الأحد، 16 أكتوبر، 2016

الأسرة والتوعية الأمنية وصناعة الفرد

الأسرة والتوعية الأمنية وصناعة الفرد:

الأسرة والتوعية الأمنية وصناعة الفرد
من كل ما سبق يتضح الدور الكبير الذي يمكن أن تلعبه الأسرة على نحو فاعل فيما يتعلق بالتوعية الأمنية على مستوى الفرد والمجتمع على حد سواء. ويمكن إجمال هذا الدور على مستوى الفرد في محاور ثلاث هي:
أ.تكوين أسرة سليمة والحفاظ على استقرارها وأمنها:
وذلك بدءاً بحسن اختيار الشريكين أحدهما للآخر ديناً وخلقاً ووعياً وإدراكاً، حيث أن آفة تفكك العديد من الأسر في عصرنا الحاضر وعجزها عن أداء دورها ووظيفتها يرجع إلى سوء الاختيار للزوجين منذ البدء، فالبحث عن صاحب المال الذي باتت تفرضه الكثير من متغيرات الحياة الاقتصادية أو صاحبة الجمال نتيجة للمتغيرات الاجتماعية بات من معاول هدم الأسرة لا بناءها؛ إن لم يتبعه حسن خلق يصون العلاقة بين الزوجين وخشية لله تراقب الأفعال قبل الأقوال وتُقيَهْ في كل شاردة وواردة، هذا من جهة ومن جهة أخرى ضرورة إمتلاك الزوجين لرؤية واضحة وأهداف مسبقة عن الغاية والهدف من تربية أبناءهم وتنشئتهم، وكلما كانت الأهداف واضحة ومجمعٌ عليها كلما كانت الآليات واضحة والوسائل محددة، وكلما تعالت وسمت الأهداف كلما بورك في السعي وتطاولت الهمم لبلوغه.
 إن أحد مشكلات التربية في المجتمعات العربية هو عدم وجود أهداف ورؤية واضحة ومحددة من إنجاب الأبناء وأهداف تربيتهم* مع ضعف المشاركة الفاعلة بين الأم والأب في تحقيق هذه الأهداف دون تعارض في استخدام الوسائل والآليات. لذلك إن حظيت الأسرة بأسس بناء سليم وأهداف وغايات سامية ووسائل مشروعة فإن المحصلة الأكيدة لذلك هو بناء أسري مستقر وآمن، من أجل ذلك يعتبر التفكك الأسري وارتفاع معدلات الطلاق والانفصال الكلي أو الجزئي النفسي أو البدني من أكثر المهددات الأمنية للبناء الأسري، لذا فإن الجهود المرتبطة بتماسك البناء الأسري واستقراره تعتبر من أهم المساهمات والأدوار في حفظ الأمن؛ والتوعية التي تصب في هذا المجال من صميم التوعية الأمنية. ولعل مهمة نقل الخبرة الإرشادية في تأهيل الحياة الزوجية التي كانت تضطلع بها الأمهات والجدات قديماً قد غابت عن سماء أسرتنا العربية بسبب تغير أشكال بناء الأسرة ومراكز القوى الممتدة فيها وانحسارها بفعل الحياة الحضرية إلى أسرة نووية، إضافة لانشغال كل من الأب والأم في توفير احتياجات الحياة المادية للأبناء؛ عن إمدادهم بالخبرات والتوجيه الحياتي خاصة فيما يتعلق بمهام الإعداد النفسي والمادي لاستقبال الحياة الزوجية للأبناء، ولسنا بالضرورة نعني بالمادي كماليات الاحتياجات الأسرية من ملبس وأثاث بقدر ما نعني التهيئة النفسية والقيميّة والخلقية وبناء تصور هادف للحياة الزوجية مبنى على أسس رسالية من إعمار للأرض وعبادة لله وحسن تبعل للآخر وحسن استخلاف للرعية في مختلف الأدوار الحياتية.
ب.سلامة الأبناء جسدياً وعقلياًً وحفظهم من كل المخاطر التي تهدد حياتهم وسواءها:
وهذا دور آخر مميز تقوم به الأسرة بدءاً من سلامة وصحة الجنين في رحم أمه وتجنيبه كل المهددات لصحته ونموه السليم من عقاقير ضارة أو إدمان على المخدرات أو التدخين أو أمراض تصيب أمه ويمكن أن تنقل له أو اشعاعات أو حوادث...إلى أخره، أو كل ما يحد من نموه العقلي والنفسي وهو جنين ويدخل في ذلك حتى مستويات القلق والتوتر النفسي التي تتعرض لها الأم وتؤثر على الجنين. ثم استكمال مهمة الرعاية والحفاظ على سلامته منذ أن يولد وحتى يشب عن الطوق من حسن اهتمام صحي وجسدي ونفسي وفكري على حد سواء، وها هنا يجب التركيز على جوانب تغفلها الكثير من الأسر في تربيتها لأبناءها، فكثيرا ما تعتمد الأسر الاهتمام بالملبس والمشرب والمأكل كدليل على حسن التربية وتمام الدور وتغفل الإهتمام بغرس القيم والوازع الديني الذي لا يتأتى إلا من خلال القدوة الصالحة لوالديهم وحسن تمثيلهم لكل ما يأمرون به أبناءهم فعلاً لا قولاً، ليس ذلك فحسب بل الحرص على سلامة عقولهم وأفكارهم من الأمراض الاجتماعية أو ما يعرف بأمراض القلوب مثل الحقد والحسد والتباغض والتعصب والعنصرية والتمييز والكِبَرْ الذي هو أكبر آفات الأمراض النفسية والاجتماعية لأنه يحول بين المرء وبين التعلم؛ وبين المرء وبين الاعتراف بالخطأ وتصحيح المسار، فيجعل الفرد يرتكب الخطأ دون أن يدرك أنه خطأ وإن أدركه فكبره يمنعه من الاعتراف به أو العدول عنه. وفي هذا الجانب يعتبر الانشغال عن الأبناء بدعوى صعوبات الحياة أو العمل لتلبية احتياجاتهم من مهددات أمن الأسرة، كما يعتبر ترك أمر تربيتهم والاهتمام بهم للمربيات أوالخادمات على وجه الاطلاق من أكبر مهددات أمن وسلامة تربية النشء. هذا بجانب الاهتمام بدور التنشئة الصحية والبدنية السليمة واللياقة الرياضية للأبناء التي تضفي فوائدها على الجسد والعقل في آن واحد، بالإضافة إلى تجنيب الأبناء الإصابة بالأمراض خاصة الخطيرة والمعدية المهددة لسلامتهم وصحة بنائهم العقلي والبدني من خلال الاهتمام بنظافة البيئة من حولهم وسرعة علاجهم وتغذيتهم السليمة والمتكاملة، ولا شك أن أمراض مثل السمنة المفرطة والضغط والسكر وارتفاع مستويات الكولسترول لدى الاطفال أمراض تتحمل الأسرة جزءاً كبيراً من تسبيبها نتيجة للنظام الغذائي غير الصحي الذي تسمح به الأسرة مثل الوجبات السريعة وعدم ممارسة الرياضة وجلوس الأبناء لفترات طويلة أمام الأجهزة والألعاب الالكترونية، وعدم ممارسة أنشطة ترفيهية جماعية مشتركة مع الأسرة الأمر الذي من شأنه تنمية الاستقرار النفسي والترابط الأسري لدى الابناء بالإضافة إلى السواء العاطفي.
ج. التوعية بالمخاطر المرتبطة بممارسة الحياة اليومية على مقاصد الشريعة الخمس (النفس والعقل و العرض و المال و الأرض).
       تقوم الأسرة من خلال تربيتها لأبناءها بدور كبير في بناء الحس الأمني والوعي اللازم للحفاظ على حياتهم وحياة الآخرين من حولهم؛ سواء بالتدريب على أخذ المحاذير والتدابير الوقائية عند التعامل مع المواد الخطرة والقابلة للاشتعال أو الأدوات الحادة أو القذائف والأسلحة، بالإضافة إلى تعليمهم اتباع قواعد المرور واحترام القوانين واللوائح وضوابط القيادة والتعامل مع المركبات الخاصة والعامة هذا بالإضافة إلى الإلمام بإجراءات الإخلاء والطواريء عند الحرائق أو الكوارث الطبيعية. كما يشمل ذلك التوعية من المخدرات والمسكرات وكل ما من شأنه ذهاب العقل أو ضرر الجسد ويدخل في ذلك التوعية من الممارسات الجنسية الخاطئة من خلال تثقيف صحي وجنسي سليم لأبناءنا محاط بضوابط الوازع الديني والأخلاق الفاضلة. هذا بجانب تعليم الأبناء مسؤولية التعامل مع المال ادخاراً وانفاقاً ولعل العديد من الدراسات الاقتصادية تشير إلى أبرز معوقات التنمية في الوطن العربي والمتعلقة بانخفاض المدخرات نتيجة لزيادة الاستهلاك الكمالي البذخي، لذلك يعد الدور التوعي الذي تقوم به الأسرة تجاه أبناءها في هذا الشأن ترشيداً وتدريباً وقدوة من صميم مفهوم التوعية الأمنية. هذا بالإضافة إلى ما ترسخه الأسرة من مفاهيم العمل وضوابطه وإعلاء لمفهوم العمل اليدوي الشريف أياً كان خاصة المهني والفني بالإضافة إلى الأكاديمي والعلمي، ذلك أن إرساء قيمة العمل الشريف وبذل الجهد في سبيله وما يتبع ذلك من  إخلاص وإتقان وإحسان وتجويد في أداءه؛ مما يضمن للأبناء حصناً من الانزلاق عن جادة الطريق في مغبات الكسب السريع دون جهد أو تعب، كما أن ترسيخ مفاهيم الحلال والحرام والكسب المشروع تقي من الوقوع في كثير من الجرائم والانحرافات. أما ما يختص بتعزيز مفاهيم الوطنية والولاء للمجتمع ومراعاة المصلحة العامة كما الخاصة فيعتبر من أقوى الأدوار المناطة بالأسرة خاصة مع ضعف الانتماءات الوطنية والاعتزاز بالجهوية أو العصبية أو الطائفية على حساب الولاء للوطن والأمة والإسلام. ولعل غالبية الصراعات والحروب المهددة للأمن والسلامة في مجتمعاتنا اليوم لا تكاد تخرج من هذه الأسباب الأمر الذي يجعل الجانب الوقائي المتعلق بحفظ الأرض سواء على المستوى الفردي أو الجماعي أو المجتمعي من أقوى بنود التوعية الأمنية.
د. ممارسة النشاطات الاختيارية (السياسية /الاقتصادية/الاجتماعية/الثقافية) من خلال احترام القوانين واللوائح والنظم وتطبيقها وإتباعها والتعاون مع الأجهزة الضبطية الرسمية في حفظ الأمن واستقراره.
لعل أبرز أدوار الأسرة التي نحتاجها في التوعية الأمنية هي إرساء مفهوم احترام القانون وإتباعه، والالتزام باللوائح والتعليمات في كافة أنشطتنا الحياتية على مستوى قواعد المرور، ولوائح وأنظمة العمل، وقوانين الحفاظ على البيئة، والتعامل مع الجار بما في ذلك تعلم النظام واحترام حريات الآخرين والحرص على ممتلكاتهم ومصالحهم وسلامتهم، كذلك احترام رجل الأمن وممثل القانون، وتعليمهم التعاون معه ومساعدته كأحد المهام الحياتية؛ كما نعلمهم التعاون بحسن الخلق والمعشر الطيب مع كافة أفراد المجتمع، وما يتبع ذلك من حفاظ على حقوق الأخرين بقدر مطالبتنا باستيفاء الآخرين لحقوقنا عليهم. هذا بالإضافة إلى تعاونهم مع الأجهزة الأمنية والضبطية في كل ما من شأنه أن يهدد أمن وسلامة المجتمع ومن فيه فردا كان أو جماعة. كما يشمل ذلك تعليمهم الطرق الصحيحة للتعبير عن الرأي وما يتبع ذلك من ضوابط وما قد ينتج عنه من مخاطر ويحيطه من مهددات ولعل هذا الدور هو أبرز ما تحتاج الأسرة العربية إلى تفعيله خاصة بعد ما حدث في الربيع العربي من مظاهرات احتجاج وتعبير عن الرأي تحولت إلى مظاهر تخريبية وما نتج عنها من فقد في الأرواح والممتلكات فلو أن شبابنا كان يمتلك معها وعياً أمنياً لتغيرت صورة المآلات.
ولعله يمكن إجمال أدوار الأسرة في التوعية الأمنية التي تقدم شرحها من خلال وظائف أربع:
أ.التربية والرعاية: وكل ما يتضمنها من اهتمام بالأبناء وصحتهم ونموهم العقلي والجسدي منذ حسن اختيار الأم والأب مروراً بوضوح الأهداف المحددة لتربيتهم وانتهاءا بكل ما من شأنه تحقيق هذه الأهداف، من حسن مأكل وملبس وتعليم وتثقيف؛ إلى تجنيبهم وحمايتهم من كل المخاطر الحياتية التي يمكن أن تهدد حياتهم أو سلامتهم بما فيها من الحرائق والحوادث والأمراض الفتاكة والانحرافات والجرائم...الخ.
ب.الضبط الاجتماعي: وما يشمله من غرس لمنظومة معيارية متكاملة من القيم والأخلاق والوازع الديني والقدوة الصالحة، إضافة إلى الرقابة الذاتية أو الخارجية المباشرة وغير المباشرة التي يجب أن يجيدها الآباء ليحولوا دون تعرض أبناءهم للمخاطر المهددة لسلامتهم، وكذلك لكي يحولوا باكراً دون وقوع أبناءهم في براثن الجريمة والتطرف والصحبة غير الصالحة.
ج.الوقاية من الجريمة: وذلك من خلال الرقابة الذاتية والخارجية ومن خلال توعية الأبناء بأنواع الجرائم وخطورتها وعواقبها وآثارها التدميرية على الفرد وعلى المجتمع.
د.التنشئة وتنقسم إلى: التنشئة الدينية، والاجتماعية، والأخلاقية، والثقافية.(اليوسف،2007،768)  وفيها يتم نقل المرتكزات الثقافية المجتمعية والعادات والتقاليد والعقائد والطقوس والشعائر السائدة في المجتمع من جيل إلى جيل عبر التنشئة.
       وهكذا فإن تسلحت الأسرة بالايمان وامتلكت رؤية رسالية شاملة وأهدافاً محددة لتحقيقها من خلال تكوين الأسرة وتربية الأبناء متمثلة مبدأ القدوة فعلاً وقولاً فإن الامن والنماء والرخاء هو حصيلة بذلها لها وللمجتمع على حد سواء.







التوصيات:
1.   التعامل مع دور الأسرة في التوعية الأمنية من خلال المفهوم الإسلامي الشامل للأسرة والمحدد لمسؤولية كل المستظلين بظلها والمستفيدين منها، إقراراً لمبدأ " كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته ".
2.   ترسيخ دور الأسرة الممتدة والجار والمجتمع المحلي في الضبط والرعاية والوقاية من الجريمة.
3.   الاهتمام ببرامج التأهيل للحياة الزوجية وتشجيع المقبلين على الزواج للحصول عليها ولو تطلب الأمر أن تكون ضمن شروط إجراءات العقد مثل الفحص الطبي في بعض الدول.
4.   الاهتمام بتصميم برامج تدريبية للأسر فيما يختص بالتوعية الأمنية خاصة حماية الأطفال من المخاطر.
5.   ضرورة تفعيل التعاون المشترك بين الأسرة والمدرسة و المؤسسات التعليمية الأخرى لتدعيم برامج التوعية الأمنية.
6.   إشراك الأسر من خلال المجالس المحلية مع الوحدات والأجهزة الضبطية وفروعها في  في المراقبة أو الضبط تفعيلاً للتعاون بينهم.
7.   تفعيل نماذج القدوة في المجتمع وتسليط الضوء عليها من خلال وسائل الإعلام.
8.   استحداث برامج متنوعة وجاذبة (ثقافية ورياضية واجتماعية) لاستيعاب طاقات الشباب وتوظيفها فيما هو مفيد، خاصة في مواسم الإجازات وأوقات الفراغ.
9.   شحذ إمكانيات وسائل الإعلام وبرامجها لنشر التوعية الأمنية.
10.                     تصميم برامج إعلامية جاذبة توازن تأثير الثقافة المستلبة في ترسيخ الثقافة المحلية وتعزيز المنظومة الدينية والقيمية والأخلاقية.
11.                     إعادة إحياء الدور الاجتماعي والثقافي والتعليمي للمسجد باعتباره أول مؤسسة مساندة للأسرة في التربية والتعليم والتوعية.
12.                     ضرورة تكامل الجهود بين الأسرة وكافة المؤسسات والجهات المعنية بالتوعية الأمنية.


*  انظر مقال للكاتبة في مجلة الأمن والحياة بعنوان: من لأبناءنا ؟ العدد: 34، سبتمبر 2013، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق