الخميس، 13 أكتوبر 2016

إدارة الأعمال و الإدارة العامَّة

"إدارة الأعمال و الإدارة العامَّة"


هناك الكثير من الأسئلة التي تطرح في مسألة الإدارة، فمثلاً يُطرَحْ عادةً السؤال عن الفرق بين إدارة الأعمال وإدارة المنظمات الحكومية أو ما يُعرف بالإدارة العامّة، هلْ هما شيئاً واحداً أم أنّ هناكَ اختلاف بينهما ؟.
وللإجابة على هذا السؤال يجب علينا بداية تحديد بيئة كلٍ منهما، فالإدارة العامّة ترتبط بالدولة ومؤسساتها، بينما إدارة الأعمال ترتبط مباشرة بمشاريع الأعمال الهادفة إلى تحقيق الربح، أي بإدارة المشاريع على أسس اقتصادية(1)[1].
وعليه فقد تأثر وارتبط مفهوم الإدارة العامّة وممارستها في الفكر الإداري الغربي الحديث بالنظر إلى دور الدولة وتطوره من مفهوم الدولة الحارسة(2)[1] إلى مفهوم الدولة ذات الوظائف الاجتماعية والاقتصادية والذي بدأ يظهر في أعقاب الثورة الصناعية الَّتي أدَّت إلى فقدان الفرد للعائلة التي كانت تزوده بمجمل ما يحتاجه اجتماعياً؛ وبالتالي ظهرت الحاجة إلى قيام الدولة ببعض هذه الوظائف، أما على صعيد الفكر الإسلامي فقد قرَّر منذ البداية قيام الدولة بوظيفة اجتماعية واقتصادية بجانب الوظيفة السيادية.
وبغض النظر عن المشاركين في وضع الأهداف العامة، وهل تشترك فيه الإدارة العامة أم يضعها السياسيون فقط؟ فإنّ قيام الدولة بتحقيق أهداف عامّة يحتاج إلى جهاز إداري يحقق هذه الأهداف؛ وبالتالي تنشأ المنظمات العامة التي تهدف إلى تحقيق الأهداف العامة. ولقد زاد من أهمية الإدارة العامة الحربين العالميتين؛ حيث زادت الأعباء الملقاة على عاتق حكومات الدول لإعمار ما دمرته الحروب في ظلّ تحطم البنى الإنتاجية وندرة الموارد الطبيعية، وبعض الدول عانت من ندرة الموارد البشرية، كلّ هذا أدّى لإلقاء المزيد من الأهمية على الأسلوب الإداري المعتمد على العلم والمنهج العلمي الذي تتبعه الحكومات للتغلب على هذه الصعوبات. وقد قام الفكر الإداري في مجال الإدارة العامة9[1] في النصف الأول من القرن الماضي على تحليل طرق الأداء في العمل الحكومي، وإرجاعها إلى عنصرين متميزين وهما اتخاذ القرارات والتنفيذ. وكذلك اعتبار الإدارة العامة علماً يمكن تطبيق المنهج العلمي عليه. والسعي وراء تحقيق الكفاية في الوظائف العامة. أما في النصف الثاني من القرن الماضي فقد أخذ الفكر في مجال الإدارة العامة10 إلى الرجوع عن الفصل التام بين مجال السياسة والإدارة العامة. وخفت حدة السؤال فيما إذا كانت الإدارة العامة علم أم فن؟ وانه علم له قواعده التي تنطبق في جميع الأحوال والأزمان. وقد برزت أهمية التخطيط في هذه الفترة ووجدت دول كثيرة تأخذ بمبدأ التخطيط القومي.

* تعريف الإدارة العامّة:
يطلق مصطلح الإدارة العامّة ويراد به التمييز عن إدارة المشروعات الاقتصادية؛ حيث الهدف النهائي للإدارة العامة هو تقديم الخدمات اللازمة للحفاظ على المجتمع، وتتمثل الأهداف العامة في الأهداف الاقتصادية والأهداف الصحية والأهداف الجمالية.
وقد عرف عودة (1958م)11 الإدارة العامة بأنها العلم الذي يهتم بالكيف والكم الخاص بالحكومة، وعرفها الجمال (1952م)12[1]بأنها ذلك الضرب من النشاط الذي يهتم ببحث مجموع العمليات التي تهدف إلى تحقيق وتنفيذ السياسة العامة التي تؤمن بها الحكومة، كما عرفها بريزاس (1975م)13 بأنها علم وفن وضع وتنفيذ السياسة العامّة.

* الإدارة العامّة وإدارة الأعمال:
تتولى المنظمات العامة تحقيق أهداف عامة بينما تتولى منظمات الأعمال تحقيق أهداف خاصة بمالكيها، وهنا يجب علينا أن نفرق بين المنظمات العامة التقليدية (والتي غالباً تقوم على مفهوم الدور التقليدي للدولة والذي يحصرها في الدفاع والأمن والقضاء) ، وبين المنظمات العامّة لوظائف الدولة المستحدثة في المجال الاجتماعي والاقتصادي. فالظروف التي تعمل فيها كلا النوعين من المنظمات قد تختلف، ففي الحالة الأولى تكون الوظائف حكر على الدولة فمثلاً لا يستطيع الأفراد القيام بإنشاء وزارات للخارجية، أو إصدار عملة، أما في الحالة الثانية فيمكن للأفراد تأسيس منظمات تؤدي نفس مهام المنظمات العامة الاقتصادية كتقديم خدمة معينة (مياه أو كهرباء مثلاً). وحقيقة أنّ مدى اتساع أو ضيق وظائف الدولة سواء التقليدية أو المستحدثة يعتمد على تطور المجتمع ومدى اقترابه أو بعد من تطبيق فكرة الدولة الحارسة، فعلى سبيل المثال يمكن أن تكون الكهرباء مملوكة للدولة في مجتمعٍ معين بينما هي ملكية خاصة في دولة أخرى، أو ملكية مشتركة في دولة ثالثة وهكذا.
وعليه إذا ما قارنا بين المنظمات العامّة التقليدية ومنظمات الأعمال سنجد أنهما يختلفان في عوامل أساسية هامة، وعلى رأسها ما يلي:
1.     احتكار الدولة لخدماتها كالجيش وإصدار النقود.
2.     سلطة فرض القوانين والأنظمة والتعليمات المنظمة لسلوك أفراد المجتمع جميعاً سواء العاملين ضمن المنظمات الحكومية أو غير العاملين ضمنها.
3.     سلطة فرض القوانين والأنظمة والتعليمات لجمع الأموال عن طريق الضرائب والرسوم والجمارك(1)[1].
وهناك عوامل أخرى اختلف الكتاب فيها، فالبعض اعتبرها فروقاً جوهرية بينما الآخرون لم يعتبروها كذلك، وأهم هذه العوامل ما يلي14[1]:
1.     تهدف الإدارة العامة إلى تحقيق خدمة عامة، بينما تهدف منظمات الأعمال إلى تحقيق الربح.
2.     تلتزم المنظمات العامة بقاعدة المساواة بين المواطنين.
3.     يقوم الموظف في الإدارة العامة بتأدية عمله من خلال مركزه الوظيفي وليس الشخصي.
4.     عمل الإدارة العامة من خلال المنظمات العامة ذات الحجم الكبير.
بينما انتقد الفريق الآخر هذه العوامل بأنها لا تمثل فروقاً جوهرية بين المنظمات العامة ومنظمات الأعمال ، حيث أنّ أي منظمة تهدف في الأساس إلى تقديم خدمة (أو سلعة) مفيدة للمجتمع الذي تعيش فيه وإلا فإنها ستموت ولا تستمر. كما أن المساواة مفترضة سواء في المنظمات العامة أو منظمات الأعمال. أمّا الحجم فنلاحظ أن هناك منظمات أعمال من الضخامة بمكان وأن موازنتها تفوق موازنة وزارة.


(1) [1]  يُلاحظ في الوقت المعاصر امتداد مفهوم إدارة المنظمات على أسس اقتصادية حتى لو كانت غير هادفة إلى تحقيق الربح أو كانت منظمات عامّة.

(2) [1]   الدولة الحارسة أو الدولة السيادية هي التي تقوم بثلاث وظائف أساسية وهي الدفاع (ضد الأعداء الخارجيين) والأمن (للأفراد داخل المجتمع) والقضاء (لفض منازعات الأفراد وحفظ حقوقهم)، وأصحاب هذا الرأي لا يرون قيام الدولة بأي وظيفة ذات طابع اقتصادي أو اجتماعي.

(1) هذا العامل يؤدي إلى اختلاف أساسي في اعداد الموازنات، فعند اعداد الموازنة العامة تبدأ الدولة بتخطيط نفقاتها، بينما في حالة الموازنة في منشآت الأعمال تبدأ المنشأة بتخطيط ايراداتها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق