الخميس، 27 أكتوبر، 2016

معالجة جهد الإنسان والزراعة والتجارة والصناعة في الاسلام



معالجة جهد الإنسان والزراعة والتجارة والصناعة في الإسلام معالجة منظومية

مصادر الاقتصاد في أي بلد أربعة مهما كان نوع النظام الذي يطبق في هذا البلد, سواء أكان البلد متقدماً كأمريكا أم متأخراً كالصومال والسودان واليمن والحبشة وهذه المصادر الأربعة هي جهد الإنسان والزراعة والتجارة والصناعة.
وعلى ذلك فإن معالجة هذه المصادر الأربعة للاقتصاد تعتبر أهم معالجات الاقتصاد, بل هي المعالجات الأساسية للاقتصاد وما عداها فهو مبني عليها ومتمم لما جاء فيها, والإسلام جعل الملكية والعمل في هذه المصادر مباحين للناس, ومن إباحتهما يتبين تحقق السياسة الاقتصادية, وهي ضمانة إشباع الحاجات الأساسية وتمكين كل فرد من إشباع حاجاته الكمالية, فمكنت هذه الإباحة كل فرد أن يملك من هذه المصادر الأربعة أكبر كمية يستطيعها, وأن يعمل للحصول عليها قدر ما يستطيع وبذلك يتحقق حل المشكلة الاقتصادية وما تفرع منها.
وينبغي أن يلاحظ الفرق بين إباحة الملكية والعمل وبين حرية الملكية والعمل, فحرية الملكية والعمل تعني عدم التقيد بأي شيئ وهذا أدى إلى تملك المال بأي سبيل يصل إليه الإنسان بالغش والكذب والقمار والاحتكار وزراعة الحشيش والأعمال الدنيئة, بينما إباحة التملك هي التقيد بأحكام الشرع, لأن الإباحة هي تكليف الشارع للمكلف بين الفعل والترك, ومن هنا كانت الملكية والعمل لمصادر الثروة كلها مباحين ولا حرية فيهما.
على أن الإسلام لم يكتف بإباحة الملكية والعمل في هذه المصادر الأربعة وتركها دون بيان أحكامها, بل دخل في تفصيلات كل واحد منها, ووضع لها خطوطاً عريضة لمعالجتها, فجاءت أحكام الأراضي, وأحكام الصناعة, وأحكام التجارة, وأحكام الأجير, تبين تفصيلات كل واحد منها, بخطوط عريضة, ببيان أحكامها بياناً يقطع كل منازعة ويعالجها تمام المعالجة.
المطلب الثاني
الضمانات التي وضعها الإسلام لتحول
دون وقوع مشكلة البطالة

q          أولاً: البعد العقدي ويتمثل في أمرين:
أ- إن الأحكام الشرعية تعالج علاقات الإنسان الثلاث بحيث تشكل كل علاقة منظومة قائمة بنفسها لها حدودها ومعالمها ولا تنفصل عن العلاقتين الأخريين, فهناك أحكام خاصة بالعلاقة وطبيعتها وهناك أحكام مشتركة بين العلاقات الثلاث لتحقيق الهدف المنشود من تنظيمها.



                             


فالشكل(1) أعلاه يبين أن منظومة الأحكام الشرعية منبثقة عن العقيدة القائمة على الشهادتين والتي بدورها تضبط التصور والسلوك, فالله المعبود يتصف بالكمال قال تعالى: (ليس كمثله شيئ) وهو واحد في ذاته, واحد في صفاته لا معبود بحق سواه قال تعالى: ( قل هو الله أحد, الله الصمد, لم يلد ولم يولد, ولم يكن له كفواً أحد), وقال تعالى: ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم, لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض, من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيئٍ من علمه إلا بما شاء, وسع كرسيه السماوات والأرض, ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم)(البقرة:255), وقال تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم)(البقرة: 256), هذه النماذج آيات من كتاب الله يظهر من خلالها تصحيح التصور وضبط السلوك بأوامر الله ونواهيه, "فمن يكفر بالطاغوت أي بكل تشريع وحكم غير تشريع الله وحكمه فقد استمسك بالخير والهدى,"العروة الوثقى" التي لا نقص فيها ولا تناقض وهي شريعة الله وأحكامه, ومن هنا يظهر وجه الربط بين العقيدة والعبادة من جهة وبين العقيدة والعبادة ومنظومة المعاملات من جهة أخرى, لأن العبادة والمعاملات منضبطة بمنظومة من الأحكام الشرعية فالفرض ما أمر الله به والحرام ما نهى الله عنه والمعاملة الصحيحة ما أباحها الله وأمر بها والباطلة ما حرمها ونهى عنها وهكذا.
فالمنظومات المذكورة كلها تنبثق من أصل واحد وهو العقيدة الإسلامية التي تضم مجموعة من المنظومات والتي تطلق عليها أركان العقيدة وكذلك منظومة العبادة وأركانها الخمسة وكذلك المعاملات وأنظمة المجتمع التي يندرج تحتها خمسة أنظمة.
ب- كفاية الموارد الاقتصادية التي خلقها الله سبحانه وتعالى من حيث كمها وخصائصها لحاجات البشر,فقد نص القرآن الكريم على وصف الأرض بأنها وما فيها وخصائصها كافية لكل الخلائق في حال حياتهم وبعد موتهم, قال تعالى: (ألم نجعل الأرض كفاتاً, أحياءً وأمواتاً, وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماءً فراتاً).(المرسلات: 25-27), والكفات للأحياء هو الضم, فإذا أحل العبد في موضعه فهو كفاته, وهو منزله, وهو داره, وهو حرزه, وهو حريمه, وهو حماة, "كان يقظان أو نائماً".(ابن العربي, في أحكام القرآن,4/356, والزمخشري, الكشاف 4/679) وقال سبحانه: (والأرض مددناها وألقبنا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيئ موزون, وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين, وإن من شيئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم).(الحجر:19-21), يقول الدكتور العوضي في تحليل النص القرآني: (وأنبتنا فيها من كل شيئٍ موزون) التوازنات التالية: التوازن بين الحاجات والموارد الاقتصادية بعضها مع بعض, والتوازن بين حاجات الفرد الاقتصادية بعضها مع بعض.(العوضي: 49)
كما أن الله أودع في الأرض موارد اقتصادية كافية لإشباع من يملك "وجعلنا لكم فيها معايش" ولإشباع من لا يملك "ومن لستم له برازقين).(الحجر:20)
كما يخبر الله تعالى في النص الكريم أن الموارد الاقتصادية وهي داخلة في كل شيئ قال تعالى: (وإن من شيئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم) (الحجر:21) سوف تزيد بالقدر الذي يقدره الله تعالى, يعني ذلك أن الموارد الاقتصادية متزايدة بقدر الحاجات, ويظهر ذلك من ربط هذا النص بما قبله, قال تعالى: (وأنبتنا فيها من كل شيئ موزون) يمكن استنتاج أن الموارد الاقتصادية تزيد بقدر زيادة حاجات البشر, ويعني ذلك أن مشكلة الندرة النسبية غير واردة حتى في المستقبل, فالذين يتعللون بأن مشكلة البطالة سببها الندرة النسبية غير صحيح .....ولا ينطبق على الواقع.
q          ثانيا:البعد التشريعي:
اعتنى الإسلام بمنظومة الاقتصاد وشرع لها أحكاماً تنظمها وحوافز للإنتاج وضبط الاستهلاك والتصرف والإنفاق.
فكل واحدة من هذه أي إنتاج المال وكسبه وإنفاقه والتصرف فيه تشكل منظومة قائمة بنفسها لها علاقة بينة بنائية مع غيرها من المنظومات الأخرى.
كما أن مجموع المنظومات الاقتصادية والتي تشكل منظومة النظام الاقتصادي لها علاقات بينية مع منظومة النظام السياسي والاجتماعي والعلاقات الدولية, وكلها تتساهم في علاج مشكلة البطالة بل تضمن عدم وقوعها وحصولها.

فعلم الاقتصاد وهو علم إنتاج الثروة وهذا لا يكون إلا برأسمال ومادة خام وجهد الإنسان,  فكل واحدة من هذه المنظومات تساهم في إنتاج الثروة وهذا بدوره يقوم بالدرجة الأولى على جهد الإنسان وخبرته, وكذلك إنتاج الثروة وتحسينها وتكاثرها لا يكون إلا بتفعيل مصادر الاقتصاد الأربعة وهي الزراعة والصناعة والتجارة وجهد الإنسان, وهذا بدوره لا يتحقق إلا بوضع سياسة اقتصادية تكون بمثابة خطة تهدف إلى إيجاد وتوفير الوسائل التي تضمن إشباع حاجات الإنسان الأساسية وتمكينه من إشباع حاجاته الكمالية, وتدفع إلى تفعيل مصادر الاقتصاد وتوجهها لتحقيق أهدافها.
فمنظومة السياسة الاقتصادية في الإسلام تقوم على أساس معالجة مصادر الاقتصاد والتي بدورها تحول دون ظهور مشكلة البطالة في المجتمع الإسلامي وتقضي على داء الفقر.
إن منظومة مصادر الاقتصاد والسياسة الاقتصادية التي تعالجها, تحقق الغنى و الرفاهية وتمنع الفقر وتحفز الإنسان على الإنتاج أنظر الشكل(3).
منظومة مصادر الاقتصاد ومعالجة المشاكل الاقتصادية

فلا زراعة بدون أرض وجهد الإنسان, كما أنه لا صناعة بغير جهد الإنسان سواء أكانت يدوية أو بآلات فالآلة تحتاج إلى يد الإنسان وفكره في إدارتها وتشغيلها والزراعة كذلك, كما أن التجارة لا تكون بغير جهد الإنسان فكل مصدر من المصادر المذكورة يشكل منظومة قائمة بحد ذاتها إلا أنها مرتبطة بغيرها بعلاقات بينية لا تنتج ولا تحقق هدفها بمفردها, وتفعيل المصادر المذكورة لا تكون إلا بجهد الإنسان وخبرته ونتيجة لذلك كان لا بد من العناية الفائقة بالعنصر البشري من حيث إعداده وتهيأته وتسليحه بالخبرة الكافية لتفعيل تلك  المصادر وهي ما أطلق عليها(تنمية الموارد البشرية).
لقد ربط بعض فقهاء المسلمين مفهوم البطالة بالكسل, وهذا المفهوم عرضه الفقيه محمد بن عبد الرحمن الوصابي اليمني(712-782) في كتابه:"البركة في فضل السعي والحركة " حيث عرّف البطالة "بأنها الكسل عن العمل لكسب الحلال, أو الكسل عن القيام بأمر الآخرة.(اليمني,أحمد بن عبد الله, البركة في فضل السعي والحركة, المكتبة التجارية الكبرى, مصر:7-9).
والربط بين البطالة والكسل يدفع إلى وضع سياسات لعلاج البطالة بل علاج الاقتصاد برمته.
ومن هنا عالج الإسلام البطالة من خلال معالجته لمصادر الاقتصاد حيث شرع لهذه المصادر أحكاماً خاصة تحفز الإنسان على العمل وترك الكسل كما تزيل كل المعوقات التي تحبطه وتمنعه من الإنتاج والعمل والجد والكسب وبذلك ضمن عدم وقوع المشاكل الاقتصادية.
q          السياسة الزراعية ومساهمتها في علاج مشكلة البطالة:
إن الأرض هي أساس الزراعة, وجهد الإنسان ورأس المال تبع لها ومن هنا عالج الإسلام ملكية الأرض وكيفية العمل فيها, حيث جعل للأرض بالذات من دون باقي الأموال أحكاماً خاصة من حيث ملكيتها, ومن حيث العمل فيها, ولم يجعلها كملكية باقي الأموال, ولا كالعمل في غير الأرض. أحكام تجعل الغاية من ملكية الأرض جزءاً لا يتجزأ من هذه الملكية تنصب الأحكام عليها بحسب تحقيق الغاية أو عدم تحققها, أي أحكام تجعل الملكية متحققة إذا وجد الإنتاج بغض النظر عن سعة المساحات المملوكة أو قلتها, وبغض النظر عن مساواة الناس في ملكيتها وعدم مساواتهم. فالإسلام قد شرع أحكاماً خاصة للأرض, فجعل الأرض تملك ابتداءً  بالشراء وتملك بالإرث, وتملك بالهبة, وبالأحياء, وبتمليك الدولة.
 والأرض الميتة هي الأرض التي لم يظهر أنه جرى عليها ملك أحد فلم يظهر فيها تأثير شيئ من إحاطة أو زرع أو عمارة أو نحو ذلك ولا يوجد أحد يملكها أو ينتفع بها, وإحياؤها هو إعمارها, أي جعلها صالحة للزراعة, كزراعتها أو تشجيرها, أو البناء عليها أو بعمل أي شيئ يدل على العمارة من حيث جعلها صالحة للزراعة, قال صلى الله عليه سلم: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له), وقال: (من عمر أرضاً ليست لأحد, فهو أحق بها), وقال: (أيما قوم أحيوا شيئاً من الأرض أو عمروه فهم أحق به), وقال: (من أحاط حائطاً على أرض فهي له) فالإحياء والتشجير تملك بهما الأرض, ولا تحتاج ملكيتها إلى إذن الدولة, فالأرض الميتة إذا أحياها الشخص أو وضع حولها حدوداً فإنه يملكها بدون استئذان من الدولة مطلقا, فأباح الإسلام ملكية الأرض من أجل الزراعة وحفز على ذلك بأسباب التملك المذكورة.
ثم إن الأرض حتى تملك بأي واحد من هذه الأشياء يجبر مالك الأرض على استغلالها ولا يسمح له بتعطيلها, أي يكون استغلالها جزءاً لا يتجزأ من ملكيتها, وهذا يجعل مالكها مجبراً على استغلالها, فإذا أهمل ذلك وعطل الأرض ثلاث سنين تنزع منه جبراً و تعطى لغيره, فإن عدم استغلالها ثلاث سنين يبطل ملكيتها ويجبر حينئذ على رفع يده عنها وتنزع منه, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عادي الأرض لله  ولرسوله ثم لكم من بعد, فمن أحيا أرضاً ميتة فهي له, وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين) وهذا الحكم طبقه عمر على أناس من مزينة  بحضور الصحابة  ومشاهدتهم ولم ينكر عليه في ذلك أحد فكان ذلك إجماعاً من الصحابة على هذا الحكم.
ومن هذا كله يتبين ملكية الأرض تعني استغلالها بوصف هذا الاستغلال جزءاً لا يتجزأ من الملكية, فإذا لم يحصل الاستغلال مدة ثلاث سنوات سقطت الملكية حتماً وتؤخذ الأرض من مالكها جبراً بقول الرسول أنف الذكر.
فقد تعامل الإسلام مع الأرض تعاملاً منظومياً, فهو حدد كيفية ملكية الأرض إلا أنه من ناحية أخرى حدد كيفية العمل في الأرض تحديداً واضحاً, فقد أجبر الشخص على أن يتولى هو استغلالها, فجعل لمالك الأرض أن يزرع أرضه بآلته وبذره ودابته وعماله وأن يستخدم لزراعتها عمالاً يستأجرهم للعمل فيها مقابل أجر لهم, ولكنه منع إجارة الأرض-على أرجح الأقوال- للزراعة مطلقاً, لا بجزء من الناتج وهو ما يسمى بالمزارعة ولا بالنقد, ولا بغيره, منع أن تكون الأرض أداة للاستغلال كالدور والدواب, لأن أقوات الناس متعلقة بالزراعة فلا بد من وضع نظام حازم في ملكية الأرض والعمل فيها حتى تستقر الزراعة والقطاع الزراعي, ويحافظ على الرقعة الزراعية بمنع إهمال الأرض وتعطيلها.
كما أن الإسلام وجّه ملاك الأرض الزراعية إلى زراعتها بما تصلح له وذلك من خلال فرض الخراج على الأرض, فالأرض الصالحة للشجر فرض عليها خراج الشجر والصالحة للزرع فرض عليها خراج الزرع وهكذا.
كما أن على الإمام أن يوصل الماء إلى الحقول على نفقة بيت المال وأن يساعد الزّراع إذا ما عجزوا عن توفير البذار وأجور العمال وأداة العمل, كما فعل عمر في سواد العراق.
ومن هنا نلاحظ أن معالجة الإسلام لهذا المصدر معالجة منظومية بنائية.
وقد أباح الإسلام لرعايا الدولة بل شجعهم على ربط الزراعة بالصناعة, كصناعة اللحوم والألبان ومشتقاتها, وحفز على ذلك بأن جعل من واجبات الإمام حماية المراعي ومنع الناس من استغلالها لغير ذلك, حتى يحافظ على تربية الأنعام من أجل اللحوم والصوف واللبن, والمساهمة في التصدير لجلب العملة الصعبة من خارج البلاد, ومن التطبيقات الإسلامية في هذا القطاع أن عمر بن الخطاب أقطع قوماً أرضاً لماشيتهم وأنعامهم في الشام ثم علم بعد ذلك أنهم حولوها إلى أرض بناء وزرع فأمر بإعادتها إلى وضعها, لأن جميع الأرض مباح استغلالها للزراعة ولا قيد عليهم في ذلك أما المراعي فهي تحتاج إلى حماية من الدولة وهذا بدوره يعالج مشكلة التصحر إلى جانب معالجة مشكلة البطالة وبالمحصلة فإن هذه الأحكام تعالج بمجموعها مشكلة الفقر.
ونلاحظ هنا أن الإسلام تعامل مع الزراعة تعاملاً منظومياً حيث شرع أحكام ملكية الأرض والعمل فيها وإبراز النظام السياسي في تشجيع القطاع الزراعي وتفعيل السياسة الزراعية لإعمار الأرض إلى جانب اعتناء الدولة بتوفير الأسواق هذه المنتوجات وتنشيط التجارة إلى جانب الزراعة وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم عندما خطط المدينة فجعل للمسلمين سوقاً خاصة بهم منع اليهود من ارتياده لأن اليهود لا يعيشون إلا على الربا والاحتكار.
q          السياسة الصناعية ومساهمتها في حل مشكلة الفقر والبطالة:
الصناعة أساس هام من أسس الحياة الاقتصادية لأية أمة أو شعب في  أي مجتمع, وقد كانت المصانع يدوية ثم تحولت بعد استخدام البخار والطاقة في تسيير الآلات إلى مصانع آلية فحلت محل المصانع اليدوية, ولما جاءت الاختراعات الحديثة حصل انقلاب خطير في الصناعة فزاد الإنتاج زيادة لم تكن تخطر ببال, وغدا المصنع الآلي أساس من أسس الحياة الاقتصادية.
وقد جاء الإسلام فبنى أحكام المصانع  بأن الأصل فيها أنها ملكية فردية, فلكل فرد من أفراد الرعية أن يملك المصانع, فالمصنع من حيث هو داخل في الملكية الفردية وليس داخلاً في الملكية العامة ولا في ملكية الدولة.
غير أن الصناعة أي صناعة تأخذ حكم ما يجري صنعه, لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حرّم  عصر الخمر وهو صناعة, عن أنس قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمرة عشرة: عاصرها ومعتصرها...)لحديث, فصناعة العصر من حيث هي مباحة إلا أن عصر الخمر حرام, فأعطى الإسلام العصر حكم ما يجري عصره, ومن هنا وضع الإسلام قاعدة في الصناعة:"أنها تأخذ حكم ما تنتجه", وجعل العمل بالصناعة والاستصناع مباحاً للأفراد.
وفي المقابل فإن الشرع حدد الأموال التي تكون ملكية عامة ، ولا يصح أن تكون ملكية فردية بثلاثة أنواع:
أحدها : المعادن التي لا تنقطع.
ثانيها : الأشياء الني طبيعة تكوينها تمنع اختصاص الفرد بحيازتها.
ثالثها : ما هو من مرافق الجماعة بحيث إذا لم يتوفر لبلدة أو لقبيلة أو لجماعة تعيش عيشاً دائمياً بوصفها جماعة تفرقت في طلبه.
وبناءً على ذلك فإن المصانع التي تقوم على مواد من الملكية العامة أو تستخدم الملكية العامة فإنها تأخذ حكمها ، والدولة هي التي تقوم على هذه الصناعات ، وأرباحها توزع على كافة الرعية لأنها ملك لهم ابتداءً.
هذه هي أحكام الصناعة ، وهذا هو تحديد ما هو داخل من المصانع والآلات في الملكية العامة وما هو داخل في الملكية الفردية حسب نص الشرع ، وهي تعالج الصناعة من حيث المصنع فقط وليس من ناحية العمال أو تصريف الإنتاج لأن المصنع هو وحده الأصل في الصناعة وبيان أحكامه بيان لأحكامها. إلا أن الإسلام عالج الصناعة بشكل منظومي فجعل موضوع العمال منظومة خاصة وهو مصدر اقتصادي آخر وهو جهد الإنسان. ومنظومة العمال هذه متداخلة مع منظومة الزراعة والصناعة والتجارة وكل منظومة لها أحكامها الخاصة بها.
وأما موضوع تصريف الإنتاج فهو منظومة قائمة بذاتها وترتبط مباشرة بمنظومة التجارة الداخلية والخارجية وإن كانت ترتبط بالمنظومات الأخرى الزراعية والصناعية وجهد الإنسان.وقد شرع الإسلام حوافز كثيرة للإنتاج أهمها انه حرم على الدولة فرض الضرائب الدائمة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة صاحب مكس) فالدولة لا تقاسم الأفراد بل تدعم الزراعة بالهبات أو بقروض غير ربوية لأن الإسلام حرم الربا وجعل رعاية شؤون الناس من واجبات الدولة.
كما أن الإسلام لم يضع الحواجز والقيود على الاستيراد والتصدير وربط ذلك بتابعية التاجر وما ينفع أو يضر بمصلحة الأمة فقط.

q          السياسة التجارية ودورها في علاج مشكلة البطالة:
إن الأحكام السابقة تتداخل وتبنى بعضها على بعض مع منظومة التجارة ، فلا احتكار ولا امتيازات ولا قيود وحواجز أمام الاستيراد والتصدير خارجياً. كما أنه لا ضرائب على التجار داخلياً وخارجياً ، بل على الدولة أن تهيئ الأسواق وتشرف عليها وتمنع أيدي المفسدين من الوصول إليها ويتحقق ذلك من خلال دائرة الحسبة والمحتسب ، فلا مجال لغش أو احتكار أو تدليس أو مراباة أو اعتداء على حقوق الناس واغتصاب أموالهم.
ومن خلال تتبع منظومة التجارة وهي مصدر عظيم من مصادر الاقتصاد وبه تسعة أعشار الرزق، نجد أن الإسلام أولاها عناية خاصة وشجع التجار وأزال الحواجز والمعوقات من وجهها ، وإذا تتبعنا العلاقة البنائية بين هذه المصادر ومنظومة النظام السياسي في الإسلام ، ندرك أنه لا وجود لمشكلة البطالة والفقر في ظل نظام الإسلام.
فمنظومة النظام السياسي في الإسلام تقوم على أساس أن هذا النظام نظام وحدة ولا يقبل حتى بالاتحادات بكافة أنواعها ، فالعالم الإسلامي يرأسه حاكم مسلم واحد "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما" وأجزاء الدولة هي ولايات تتمتع بإدارة لا مركزية. فالحكم في الإسلام مركزي والإدارة لا مركزية. ومن هنا فكل من يحمل التابعية الإسلامية ينتقل من أقصى بلاد الإسلام إلى أقصاها لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه كما قيل ، فلا حدود ولا مكوس ولا استيقاف ولا منع من الدخول والتنقل ، فكيف لمسلم أن يبحث عن وظيفة في أجهزة الدولة وهو يستطيع أن يحصل ويكسب رزقه من غير قيود وعبودية ، والتجارة والصناعة والزراعة تضاعف الكسب وتقضي على الكسل وهو بحد ذاته كما مر البطالة بعينها.
كما ان منظومة السياسة الخارجية في الإسلام والتي تتمحور حول الجهاد والذي به تحمل دعوة الإسلام إلى العالم وذلك بالعمل على إزالة الحواجز المادية من أمام دعوة الإسلام ، فتتوسع رقعة العالم الإسلامي وحدود دولته وتفتح الآفاق أما رعايا الدولة بغض النظر عن دينهم وجنسهم ولونهم فكلهم سواء كأسنان المشط. والدولة الإسلامية هذه لا تقبل لنفسها إلا أن تكون الدولة الأولى في العالم.
ويمكن تلخيص الضمانات التي شرعها الإسلام لمنع حدوث الهزات الاقتصادية:
1. قرن ملكية الأرض بالعمل فيها, فمن يعمل يملك ومن لا يعمل لا يملك, وجعل من أسباب ملكيتها الإحياء, وحرم على الدولة منع الأفراد من ذلك.
2. منع تحويل الأرض إلى سلعة للبيع والشراء والتجارة.
3. شجع الأفراد على إنشاء الصناعات وتكفل بيت المال بتمويل هذه المشاريع, وإقامة الصناعات التي لا يستطيع الأفراد إقامتها وكذلك الصناعات في الملكية العامة.
4. فعّل قطاع التجارة وأزال الحواجز والمعوقات من أمامها.
5. لا يؤمن الإسلام بفرض ضرائب على الناس وهذا بدوره يحفز على الإنتاج والعمل في الزراعة والصناعة والتجارة.
q          النتائـــــــج:
1. إن الله تعالى خلق الأرض وجعلها كافية للإنسان حياَ وميتاً.
2. إن الموارد الاقتصادية في البلاد الإسلامية وغيرها كافية لعيش الإنسان عيشاً كريماً وتزيد بشكل كبير عن حاجاته.
3. إن سبب المشكلة لا يكمن في الموارد الاقتصادية بل بسوء السياسات الاقتصادية وغيرها.
4. تجزئة العالم الإسلامي إلى دويلات على أيد الاستعمار زاد من حدة المشاكل الاقتصادية وأوجد روح العداء بين الأخوة وهذا منافي للإسلام.
5. العالم الإسلامي وحدة واحدة وهذا بدوره يفعل قطاع المياة ويزيد من الرقعة الزراعية وينوع المحاصيل ويزيد من الثروة الحيوانية, كما يفعل قطاع التجارة الداخلية ويدعم مقومات التجارة الخارجية بما يملكه من مواصلات برية وبحرية رخيصة, وينهض بقطاع الصناعة وخاصة الثقيلة منها.

6. حرّم الإٍسلام الضرائب على الرعية كما حرّم الإمتيازات الخاصة(الاحتكار) وجعل العمل مباحاً وأزال كل القيود والحدود والحواجز من طريقه.
7. إن معالجة المشاكل الاقتصادية لا يتأتى إلا من خلال معالجة مصادر الاقتصاد الأربعة, الزراعة, والتجارة, والصناعة, وجهد الإنسان وإزالة آثار الاستعمار من البلاد الإسلامية المتمثل بالتجزئة والدويلات والكيانات المتعددة.
q          التوصيات:
1. يوصي الباحث بإعادة الدراسة للموارد الاقتصادية ومعالجتها حسب منظومة الأحكام الشرعية.
2. العمل على تحقيق الوحدة بين الشعوب الإسلامية والتعامل مع الدول الأخرى تجارياً, وثقافياً, وسياسياً حسب منظومة الأحكام الشرعية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق