الأحد، 16 أكتوبر، 2016

المفهوم الإسلامي للأسرة

 المفهوم الإسلامي للأسرة
       لا يخفى على المطلع أن مصطلح أسرة كما هو متداول في العلوم لم يرد في القرآن وإنما وردت دلالات أخرى تشير إلى المعنى على نحو أكثر شمولاً وفي ذات الوقت أكثر تفصيلاً، وكأن الاهتمام الحقيقي ليس للمسمى بقدر ما هو لبناء واستقرار الكيان، وقد وضع المنهج الإسلامي من خلال القرآن الكريم القواعد والمرتكزات التي تبنى وتحافظ على هذا الكيان وتعينه على أداء وظائفه وأدواره المنشودة والتي تصب في تحقيق الهدف الأساسي للخلق ألا وهو الاستخلاف والإعمار وقد أشار المنهج الإسلامي بعد ذلك إلى أهم علاقة ترتكز عليها الأسرة وهي الزواج، فعني القرآن كما السنة النبوية الشريفة بتحديده وبيان شروطه وكيفيته كما حددا الحقوق والواجبات التي تعين كِلا الزوجين على القيام بالمهام المناطة بهما على أكمل وجه، و تتضح من خلال المنهج الاسلامي وظائف وأدوار الأسرة منذ عملية الاختيار للزوجين وتحديد الغاية والهدف من الزواج لدى كل منهما وذلك تحت مظلة وحتى أهداف تربية الأبناء وتحديد الغاية من إنجابهم، ولم يكتف الإسلام بذلك بل طفق يحدد الأدوار بدقة خلال هذه الوحدة الأساسية من التنظيم البشري فحدد الحقوق والواجبات بين الآباء والأبناء وبين ذوى الأرحام والقربي، بل وذهب أكثر من ذلك حين جعل المتعايشين من أصحاب المصلحة المشتركة مسؤولين مباشرة عن تمام الوظائف وأداء الأدوار المناطة، فها هو النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه يبين مسؤولية حتى الخادم المتعايش في الأسرة في المراقبة والضبط وتمام الدور الإصلاحي حين قال : " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، قال وحسبت أن قد قال والرجل راع في مال أبيه ومسئول عن رعيته وكلكم راع ومسئول عن رعيته" (أخرجه البخاري). إلى هذا الحد اتسع مفهوم الإسلام في مشاركة ومعاونة كافة المتعايشين بل والمحيطين بالأسرة في تمام أداء أدوارها وتحقيق وظائفها. وهذا ما جعل المجتمعات الإسلامية في فترة التطبيق الأمثل لشرائع وتوجيهات المنهج الإسلامي تفلح في أن ترسي لا استقرارها وأمنها بصلاح أفرادها وإنجاز أبناءها؛ ولكنها أقامت حضارة شامخة دامت بدوام جودة أداء أسرها لوظائفهم وقيامهم بأدوارهم على النحو الأمثل، فلما ضعفت الأسرة تضعضعت الحضارة و بات الأمن مطلباً تسعى الدول لإرسائه بشتى الطرق.
       وعموماً ومن خلال التعريفات السابقة نخلص إلا أن مفهوم الأسرة يعبر عن وحدة إنسانية تنظيمية مكلفة بواجب الاستقرار وتطور المجتمع، عبر التأثير في نمو أفرادها وأخلاقهم منذ المراحل الأولى من العمر وحتى يستقل الإنسان بشخصيته ويصبح مسؤولاً عن نفسه وعضواً فاعلاً في المجتمع.(محمود،17)  وذلك عن طريق تضامن وتكافل أفرادها في تحقيق الأهداف المحددة، من خلال عمليات التنشئة الاجتماعية والتربية والرعاية والحماية التي تختلف مضامينها  وأنواعها ودرجاتها وغاياتها؛ باختلاف المراحل الزمنية واحتياجات المجتمعات بل واختلاف تكوينها ومصالحها وحجم ما أحدث بها من تغيير، فعلى سبيل المثال اختلفت وظيفة الأسرة  التعليمية عبر المراحل الزمنية المختلفة والمتغيرات الثقافية والحضارية المتباينة فحيناً كانت الوظيفة التعليمية معتمدة بالكلية على الأسرة دون سواها، وشيئاً فشيئاً تطورت مؤسسة ثقافية دينية محلية مساندة هي الخلوة أو ما يعرف بـ(الكتاتيب) لتساهم مع الأسرة في العملية التعليمية، ثم مع تطور الحضرية وظهور المؤسسات التعليمية المتخصصة تدخلت المدرسة لتحمل بالكلية عبء العملية التعليمية الرسمية بل ولتحمل في البدء جزءاً لا يستهان به من العملية التربوية ذاتها، ثم مع زيادة التخصص وتعقيد الحياة الحضرية وتأثير العديد من المتغيرات الثقافية والاقتصادية بل وحتى السياسية عادت الأسرة لتصبح شريكاً فاعلاً في العملية التعليمية الحالية في مجتمعاتنا العربية سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وعلى هذا النحو يمكننا الحديث عن الوظائف المختلفة التي تمارسها الأسرة باختلاف المراحل الزمنية والعصور التي تعاقبت عليها، وباختلاف البيئة الطبيعية والاجتماعية التي تعيش فيها.
لكن قبل الخوض في هذه الجزئية من المهم توضيح أن مفهوم الأسرة المسؤولة عن التوعية الأمنية في الواقع المعاش يلقي بالعبء كله على الأسرة النووية الأمر الذي انعكس عليها بتخلي أطراف كانت فاعلة ومؤثرة في عملية التوعية وهي الأسرة الممتدة وبذا زادت الضغوط الملقاة على عاتق الأب والأم أضعافاً مضاعفة مع ضغوط ومصاعب الحياة العصرية ليس ذلك فحسب بل إن انحسار العلاقة المباشرة بين الأبناء والجد والجدة والأقارب من الدرجة الأولى جعل الأسرة النووية تواجه وحدها مع ضيق محيطها انفتاحاً لا محدود على فضاءات لا متناهية، فرضت على أفرادها أن يسبحوا وحدهم بلا هادٍ أو دليل في فيضان المجتمعات الافتراضية وما تحمله من غث العولمة الثقافية التي تعمل على تهتك النسيج الثقافي المحلي وتستبدله أو ترقعه بدخائل لا تتناسب قيماً ولا عرفاً ولا تقليداً مع ما هو معروف، والأسوأ من ذلك أنها لا تتفق مطلقاً مع قواعد الشرع والدين. وكلما زادت الأسرة انغلاقاً على ذاتها كلما زاد لجوء الأبناء إلى بدائل التواصل الافتراضي وما تحمله من مهددات أمنية على الفكر والسلوك؛ وهذا أقوى ما تواجهه الأسرة من معوقات في توعيتها الأمنية وأمانها.  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق