الثلاثاء، 25 أكتوبر 2016

علاقة الافتراس

   الافتراس : PREDATION                                        
             إن الافتراس عبارة عن اقتناص حيوان حي من أجل الغذاء . ويمكن تصويره بشكل نموذجي بالعلاقة الموجودة بين الصقر والفأر .وبين سمك القاروس وسمك المنوة .وبين الأسد والظبي وهلم جرا . وتكون المفترسات آكلات لحوم (Carnlvoes  في المستويات الاغتذائية بدرجة أعلى من آكلات الأعشاب  ( herblvores ) . وهكذا فإن الصقر الذي يتغذى على طير آكل للبذور يكون في مستوى اغتذائي ثالثي . والصقر الذي يتغذى على طير آكل للحشرات يكون في مستوى اغتذائي رابعي .. الخ .
ويعد الافتراس علاقة مثيرة إلى حد كبير بين جماعات حيوانية متباينة . وقد أنشأ الانتخاب الطبيعي تكيّفات معقدة هائلة حول الافتراس . إذ أنه جلب انتباه علماء الطبيعة وعلماء البيئة بدرجة ملحوظة . ومع ذلك . فإنه خلال هذا القرن فقط وصل الإنسان الحديث إلى إدراك كاف للأهمية البيئية للافتراس . وفي الحقيقة . فإنه ما زال العديد من البشر وخاصة أولئك الذين يشجعون برامج المنح السخية الموجهة نحو القضاء على الصقور والثعالب والقيوط والأسود الأميركية والذئاب . غير قادرين لحد الآن على إدراك الأهمية الحقيقية للافتراس .
 وقد كانت قصة كيباب ( Kaibab story  ) في العشرينات من هذا القرن واحدة من الأدلة الواضحة على الأهمية البيئية للافتراس في الحفاظ على موازنة الجماعات الحيوانية . فمنذ عام 1906  ولغاية عام 1930 أدت حملة شاملة لفترة سنوات عديدة للتحكم في الافتراس إلى قتل جماعي للذئاب والأسود الأمريكية والقيوط والوشق . وبالتالي فقد تزايدت جماعة الأيل الاذاني بصورة انفجارية من قطيع أصلي يتألف من  4000 أيل إلى قطيع يحوي أكثر من 100,000  أيل بحلول عام 1924  . وقد قام الأيل بالقضاء على جميع المؤونة الغذائية المتوفرة بالغابة . وفي شتاء عام 1924  هلك ما يقدر بـ 60,000 أيل نتيجة للجوع . ولقد انقضت عشرات السنين قبل أن تسترجع الغابة وقطيع الأيل ازدهارها ( Allen,1954 ) . ومع أن عوامل عديدة بجانب التخلص من الافتراس قد أسهمت في الزيادة المفاجئة لجماعة أيل كيباب . إلا أن إزالة المفترس أدت إلى تفاقم المشكلة ( راجع الفصل الخامس عشر ) .
وفي متنزه يلوستون ( Yellowston Park ) أدى تحكم مفرط للافتراس في بداية القرن العشرين أيضا إلى زيادة في جماعة كبش الجبال الصخرية والألكة ( وهي نوع من الأيل ) . فأصبح الموطن مزدحما وتدهورت ظروف المألف وأصيبت الحيوانات بالدودة الرئوية ومرض ذات الرئة. وخمج الدم النزيفي . وان الأوجه البيئية لهذه الأمراض غير مفهومة بصورة تامة . إلا أنه يعتقد بأنها تتعلق بظروف مألف سيئة وربما بغياب إزالة المفترس للأفراد الضعيفة .
ولقد أظهرت دراسات عديدة بأن الافتراس يزيل بصورة اختيارية الأفراد حديثة السن والمعمرة والمريضة أو المصابة من جماعة الفريسة . ولقد بين دوروارد ألن Durward Allen  وتلامذته بأن الذئاب في متنزه آيل رويال الوطني تقوم بافتراس شامل تقريباً لحيوانات الموظ الحديثة السن والمعمرة وبصورة خاصة تلك التي تكون ضعيفة ( Mech,1966 ) . ونادراً ما يتم اقتناص حيوان بالغ في ريعان صباه من قبل الذئاب . ويبين جدول ( 1 - 18 ) تركيب الأعمار لخمسين موظا تم اقتناص الذئاب لها على جزيرة رويال . فإن 94 بالمائة من الموظ التي اقتنصها الذئاب كانت عجولاً بعمر أقل من سنة أو أفراداً مسنة ذات عمر يتراوح بين ثمانية أعوام إلى عشرين عاما . وقد وجد موري ( Murie, 1944 ) عند تحليله لوفيات كبش الجبال التي يعزي البعض منها إلى الافتراس بواسطة الذئاب . بأن 69 بالمائة من الوفيات كانت ضمن الحيوانات المسنة و 16 بالمائة كانت ضمن الحيوانات في عامها الأول من العمر و 9 بالمائة كانت ضمن الأفراد البالغة المريضة حدا . وحدثت 6 بالمائة فقط من الوفيات المعروفة بين الأفراد البالغة السليمة التي تتراوح أعمارها بين عامين إلى ثمانية أعوام . ولقد أعطت دراسات شالار Schaller عن الأيل والنمور في الهند عام 1967 وعن الأسد والثيتل الأفريقي في أفريقيا عام 1969 نتائج مشابهة . على الرغم من أنه وجد في الهند بأن بعض النمور تقتنص بعض أفراد الأيل التي تكون في ريعان صباها ولم يكن غذاؤها يقتصر على الأفراد حديثة السن والأفراد المعمرة بصورة شاملة إلا أنه غالبا ما يكون كذلك .
وهكذا يبدو أن الافتراس يعمل في الجماعات الحيوانية كطريقة طبيعية للتحكم النوعي . فعند إزالة تلك الأفراد التي يمكن اقتناصها من الجماعة . يميل الافتراس لإزالة الأفراد البطيئة والضعيفة والعاجزة . وتكون الحيوانات النشيطة والسليمة وجيدة التكيف أقل عرضة للوقوع ضحية للمفترس .
ولقد أكد هذه النقطة العالم ايرنكتون  Errington  على الافتراس عام 1967 وذلك في دراساته التي استمرت طوال حياته . فقد لاحظ ليرنكتون في فران المك وطيور السلوى وطيور الطيهوج وجماعات حيوانية أخرى والتي عني بدراستها . بأن شرائح معينة من الجماعة كانت غير حصينة للافتراس بينما كانت شرائح أخرى مأمونة تماماً . وقد كانت الأفراد غير الحصينة نتيجة لبعض الصفات الصحية أو السلوكية معرضة للافتراس على الأغلب . ومن الناحية السلوكية . فإن الحيوانات غير الإقليمية والأفراد الخاضعة والمتجولة بصورة واسعة . غالباً ما تقوم باجتياز المواطن الحدودية بصورة متكررة فتقع ضحية لفعل المفترس . وهكذا نرى . من وجهة نظر مختلفة . الدور التنظيمي للافتراس في جماعات الحيوان .
وهناك بالطبع . أنواع عديدة للافتراس لا تكون انتخابية على النحو المشار إليه . فطيور السنونو التي تتغذى على حشرات العث والذباب . وأسماك المنوة والسلمون التي تتغذى على يرقات البعوض . وآكل النمل الذي يتغذى على مستعمرة نمل . تكون أقل تمييزاً في اقتناص الفريسة . وبالتأكيد يتم افتراس العديد من الأفراد السليمة والقوية والنشيطة . وفي مثل هذه الحالات التي تتضمن أعداداً كبيرة . فإن جماعة الفريسة تظهر إنتاجية عظيمة تمكنها من استيعاب هذه الوفيات الجماعية . وتمتلك العديد من الأسماك والحشرات واللافقريات الأخرى إنتاجاً هائلاً من البيض واليرقات . ولكن نسبة مئوية صغيرة فقط من هذه تتفادى انقضاضات الافتراس وأشكالاً أخرى من الخسارة . فعلى سبيل المثال يقوم السرطان الشبيه بنعل الفرس Limulus  والذي يعيش في المصبات والمياه الساحلية بوضع بيضه على السواحل الرملية حيث تقوم أسراب طيور النورس وطيور ساحلية أخرى باستهلاك أعداد كبيرة منها . كما تغسل أعداد ضخمة من البيض إلى البحر وتؤكل من قبل الأسماك بينما يتم دفع البعض الآخر إلى أعلى الساحل حيث تموت نتيجة لجفافها . وعلى الرغم من هذه الخسارة الخيالية في البيض واليرقات فإن السرطان Limulus يستمر على البقاء بجماعات كبيرة . ولقد بقي على هذه الحالة خلال فترة الـ 180 مليون سنة الماضية . ويعد هذا الحيوان واحداً من أقدم الحيوانات على الأرض . فلقد عمر لفترة أطول من المفصليات الثلاثية الفصوص ( trlloblles ) والديناصورات بملايين السنين ولا يزال وفيراً بصورة تكاد لا تصدق .
       ولقد كان هناك اهتمام ملحوظ بالافتراس كعامل للسيطرة الكمية على الجماعة إضافة إلى السيطرة النوعية . فمن ناحية واحدة . أراد الرياضيون الحد من الافتراس وذلك لقلقهم بأنه قد يقضي على أعداد مفرطة من طيور الصيد وطيور البراري الأخرى . ولذلك فلقد قامت بعض المنظمات الرياضية بدعم حملات تحكم ضد الصقور والبوم والثعالب والقيوط والذئاب والأسود الأمريكية ومفترسات أخرى بحجة الحفاظ على الطبيعة . ومن الناحية الأخرى . غالباً ما كان علماء البيئة مهتمين بتشجيع الافتراس كطريقة للسيطرة البايولوجية على الحيوانات الضارة . وبصورة خاصة الحشرات والقوارض . وحتى كسيطرة بايولوجية ضرورية لحيوانات مرغوب فيها مثل الأيل لمنع جماعاتها من الوصول إلى مستوى وبائي .
        وتوفر المصادر العلمية عن الافتراس بعض الأمثلة التي يمارس فيها الافتراس سيطرة كمية على الجماعات الحيوانية وأمثلة أخرى لا يمارس فيها الافتراس هذا التحكم . فلقد استنتج موري عام 1944 بأن الافتراس من قبل الذئب كان أحد العوامل الأساسية المحددة لأعداد أغنام دال ( Dall sheep  ) في منطقة ماونت مكنلي في ألآسكا . كما شعر أيضاً بأن الافتراس من قبل الذائب كان الكابح المهم لجماعة أيل الرنة . وكان الافتراس بصورة واضحة عاملاً محدداً مهماً للأيل الذاني الغربي في غابة كيباب الوطنية . حيث ازدادت هذه الجماعة فجأة بعد أن بدأت البرامج الشاملة للتحكم بالافتراس في عام 1906  . وبصورة مشابهة . استنتج شالار عام 1967  بأن الافتراس من قبل النمر كان العامل المحدد الرئيس لجماعات الأيل من نوع Cervus axis  والصمبر Cervus unicolor  وأيل المستنقع Cervus duvauceli  في وسط الهند . ولقد حسب ( قدّر  ) شالار بأن النمر البالغ يحتاج من 6300 إلى 7300  رطلاً من حيوانات الفريسة سنوياً لتغذيته ويتضمن هذا عادة 30  إلى 40  فريسة سنوياً يتراوح وزن كل فريسة بين 50 إلى 100 كيلو غرام . ويمثل هذا محصولاً ذا أهمية لجماعة الفريسة ومن المحتمل أنه يمثل تأثيرا تحكميا بارزاً .
   وهناك أيضاً أمثلة من مصادر علم الحشرات حيث يقوم الافتراس بتحكم جماعي ذي شأن على جماعة الحيوان . وفي دراسة تقليدية على توازن الجماعة الطبيعي في ذبابة العفص ( Urophora    jaceana  ) ( حشرة صغيرة تعود إلى رتبة ثنائية الأجنحة ) . استنتج فارلي عام 1947 بأن اقتناص الفئران لحوريات الحشرة كان واحداً من عوامل التحكم الرئيسة . ولقد أظهرت معلوماته بأن 22 إلى 43بالمائة من وفيات الذباب كان بسبب هذا الافتراس . ولقد أوجدت دراسة معينة على ذباب تي تي ( Glossina spp ) في أفريقيا بأن العناكب المفترسة هي عامل سيطرة على وفرة الذباب وتوزيعه ( Sladen , 1969 ) . ولقد تم استخدام مفترسات الحشرات أيضاً في سيطرة البايولوجية التطبيقية للآفات الزراعية في بعض الحالات . ففي كاليفورنيا . تمت السيطرة بصورة فعالة على قشرة الوسادة القطنية ( حشرة تعود إلى رتبة نصفية الأجنحة وتكون آفة ضارة بالنباتات الحمضية ) بواسطة خنفساء الدعوقة المفترسة التي استوردت من استراليا . وفي جزر هاواي تمت السيطرة على الحشرات النطاطة لقصب السكر بواسطة بقة الكابد ( Kedeigh , 1961  ) .
           وتؤدي تفاعلات المفترس - الفريسة في بعض الأحيان إلى حدوث تذبذبات منتظمة . ويظهر شكل      ( 3 - 18 ) التذبذبات الجماعية للبعوضة ( ِAedes aegypti   ) ولمفترسها البعوضي الأكبر                   ( Toxorhynchites brevipalpis  ) ( Trips , 1973 ) . وفي هذه الحالة . يبدو أن للمفترس دوراً أساسياً في التحكم بالفريسة بصورة حقيقة . ونظراً لكون البعوض المفترس Toxorhynchites يتغذى فقط على بعوض آخر . فانه قد يقوم بعمل مفيد في السيطرة البايولوجية لبعوضة Aedes aegypti  التي تنقل الحمى الصفراء .
وإن الأمثلة وفيرة أيضاً على تفاعلات المفترس - الفريسة التي لا يكون فيها للمفترس تأثير تحكمي مهم بجماعة الفريسة . وفي الدورات الجماعية التقليدية للأرنب ذي القبقاب الثلجي والوشق . يقوم الوشق بالتغذية على الأرانب بصورة أساسية . ولكن تبدو جماعات الأرنب بأنها تزداد وتنخفض بصورة مستقلة عن جماعة الوشق . وفي الحقيقة . تكون جماعات الأرنب في المناطق الخالية من الوشق دورية أيضاً . ويبدو بأن التأثيرات المتحكمة المهمة بجماعات الأرنب تشمل المؤونة الغذائية وعوامل داخلية أخرى تتعلق بالكثافة المفرطة والتزاحم والضغط .
وبصورة مشابهة . أظهرت دراسات جماعة فئران المسك وطيورة الحجل بأن الافتراس لا يكون عامل تحكم أساسي بجماعات هذه الأنواع . واستنتج ايرنكتون عام 1946 بأن "جزءاً كبيراً من الافتراس لا يكون له تأثير تخفيضي " وقد لاحظ إضافة إلى ذلك ما يأتي :
بمفهوم إن ضحايا عامل معين تتجنب ببساطة من أن تصبح ضحايا عامل آخر . وطرز عديدة من الفقدان - بما في ذلك الخسارة نتيجة للافتراس - تكون على الأقل متبادلة التوازن بصورة جزئية بتأثيرها الصافي على الجماعة . وبغض النظر عن عدد الأفراد الذي لا يحصى أو النسبة المئوية الكبيرة للجماعة التي قد تقتل سنوياً من قبل المفترسات . فانه يبدو بأن الافتراس غير فعال كعامل محدد .
ولقد عبر واين - ادواردز عن فكرة مشابهة عندما كتب عام 1962 :
لا يكون الافتراس عملية معتمدة - الكثافة في مفهومه الأساسي . ولا يكون قادراً على التحكم بجماعة الفريسة بصورة مستقلة من الخارج . إن تعاون جماعة الفريسة بتأمين عدد فائض من أعضائها يكون حساساً بصورة خاصة للمفترسات خلال عمل النظام الاجتماعي . وغالباً ما يكون من المؤكد بأنه العامل الأساسي الذي يكمن وراء ما قد يكون للافتراس أن يمتلك من معتمد - الكثافة وتأثير اتزاني .
ومن ناحية أخرى . وجد واين - ادواردز من دراساته بأن الافتراس ينال من الأفراد الفائضة بصورة أساسية . الأفراد التي تخضع لعامل وفيات مهم آخر . فقد تكون متخلفة جسدياً . أو قد تكون في موطن غير ملائم أو أنها قد تكون حساسة سلوكياً للافتراس والمرض والجوع أو لأي عامل من عوامل الوفيات العديدة . وقد لخص ايرنكتون وجهة نظره عن الافتراس عام 1967 بما يلي : " ينتمي الافتراس إلى معادلة الحياة " أي أنه اعتبر الافتراس جزءاً مهماً في نسيج الجماعات المتفاعل .
وتعد التشكيلة الكبيرة للتكيفات التي نشأت كاستجابة للافتراس . وجهاً مهماً آخر له كعامل مؤثر في بيئة الجماعات والانتخاب الطبيعي . ويقع التلوين الوقائي والتلوين التحذيري والتنكر ضمن هذه الفئة من التكيفات . ولقد تطورت أيضاً الاستجابات المظهرية والسلوكية لسرعة الطيران والوقاية والسلوك المضلل وسلوك التجمد وأنماط متخصصة عديدة أخرى في أنواع متباينة من الأحياء كتكيفات للحد من عدد الوفيات الناجمة عن الافتراس . وتعد العلاقة الحميمة بين بعض أنواع العث وبين الخفافيش التي تتغذى عليها ذلك النظام المشوق الذي تمت دراسته بشيء من التفصيل . إذ تقوم الخفافيش بتحديد مواقع العث بإصدار ذبذبات فوق صوتية والكشف عن الصدى الذي ينعكس من حشرات العث الطائرة . ويعد هذا مثالاً على جهاز صوتي طبيعي ( Novick,1969  ) . ولقد طورت حشرات العث القدرة على كشف هذه الذبذبات فوق الصوتية للخفافيش . وعندما تدرك اقتراب خفاش فإنها تقوم على الفور بطيران لولبي مضلل ومعقد لتتفادى الخفاش . وأصبح التفاعل " معركة جوية " في الهواء بين الخفاش والعث . حيث يحاول العث تفادي الخفاش . ولقد نشأت هذه القدرة والسلوك نتيجة استجابة انتخابية للافتراس بنفس الطريق الذي نشأ فيه التلوين الإخفائي . وفي كلتا الحالتين تم انتخاب الطفرات المفيدة ونشرها .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق