الخميس، 6 أكتوبر، 2016

البدو الرحل في السودان

تقع دولة السودان في المنطقة المدارية بين خطي عرض 10 – 23 درجة شمال خط الاستواء ويقسم الى أقاليم مناخية هي الصحراء شمال خط 16 درجة وشبه الصحراء شمال خط 13 والسافنا شمال خط 10درجة شمال خط الاستواء. كما توجد مناطق مرتفعة في جبال البحر الأحمر وجبل مرة. أعداد سكان السودان حوالي 40 مليون (بعد انفصال الجنوب يصبح العدد 32 مليون). يعتمد السكان على الزراعة المتمثلة في إنتاج المحاصيل وتربية الحيوان. المساحة التي تصلح لإنتاج المحاصيل حوالي 200 مليون فدان تزرع منها فقط 20%. بينما مساحة المراعي الطبيعية حوالي 280 مليون فدان يضاف لها مخلفات المحاصيل و المساحات التي لا تزرع.
تقدر الثروة الحيوانية في السودان بحوالي 140 مليون رأس من الأبقار و الجمال و الضأن و الماعز أكثر من 90% منها تربى بطريقة تقليدية في النظام الرعوي الترحالي. توجد الجمال و الضأن في المناطق الصحراوية و شبه الصحراوية بينما توجد الأبقار في المناطق الأكثر مطرا في السافنا. نظام الترحال يشمل حوالي ثلاثة ملايين شخص يترحلون لرعاية الحيوان من الشمال للجنوب و بالعكس. حركة الترحال تستغل الموارد الرعوية في مناطق كبيرة حيث تتبع توفر المراعي و البعد عن الآفات و الحشرات التي تصيب الحيوانات.
يتميز نظام الرحل بأنه نظام رفيق بالبيئة النباتية حيث تؤدي حركة الحيوان الى:
-          تقليل الضغط على المواردالرعوية.
-         نقل بذور النبات لتحسين خواص المرعى.
-         قلة الرعي الجائر نسبة للحركة المستمرة للحيوان.
 الحيوانات التي يربيها الرحل هي سلالات تقليدية من الأبقار و الضأن و الماعز و الإبل تتميز بقلة الإنتاجية من الألبان و اللحوم مع ضعف وسائل التسويق ولكن بالرغم من ذلك فان إسهام قطاع الرحل في الدخل العام كان يعتبر كبيرا جدا قبل ظهور البترول ولذلك لكبر القطيع.  أما الفائدة للرحل فهي قليلة حيث ظل نظام لا يتيح للراعي فرصة الاستقرار للتمتع بالخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والمياه. ولذلك ظل هذا النظام كما هو دون أن تمتد له يد التطور والتحسين إلا في القليل.الآن يتعرض هذا النظام لمشاكل تهدد وجوده منها:

أولا: ضيق المساحات المتاحة للمرعي والترحال وذلك لأسباب أهمها:
-         تمدد الاستقرار والمزارع الآلية والتقليدية في المساحات الرعوية ومسارات الرحل.
-         تمدد النشاط الصناعي في المساحات الرعوية (البترول).
-         تغير المناخ وقلة إنتاجية المراعي وتحول مناطق واسعة الى صحاري.
-         كبر حجم القطيع والزيادة السنوية التي تضاف خاصة في المواسم ذات الأمطار الجيدة.
-         انفصال دولة الجنوب حيث جزء من المرعى الصيفي داخل حدود الدولة الجديدة.

ثانيا: المشكلات الأمنية بسبب:
-         النزاعات الأهلية وانعدام الأمن أخرج بعض المناطق من المرعى.
-         التنافس على موارد المياه والمراعي.
-         تعدي الزراع على مسارات الرحل وأماكن الراحة.
-         عدم توفر المياه في بعض المناطق التي يمكن أن تكون مراعي طبيعية.
-         سرقة الحيوانات.

ثالثا: المشكلات المتعلقة بالإنسان:
-         صعوبة توفير خدمات التعليم و الصحة و المياه النظيفة.
-         حياة الكفاف وصعوبة الدخول في الحياة الاقتصادية.
-         الاعتزاز بالترحال واعتباره نمطا مميزا للحياة.
-         الاهتمام بأعداد الحيوان دون النوعية والإنتاجية.
-         صعوبة التكيف مع التغيير الذي حدث في المرعى والمياه والنباتات.
رابعا: الخدمات المتعلقة بالحيوان:
-         نوعية الحيوان تقليدية متوارثة أهم ما يميزها القدرة على السير لمسافات طويلة.
-         قلة الإنتاجية من اللحوم والألبان.
-         عدم الاهتمام بالتهجين وصحة الحيوان.
-         الاتجاه لزيادة العدد لمقابلة السنوات قليلة الإمطار.
-         التغذية تعتمد على النبات الطبيعية مما يجعل الحيوان يتعرض للجوع وقلة البروتين.
-         السير لمسافات طويلة يكسب الحيوان عضلات قوية لا تصلح للحوم.
هذا إضافة الى فشل النظام الرعوي لإحداث أي طفرة إنمائية لتحسين حياة الرعاة والأسر الرعوية ويتمثل ذلك الى ضعف فرص التعليم والصحة والمياه وكذلك خدمات الحيوان الصحية والتسويق للمنتجات. وظلت الصورة النمطية للرحل هي قطعان من الأبقار تتبعها الأسرة على ظهور الثيران أو الجمال.  
لذلك فان هذا نظام الرعي الترحالي يتعرضللمنافسة الحادة على موارد الأرض و المياه مما يؤدي لقلة المراعي حيث يقدر إنتاج المراعي الطبيعية بحوالي 62 مليون طن يستهلك منها 75% بينما تمثل المخلفات الزراعية حوالي 22 مليون طن يستهلك نصفها تقريبا أما الأعلاف المزروعة و المركزات فهي لا تزيد عن اثنين مليون طن و الحاجة الكلية للقطيع هي حوالي 89 طن من العلف.
كذلك يعاني الرحل من قلة المياه  كما يتعرضون للاحتكاكات الأمنية التي تؤثر على الترحال. كما يحتاج الراعي الى التعليم و الصحة و الخدمات الأخرى. أما الحيوان فهو يحتاج الى التحسين من حيث النوعية والقدرة على الإنتاج والى توفير الاحتياجات من المراعي الجيدة والرعاية الصحية. و يحتاج النظام كله الى تحسين ظروف الرحل للاستفادة من إنتاجهم في تنمية نمط الحياة وذلك بتحسين التسويق للمنتجات وتحويل الرحل من الكفاف الى الحياة الاقتصادية التي تدفع الإنسان للأحسن دائما.  لكل ما سبق يبدو نظام الرحل بطريقته الحالية غير قابل للحياة أو التطور ولا الاستمرار و لذلك فانه من المهم تحديد الطرق المثلى لاستقرار الرحل وحفظ نظام تربية الحيوان وتحويله للنظم الحديثة التي تهتم بتحسين نوعية الحيوان لزيادة إنتاجه الذي يترجم تحسنا لحياة الرحل وتوفير الخدمات الأساسية للإنسان والحيوان و حل المشكلات الأمنية.
نظام الترحال يوجد في أغلب مناطق السودان حيث رعاة الإبل في الشرق حيث يوجد البجا و في غرب السودان يوجد الكبابيش والرزيقات وغيرهم. أما رعاة البقر فهم في قطاع السافنا من الشرق حيث توجد قبائل كنانة و البوادرة و الشكرية و اللحويين ثم النيل الأبيض حيث قبائل الصبحة وسليم وفي كردفان الحوازمة و اولاد حميد و المسيرية وفي دارفور المعاليا و الرزيقات و بني هلبة و غيرهم. يرحلون من الجنوب للشمال في بداية شهور الخريف (يونيو يوليو وأغسطس) الى مناطق المخرف حيث يمضون شهور سبتمبر أكتوبر و نوفمبر ثم تبدأ رحلة العودة لمناطق المصيف خلال شهور ديسمبر  يناير فبراير مارس أبريل ومايو. المناطق الجنوبية تتوفر فيها المراعي و المياه على مدار العام في الأنهار مثل بحر العرب و الرهد و الدندر و السوباط والبحيرات مثل بحيرة أبيض وكيلك و الفيوض حيث تتجمع مياه الأمطار. أما أصحاب الإبل فهم يرحلون في الخريف (النشوق) الى حيث يتوفر الماء و الكلأ و يرجعون لمناطق الآبار (الدمر) حيث تتوفر المياه. و يذهب الكبابيش الى مناطق الجزو في عمق الصحراء.
ثقافة الترحال تعتمد على المعرفة الكبيرة الموروثة خلال عقود من الزمان وربما قرون والرحل يحبون هذا النمط من الحياة و يصعب عليهم تغييره. ولكن بالرغم من ذلك فان بعضهم أجبرته الظروف الى الاستقرار أو قيام المشاريع الزراعية دفع بعضهم للاستقرار. وقد قامت تجارب عديدة لاستقرار الرحل نجح بعضها و أخفق الآخر نتيجة لظروف منطقية يمكن أن تدرس للاستفادة منها. الزراعة المروية في الجزيرة والرهد وحلفا الجديدة دفعت الناس للاستقرار وفي الزراعة المطرية كثير من التجارب في شرق وغرب السودان لم تنجح لأسباب منها عدم الاستشارة للرحل أو ضعف الرقابة الإدارية على المشاريع فتعرضت للضغط و انهارت.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق