السبت، 8 أكتوبر 2016

المنهج وطبيعة مصادر المعرفة خصائص المجال المعرفي

الأسس المعرفية للمنهج

الذكاء من المميزات الأساسية للإنسان والمعرفة هي نتاج هذا الذكاء ولما كانت المعرفة أساسية في النمو الإنساني حيث لا ينمو بدونها فقد اعتبرت أحد أهداف التربية الرئيسية كما اعتبرت أساساً هاماً من الأسس التي يجب أن يراعيها المنهج الدراسي.

فواضع المنهج لا بد أن يسأل نفسه الأسئلة التالية:
       ما طبيعة المعرفة التي يجب أن يشتمل عليها المنهج ؟
       ما مصادر الحصول عليها ؟
       كيف يمكن للمنهج أن يحققها؟
       ما هي أنواع المعارف التي لها قيمة تعليمية وتسهم في تحقيق الأهداف العامة للتربية التي يعمل المنهج على تحقيقها ؟

المنهج وطبيعة المعرفة:
تتوقف طريقة التعلم والتعليم ومحتواها إلى درجة كبيرة على ما يفهمه الفرد من ماهية المعرفة ومن التعريفات التي ذكرت للمعرفة: أنها مجموعة المعاني والمعتقدات والأحكام والمفاهيم والتصورات الفكرية التي تتكون لدى الإنسان نتيجة لمحاولاته المتكررة لفهم الظواهر والأشياء المحيطة به وتتفاوت في طبيعتها فهي:
1.     معرفة مباشرة وغير مباشرة: عندما نقول عن إنسان أنه يعرف أن المعادن تتمدد بالحرارة فإن ذلك يعني أن معرفته تمت عن خبرة مباشرة أي عن علم ودراية,أما عندما نقول عن إنسان آخر أنه يعرف عن تمدد المعادن بالحرارة فإن معرفته هذه تمت بواسطة وسائل أو طرق غير مباشرة مثل الكتاب المدرسي أو غيره أي أن معرفته وصفية.ومن واجب المنهج أن يهتم بالمعارف المباشرة دون أن يهمل المعارف الغير مباشرة فالمنهج الواقعي يجب أن يتضمن كلا النوعين من المعرفة ويهتم بهما.
2.     المعرفة ذاتية وموضوعية: المعرفة هي نوع من العلاقة بين الإنسان العارف والشيء المعروف وأن نوع المعرفة هو الذي يعكس طبيعة العارف والمعروف وقد اختلف فلاسفة نظرية المعرفة حول ما إذا كانت المعرفة ذاتية أم موضوعية فمنهم من قال أن المعرفة ذاتية ومنهم من قال إنها موضوعية والبعض الآخر قال إنها ذاتية وموضوعية وهو القول الأرجح فالمعرفة نسبية حتى في العلوم الطبيعية أي لا توجد هناك معرفة مطلقة.

المنهج ومصادر المعرفة:
1.                 الحواس: هي مرشد أساسي نحو الحقيقة والمعرفة التي تتم عن طريق الحواس هي معرفة أصيلة لأن منافذ المعرفة على العالم الخارجي هي حواس الإنسان.فمن واجب المنهج وواضعه الاهتمام بحواس التلاميذ واستخدامها نظراً لوجود علاقة طردية بين كثيرة استخدامها في الحصول على المعرفة وبين زيادة سهولة المعرفة ومن واجبه أيضاً الإكثار من استخدام الوسائل الحسية المعنية التي تساعد التلاميذ على تحقيق تعلم نافع لهم.
2.                 العقل: وهو مصدر ثان من مصادر المعرفة ويقصد به عملية التفكير التي يقوم بها الإنسان وترتبط عملية التفكير ارتباطاً بالإدراك الحسي لأن محتوى إدراك الإنسان يتوقف على العمليات العقلية مثل التوقعات والذاكرة.ومن واجب المنهج والمعلم الاهتمام بالتفكير العقلي للتلاميذ والاهتمام بتوجيه مدركاتهم الحسية عن طريق الفهم العقلي.
3.                 الحدس: ليس نوعاً من الإدراك الحسي فالمعرفة التي تتم عن طريق الحدس هي معرفة ذاتية مباشرة ولا تأتي نتيجة تفكير منتظم فالحدس شكل من أشكال التعلم الذاتي لأن التعلم يحدث مباشرة من الداخل دون وسيط. فعلى المربين أن ينظروا إلى الحدس كمصدر للمعرفة له تأثيره في طريقة تدريسهم ومن واجب المنهج تشجيع التعلم الذاتي عند التلاميذ وتنميته بالوسائل المناسبة.
4.                 التقاليد: وهي ما خلفه السلف من الآباء والأجداد من تراث ثقافي كاللغة والدين والأخلاق وهذه المعرفة التي خلفها لنا الآباء والأجداد يتم استقبالها عن طريق العقل والحواس معا ًفالتقاليد بشكل خاص هي مصدر معرفة السلوك والأخلاق. ومن المسائل التربوية التي يدور حولها الجدل والنقاش مسألة ما يعطي من قيمة للمعرفة التقليدية وموقف المدرسة منها فالبعض يؤكد أن عمل المدرسة الأساسي هو نقل التراث الثقافي باعتباره المعرفة اللازمة للتلاميذ في حين يرفض البعض الآخر التقاليد ويعتبرها معرفة غير نافعة على أساس أن المعرفة النافعة في رأيهم هي التي تكون أصيلة نابعة من مصادر أولية وليست متوارثة عن السابقين. فمن واجب المنهج يتمثل في التنسيق بين المعرفة التقليدية والمعرفة الأصلية على أن تستخدم المعرفة الأصلية لتأكيد المعرفة التقليدية ومنحها الحيوية اللازمة وتستخدم المعرفة التقليدية كأساس لمساعدة وإنماء المعرفة الأصلية الضرورية.
5.                 الوجود ويقصد بالوجود الخبرة الذاتية والعمل التي تتحقق بواسطتهما المعرفة عند الإنسان ومن واجب المنهج أن يهتم بالخبرات الذاتية للتلاميذ وبتوفير فرص التعلم بشكل مناسب وواسع لهم.
6.                 الوحي والإلهام: وتتم عن طريق وحي الله سبحانه وتعالى إلى أشخاص مختارين         هم الأنبياء والرسل فالإلهام يعد هبة خاصة من الله لمن يشاء من عباده.

وهذه المعرفة لا نستطيع أن ننميها في المناهج وإنما نأخذها كما هي دون أي تدخل فيها ويكتفي بتفسيرها وبيان مقاصدها فمن واجب المنهج أن يعد التلاميذ للعمل بالمعرفة الملهمة من عند الله واحترامها واستقبالها يشكل طاعة وقدسية.

لا بد للمنهج أن يهتم بالمعرفة الحسية ,والمعرفة العقلية,والمعرفة التقليدية,والمعرفة الوجودية أو العملية ,والمعرفة الملهمة بشكل يؤكد وحدة المعرفة وتكاملها.

المنهج وخصائص المجال المعرفي:
لكل مجال خاصيتان أساسيتان هما:
       حصيلة من المعلومات
       طريقة متخصصة في البحث واكتساب المعرفة.

وحصيلة المعلومات في أي مجال معرفي تقسم إلى أربعة مستويات هي:
1- الحقائق النوعية:
وهي حقائق جزئية صغيرة تتطلب عمليات ومهارات محددة مثل قولنا أن بيروت عاصمة لبنان فمثل هذه الحقيقة هي على أبسط مستويات التجريد.والحقائق النوعية تعد معرفة ميته, وأن إتقانها لا يؤدي إلى أفكار جديدة ومن واجب المنهج أن يختار التفاصيل التي يدرسها التلاميذ بعناية وأن يربط بينها على نحو يساعد على تفسيرها في إطار الأفكار التي تخدمها.

2- الأفكار الأساسية أو الرئيسية:
تمثل الأفكار والمبادئ والقوانين بنية المادة الدراسية ومن أمثلتها القوانين الطبيعية والمبادئ الرياضية, ومن واجب المنهاج أن يجعل هذه الأفكار محور اهتمامه بحيث يتعلمها كل تلميذ في المستويات التعليمية المختلفة.

3- المفاهيم:
هي أنساق معقدة من أفكار مجردة تتكون من خلال خبرات أو مواد دراسية متتابعة مثل مفهوم الديمقراطية والتغير الاجتماعي ومفهوم الفئة في الرياضيات والعينة في الإحصاءات أو في مناهج البحث.
والمنهج يتألف من مفاهيم متدرجة يتلقاها التلاميذ في صفوفهم المختلفة على التوالي بحيث ينمو المفهوم شيئاً فشيئاً وما يصل التلميذ إلى مرحلة دراسية متقدمة حتى يزداد المفهوم تعمقاً وتجريداً.

4- الأنساق الفكرية أو التركيب:
تمثل المواد الدراسية أنظمة فكرية تتكون من مفاهيم توجه طريق التفكير فهي تحدد الأسئلة التي تطرح وأنواع الإجابة التي تبحث عنها والطرق التي نستخدمها للوصول إلى المعرفة, ومن واجب المنهج أن يبني بشكل يؤدي فيه التعلم إلى التفكير المنظم عند التلاميذ, وعليه أن يؤكد على التنسيق بين المحتوى الدراسي وطريقة التدريس على نحو يؤدي إلى تنمية الأنساق الفكرية عند الدارسين.


المنهج وحقول المعرفة:
تتمثل حقول المعرفة في الأمور التالية:
1. العلوم الرمزية وتشمل:
       اللغات وهي وسائل رمزية تحمل معان مفهومة يتفق الناس عليها.
       الرياضيات وهي أرقام تحمل معان ذات دلالة.
       الفنون التعبيرية التي تعبر عن الأشياء بمعان متفق عليها.
       واجب المنهج أن يمثل هذه العلوم بلغة سليمة ورياضيات صحيحة وفنون تعبيرية حتى يتسنى للتلاميذ الاستفادة منها معنى وهدفاً.
2. العلوم التذوقية وتشمل الموسيقى والفنون التوضيحية والأدب والشعر.
3. العلوم الأخلاقية وهي تتعلق بالقيم الأخلاقية التي تحدد معارف الناس وسلوكهم في الحياة.
4. العلوم التجريبية وتشمل العلوم الفيزيائية والكيميائية والحيوانية والنباتية والعلوم الإنسانية.
5. العلوم الجامعة وتشمل الدين والفلسفة والتاريخ وهذه العلوم تعتمد في طرائقها على العلوم الأخرى وإن كان لكل علم منها طريقة تتحدد بحسب طبيعته فالتاريخ مثلاً له بعد خاص يرتبط بحوادث معينة ووظيفته تحليل الحوادث وتفسيرها من خلال تعاونه مع العلوم الأخرى.

أما الدين فهو قمة المعرفة الأساسية للبشر وله مصدران الوحي والعقل المدرك للأشياء التي خلقها الله تعالى والتي تقودنا إلى إدراك عظمة الخالق سبحانه وتعالى والإيمان به.
ومن واجب المنهج أن يشمل هذه العلوم ويحقق الترابط والتكامل فبما بينها على نحو يؤدي إلى وحدة المعرفة التي تقدم للتلاميذ.
الخاتمة


إن الله سبحانه وتعالى عندما خلق الإنسان وجعله على الأرض ,وهو يتعلم من تجاربه في حياته يعيش الصراع مع نفسه تارةً ومع الطبيعة تارةً أخرى فهو يقوم بتهذيب نفسه ويطوع موارد الطبيعة لكي يحافظ على بقائه وحياته وفي كل هذه الحالات فهو يتعلم ويعلم أبنائه على كيفية التعامل مع الطبيعة التي يعيش فيها , فعليه أن يأكل ويلبس ويتقي شر البرد والحر ويوفر لنفسه وعائلته الأمان , الإنسان عليه أن يجرب حتى يتعلم,يجرب ويكرر أحياناً حتى يصل في النهاية إلى الشيء الذي يريده.

فكما نعلم أن التعليم في المجتمعات البدائية كان بالتلقين وبتقليد الصغار للكبار يتعلم الأولاد ما يقوم به الكبار ويحافظون على العادات والتقاليد وأنماط الثقافة الموجودة عند آبائهم وأجدادهم
ولكن عندما تقدمت المجتمعات وكبرت وضمت أعداد كبيرة من البشر أصبحت أنماطهم الثقافية وعاداتهم وتقاليدهم كبيرة لا يمكن أن يتم الاحتفاظ بها كما في المجتمعات السابقة فظهرت الحاجة للمدارس أو لمؤسسات تقوم بمهمة نقل التراث الثقافي للأولاد وحتى يتم المحافظة عليه من الزوال, ولقد أرتبط وجود المدارس أو المؤسسات المعنية بمهمة تعليم الأبناء بوجود الحكومات وكان ذلك عندما استوطن الناس على ضفاف الأنهار كدجلة والفرات والنيل وظهور الحضارات,كما في حضارة وادي الرافدين, وحضارة وادي النيل, والحضارة اليونانية, والحضارة الرومانية.

إذ تعد هذه الحضارات من أكثر حضارات العالم قدماً وأسهمت بشكل فاعل في تطور التربية وازدهار التعليم القديم والذي امتدت جذوره إلى العصر الحديث وما الحديث المعاصر إلا نتيجة لتراكم الخبرات بما سجله الإنسان في التاريخ ليتطور على نحو حديث وعصري.

فالتعليم ونقل الخبرات هذه كان يتم عبر المنهج الذي يتم تدريسه للأبناء من أجل الهدف الذي يسعون له وهو نقل الخبرات للأبناء والحفاظ على التراث وإعداد الأبناء للحياة.

فنحن نعرف أن كل سلوك هادف ورائه فكرة تحركه فالتربية يحركها الفكر التربوي والتربية عمادها المنهج.

فعندما يكون المنهج متطوراً ومنفتحاً ومتمشياً مع ما يتطلبه العصر من تغير في إعداد شخصية الأولاد كلما كان هذا المنهج عملياً وعقلانياً , ويؤدي بالضرورة إلى رقي المجتمع ووضعه في مصاف المجتمعات المتقدمة التي لا تستطيع بلادنا العربية الوصول إلى مستواها, فالتاريخ مليئ بالأحداث التي تؤكد هذا الكلام حيث أن ألمانيا  عندما هزمت على يد نابليون لم تجد غير المعلم والطالب وسيلة للنهوض من هزيمتها وعندما انتصرت قال بسمارك لقد انتصر المعلم الألماني ,وهذه اليابان أيضاً عندما هزتها أمريكا بالقنبلتين الذريتين فلقد وجدت مخرجها من أزمتها المعلم والتلميذ والتركيز على نوعية التعليم حتى أصبحت من كبرى الدول الصناعية فالتاريخ ملىء بالتجارب التي تستحق منا وقفةً عندها علنا نضع أقدامنا على أول الطريق الصحيح الذي نبدأ من خلاله بنهضة صحيحة فهذه النهضة لا تأتي من فراغ بل من فكر صحيح يوجهها وهذا الفكر لا يأتي إلا بتربية صحيحة وهذه التربية الصحيحة تعتمد على أساس قوي يوجهها ويدعمها ألا وهو المنهج الذي يعتبر العهود الفقري للتربية.

الجميع في الوطن العربي يتكلم عن الإصلاح والتصحيح والتغيير والنهضة ولكن للأسف الشديد لا يوجد على أرض الواقع أي تغير ملموس يبشر بالخير أو يعطي أمل بإمكانية الارتقاء بهذه الأمة إلى مصاف الأمم المتطورة أو العودة بها إلى أمجادها,فهذه الأمة (أمة اقرأ) التي خصها الله سبحانه وتعالى بهذه الميزة فكانت أول كلمة في رسالتنا السماوية(اقرأ)
ونحن الآن أبعد الناس عن القراءة.

فالتعليم لا يعني فقط كما يعتقد عدد غير قليل من الناس هو قراءة المنهاج أو تدريسه فالمعلم يجب أن يربط بين ما يعلمه لتلاميذه في غرفة الصف نظرياً وبين التطبيق العملي في المجتمع الخارجي أو البيئة التي يعيش فيها التلميذ حتى لا يشعر بالفصل بين ما يتعلمه وبين ما يعيشه على أرض الواقع.

فالمعلم هو العنصر الأساسي في تطوير المنهج فيجب إعداده بالطريقة المناسبة للتمشي مع المفهوم الحديث للمنهج, وهذا يعود للجامعات والكليات التي تختص بإعداد المعلمين الذين يتعاملون مع التلاميذ في مراحل حياتهم المختلفة والذين لهم الدور الأكبر في التأثير على هؤلاء التلاميذ ,وبالتأكيد سنلحظ التغير على مستوى المجتمع بأكمله عندما نعد أطفال أو طلاب إعداداً كاملاً لشخصياتهم مع المحافظة على القيم والعادات والتقاليد الجيدة التي هي من واقع ديننا  ومناسباً لواقعهم ومتمشياً مع متطلبات التطور والتقدم ومتمشياً مع تحدي التكنولوجيا ومتطلبات العصر الموجودة في العلم من حولنا ,كل هذه الأمور يجب إن يحتويها المنهاج ويركز عليها علنا نخرج بنتيجة إيجابية ترضي طموحنا كأمة كانت في الماضي لها القيادة والريادة.


المراجع:

    المنهاج التربوي بين الأصالة والمعاصرة (د.اسحق أحمد فرحان,د.احمد بلقيس, د.توفيق مرعي).
       المنهج بين النظرية والتطبيق (دكتور راتب عاشور).
       المنهاج التربوية المعاصرة (دكتور مروان أبو حويح).
       المناهج (دكتور حلمي أحمد الوكيل, دكتور محمد أمين المفتي).
       فلسفة المنهج الدراسي (د. زينب حسن الشمري, د.عصام حسن الدليمي).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق