الثاني جيجون وهو المحيط بأرض الحبشة كلها والنهر الثالث حد اقل وهو الجاري في شرق أشور والنهر الرابع هو الفرات)([6]).
     أما الصابئة المندائيين فإنهم من اشد الديانات تقديساً لنهر الفرات حيث يتم التعميد في مياهه لكي يتسنى للشخص الدخول في الديانة المندائية ، فقد جاء في نص من كنزا ربا(صغيراً أنا بين الملائكة الأثريين طفلاً أنا بين النورانيين ولكني أصبحت عظيماً لأني شربت من ثغر الفرات)([7]).
     كما وتجدر الإشارة إلى أن الباحثين اختلفوا حول أصل تسمية هذا المورد المائي ، فمنهم من رأى([8]) أن الاسم أطلق نسبة إلى الفراتين الأوائل وهم قوم نزحوا من شبه الجزيرة العربية وسكنوا ضفاف النهر وأنشئوا حضارة ترتكن على الانتفاع من مياه هذا النهر الذي بفضلهنشأت أولى الحضارات .
    في حين ينسب آخرون التسمية – ( الفرات )- إلى لغات الحضارات القديمة التي عاشت في هذه البقعة حيث أطلق السومريين عليه أسم (بورا نونو) والآشوريين ( بورانم ) أي السيل العظيم ، وفي اللغة الآرامية (فروت) ومعناها النمو والخصب([9]) ولاسيما أن نهر الفرات حينما يمر بين التلال والوديان تنتشر الخضرة وتحيى الحياة في ربوعه ، أما العرب فقد أطلقوا على هذا المجرى المائي أسم الفرات نظراً لعذوبة ونقاء هذا المورد المائي ، وعليه فإن تسميته بهذا الاسم قد تمت من قبل سكان ما بين النهرين!
    ويعد نهر الفرات واحداً من أهم الأنهار في العالم نظراً لما يتسم به من أهمية تاريخيه حيث تشير الدراسات التاريخية إلى إن أول موطئ قدم للإنسان في التأريخ كان على ضفاف هذا النهر([10]) ، الذي ينبع من الأجزاء الشمالية الشرقية منالأراضي التركية من منطقة يزيد ارتفاعها على 3000م فوق سطح البحر ويتألف النهر في منابعه العليا من فرعين رئيسين هما فرات صو ومراد صو اللذان يكونان المجرى الرئيس لنهر الفرات ،وهذا ما حدا بتركيا إلى التحكم في مجراه الأعلى ومنابعه ؛ ويبلغ طول النهر من منبعه إلى مصبه أكثر من 2700 كيلو متر منها 420 كيلو متر بتركيا ، 680 كيلومتر في سوريا  ، 1200 كيلو متر بالعراق ،أما مساحة  حوضه فتبلغ حوالي (444000) كم2 40% منها في الأراضي العراقية([11]) ،لذلك فإن نسبة كبيرة من أبناء هذا البلد والذي يطلق عليهم الفراتين يمثل نهر الفرات الشريان الحيوي لحياتهم وبقائهم ، فلو نظرنا إلى الإحصائيات السكانية لوجدنا أن (9128403) نسمة في العراق يعتمدون على مياه نهر الفرات من حيث استخدامه في حياتهم اليومية المعيشية وفي  الزراعة والصيد وتربية الحيوانات .... الأمر الذي جعل لهم (حقوق ثابتة أصلية ) في مياه نهر الفرات([12]) .
   كما ويتسم نهر الفرات بكونه نهر فيضاني غير منتظم الجريان ، ويتدفق حوالي نصف وارده السنوي خلال فصلي (إبريل – نيسان ، مايو – أيار ) حاملاً معه كميات كبيرة من الطمي تبلغ تقريباً 100مليون طن([13]) ، ويتغذى هذا النهر في تركيا من مياه الأمطار والثلوج ، أما فيما يتعلق بمعدله السنوي الذي يمكن الارتكان إليه لتحديد حجم الجريان الطبيعي لنهر الفرات فإنه من غير الممكن تحديد ذلك ولاسيما أن تركيا ومنذُ بداية سبعينات القرن العشرين قامت بإنشاء سلسلة من السدود والمنشآت المائية والتي تتسم طاقتها التخزينية بكونها تفوق الطاقة الطبيعية لمياه نهر الفرات بما يزيد عن ثلاث مرات([14]) ، كما أن مجموع المياه المخزونة بمشروع الكاب وحده تبلغ حوالي (90) مليار م3 أي ثلاث أضعاف الوارد المائي للنهر([15]) ، وهذا ما يتعارض مع النظام القانوني الذي يحكم الاستخدام المشترك للأنهار الدولية والذي يفرض ان يكون استخدام المياه بصورة عادلة ومنصفة غير ضارة بالغير؛ وعليه فإن تركيا تعتدي على حقوق الدول المتشاطئة معها دون اكتراث لحقوقهم الثابتة حيث ترى تركيا "إن كلا من العراق وسوريا يتمسكان بمفهوم ( الحقوق المكتسبة ) لكليهما في مياه نهر الفرات في حين ترى تركيا ان مفهوم "الحقوق المكتسبة" الذي تتمسك به الدولتان ما هو إلا ادعاء واهن يستخدم لحمل تركيا على تصريف كمية أكبر من المياه ولحملها أيضاً على تقبل مثل هذا الأسلوب الضيق في التفكير، كما أنها تجد ان هذا المبدأ والمتمثل بـ( الحقوق المكتسبة ) غير معترف به دولياً"([16]).
     مما لاشك فيه ان للعراق حق في مياه نهر الفرات ، إلا أن هذا الحق ليس حقاً مكتسباً بل هو حق أصلي تتوفر فيه كل مقومات الحقوق الأصلية التي يتوجب ان تحوي على كل صور الحماية القانونية ، وهذا ما يقودنا إلى القول : إننا نتفق مع الجانب التركي  بتوصيفها للحقوق المكتسبة ولاسيما ان هذا النوع من الحقوق لديه قصور في الحماية القانونية وهذا مالم نجده في حق العراق الأصلي في مياه نهر الفرات.
     كما لا يفوتنا أن ننوه إلى حقيقة هامة مفادها ؛ أن العديد من الدول المتشاطئة على نهر الفرات اعتبرت أن السيطرة على المياه يمثل عنصر هام من عناصر الأمن القومي ! لذلك تعمل تركيا جاهدة على الاستحواذ على أكبر كمية من المياه دون مراعاة الدول المتشاطئة الأخرى ، حيث أن هذه الفكرة لم تكن وليدة الساعة بل سبقتها العديد من الدراسات فالمهندس وليم وليكوكس أعطى دراسة كاملة للدولة العثمانية عن نهر الفرات وأهميته للمناطق المتشاطئة وذلك في أواخر القرن التاسع عشر كما أن بريطانيا حينما احتلت العراق وفق معاهدة سايكس بيكو أعطت لهذا الموضوع أهمية ضمن خططها الإستراتيجية في العراق وأخذت بعين الاعتبار أهمية دراسات وليم وليكوكس([17]) .


[1]. القرآن الكريم : سورة فاطر ، الآية :12 .
[2]. القرآن الكريم : سورة الفرقان ، الآية 53 .
[3]. للإمام العلامة أبن منظور ، مرجع سابق ، ج10، ص207.
[4] . القرآن الكريم : سورة الفرقان ، الآية : 53.
[5].انهار الجنة ، انظر الرابط الالكتروني :www.du3at.com/vb/showthread.php?5576
[6].كما ورد نهر الفرات في العديد من المواضع في الكتاب المقدس : سفر التكوين 15: 18،سفر التثنية 1: 7،سفر التثنية 11: 24،سفر يشوع 1: 4،سفر صموئيل الثاني 8: 3، سفر الملوك الثاني 23: 29و غيرها. انظر الرابط الالكتروني على الموقع الآتي:  :الكتاب المقدس العهد القديم
[7]. انظر الرابط الالكتروني على الموقع الآتي  :الفرات – وكيبيديا – الموسوعة الحرة .http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%
[8]. عز الدين الخيرو ، الفرات في ظل قواعد القانون الدولي العام ، دار الجيل ، القاهرة ، 1975، ص160ومابعدها .
[9]. أنظر الرابط الالكتروني على الموقع الآتي : تأريخ نهر الفرات الخالد www.ugaidaat.com/Alfurat_alkhaled.htm
[10]. للمزيد حول هذا الموضوع أنظر : علي حسين صادق ، حقوق العراق المكتسبة في مياه الفرات ، رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية القانون ، جامعة بغداد ، 1976 . 
[11]. ومن التقاء نهرا دجلة والفرات يتكون شط العرب عند مدينة كرمة علي ومن ثم يجري شط العرب في الأراضي العراقية حتى جنوب مدينة البصرة بحوالي (21) كم ثم يصبح بعد ذلك حتى مصبه في الخليج العربي ولمسافة (80) كم حداً دولياً بين العراق وإيران. للمزيد انظر : فلاح شاكر أسود ، الحدود العراقية - الإيرانية ، دراسة في المشاكل القائمة بين البلدين ، مطبعة العاني ، جامعة بغداد ، 1970 ، ص94 . جاسم محمد خلف ، محاضرات في جغرافية العراق الطبيعية والاقتصادية والبشرية ، القاهرة ، 1961 ، ص 183ومابعدها . 
[12].وذلك حسب إحصائية عام ( 2004 ) والتي تمت الإشارة إليها في مؤلف ( محمد دلف احمد ألعبيدي وفواز احمد الموسى ، وادي نهر الفرات في سورية والعراق الطبيعة والسكان ، كتاب منجز من خلال التعاون المشترك ما بين جامعتي الانبار وحلب ، 2009 ، ص8.
[13]. د. إبراهيم سليمان عيسى ، أزمة المياه في العالم العربي – المشكلة والحلول الممكنة ، دار الكتاب الحديث ، القاهرة ، ط1، 1999، ص43.
[14]. عبد العزيز المصري ، دراسة حالة حوضي نهري دجلة والفرات ، دراسة قدمت إلى ندوة الأسس القانونية الدولية للمياه المشتركة والتي أقيمت تحت رعاية المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة وبالتعاون مع البنك الإسلامي للتنمية ، دمشق ،2002، ص27.
[15]. د. صبحي أحمد زهير العادلي ، النهر الدولي المفهوم والواقع في بعض أنهار المشرق العربي ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 2007، ص 290.
[16]. دراسة تقدمت بها وزارة الخارجية التركية ، المصدر السابق ، ص22.
[17]. السير ويليام ويلكوكس ، تقرير عن ري العراق ، ترجمة مديرية الري العامة ، مطبعة الحكومة ، بغداد ، 1937،ج1، مقدمة التقرير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق