الثلاثاء، 11 أكتوبر، 2016

شروط المجتهد

شروط المجتهد هي :
الشرط الأول : أن يكون عارفاً بكتاب الله تعالى وما يتعلَّق به ، فإذا أراد المجتهد الاستدلال بآية على حكم حادثة فلابد أن يعرف : هل هي ناسخة أو منسوخة ؟ وسبب نزولها ، وأقوال الصحابة في تفسيرها ، وأقوال كبار التابعين فيها وتفاسير علماء الشريعة لها ، وأن يعرف ما يعارضها من آيات أخر أو أحاديث ، وأن يعرف نوع دلالتها على الحكم ، وإعرابها .
ولا يشترط حفظ القرآن ، بل المشترط تذكر آيات الأحكام ، فمثلاً لو نزلت حادثة تخص الأطعمة فإنه يعرف مواقع آيات الأطعمة ، وكذلك مواضع آيات الحدود ، وآيات النكاح والطلاق والرضاع والنفقات ونحو ذلك .
الشرط الثاني : أن يكون عارفاً بالسنة ، فإذا أراد الاستدلال بحديث على حكم حادثة، فإنه لابد أن يعرف عنه مثل معرفته عن الآية كما قلنا سابقاً .
ويزاد في الحديث : معرفة سند الحديث ، وطريق وصوله إلينا وحال رواته من العدالة والضبط ونحو ذلك .
الشرط الثالث : أن يكون عالماً بالمجمع عليه من الأحكام ، وذلك لئلا يجتهد في مسألة قد أجمع العلماء على حكمها .
الشرط الرابع : أن يكون عالماً بالمختلف فيه من الأحكام ، فيعرف المسألة وأدلة كل فريق ، لذا حرص الأئمة الأربعة ومن تبعهم على معرفة الاختلافات والمناظرات والمحاورات في المسائل التي اختلف فيها بين الصحابة .
الشرط الخامس : أن يكون عالماً بعلم أصول الفقه ؛ فمن جهله لا يمكنه ترتيب الأدلة، ومعرفة الأدلة المتفق عليها والأدلة المختلف فيها ، فلابد من معرفته ؛ ليعرف تلك الأدلة وشروطها ، وأدلة ثبوتها ، وفك التعارض بينها .
الشرط السادس : أن يكون عالماً بالقياس ؛ حيث إن أكثر من نصف الفقه مبني عليه، فيعرف أركانه ، وشروطه وتفاصيل مسائله . قال الإمام الشافعي : "من لم يعرف القياس فليس بفقيه" ، وقال الإمام أحمد : " لا يستغني أحد عن القياس" .
الشرط السابع : أن يكون عالماً باللغة العربية وقواعدها من لغة ونحو وبلاغة وبديع ، وأن يعرف كل ما يتوقف عليه فهم الألفاظ ؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب ، والرسول r من أفصح العرب ، فلا يمكن لأي شخص أن يعرف ما تدل عليه ألفاظهما إلا بمعرفة اللغة العربية ، فبسبب معرفته لذلك يستطيع أن يفرق بين صريح الكلام ، وظاهره ، ومجمله ، وحقيقته ومجازه ، وعامه ، وخاصه ، ومحكمه ، ومتشابهه ، ومطلقه ، ومقيده ، ونصه ، وفحواه ، ولحنه ، ومنطوقه ، ومفهومه .
الشرط الثامن : أن يكون عارفاً بمقاصد الشريعة ، فيعرف المجتهد مقاصد الشارع العامة من تشريع الأحكام .
الشرط التاسع : أن يكون خبيراً بمصالح الناس ، وأحوالهم ، وأعرافهم ، وعاداتهم .
الشرط العاشر : أن يكون عدلاً مجتنباً للمعاصي القادحة في العدالة ، وهذا الشرط يشترط لجواز الاعتماد على فتواه ، فمن ليس بعدل وتوفرت فيه شروط المجتهد السابقة ؛ فإنه لا تقبل فتواه ولا اجتهاده ، ولا يعمل بها الآخرون ، أما هو فيجب عليه أن يعمل باجتهاده .
الاجتهاد يكون فرض عين ، ويكون فرض كفاية ، ويكون مندوباً ، ويكون محرَّماً ، وإليك بيان ذلك :
أولاً : يكون الاجتهاد فرض عين في حالتين :
الحالة الأولى : اجتهاد المجتهد في حق نفسه فيما نزل به ؛ لأن المجتهد لا يجوز أن يقلِّد غيره في حق نفسه .
الحالة الثانية : اجتهاد المجتهد في حق غيره إذا تعين عليه الحكم فيه بأن لا يوجد في العصر إلا هو ، أو ضاق الوقت فإنه يجب عليه الاجتهاد على الفور ، لأن عدم الاجتهاد يقتضي تأخير البيان عن وقت الحاجة ، وهذا لا يجوز .
ثانياً : يكون الاجتهاد فرض كفاية عندما تنزل حادثة بأحد ، فاستفتى العلماء ، أو عيَّن واحداً أو طائفة ، فإن الوجوب هنا يكون فرضاً عليهم جميعاً ، فإن أجاب واحد منهم عنها سقط الفرض عن الجميع ، وإن أمسكوا مع ظهور الصواب أثموا ، وإن أمسكوا مع التباسه عليهم عُذروا .
ثالثاً : يكون الاجتهاد مندوباً إليه في حالتين هما :
الحالة الأولى : أن يجتهد العالم قبل نزول الحادثة ليسبق إلى معرفة حكمها قبل وقوعها.
الحالة الثانية : أن يستفتيه سائل عن حكم حادثة قبل وقوعها .
رابعاً : يكون الاجتهاد محرماً في حالتين هي :
الحالة الأولى : أن يقع الاجتهاد في مقابلة دلي قاطع من نص أو إجماع .
الحالة الثانية : أن يقع الاجتهاد ممن الاجتهاد ممن لم تتوفر فيه شروط المجتهد فيما يجتهد فيه .

يجوز تجزؤ الاجتهاد ، أي : يقبل اجتهاد شخص في مسألة معينة إذا عرف دقائقها دون المسائل الأخرى في نفس الباب ، فالشخص العارف لمسألة المشركة –وهي : زوج وذات سدس ، وإخوة لأم وإخوة أشقاء – يجوز له أن يجتهد فيها بشرط : إحاطته بعلم الفرائض إجمالاً وأركانه وشروطه ، وإذا كان جاهلاً بأي مسألة أخرى من باب الفرائض الفرائض .
وقلنا ذلك : لأنه لو كان العمل في جميع مسائل الفقه شرطاً لبلوغ درجة الاجتهاد وشرطاً لقبوله منه : لكان توقف بعض الصحابة –رضي الله عنهم- وبعض الفقهاء في بعض المسائل وعدم قدرتهم على ذلك مخرجاً لهم عن الاجتهاد ، ولكن الأمر ليس كذلك؛ حيث إن توقف بعض الصحابة وبعض الفقهاء لم يخرجهم عن زمرة المجتهدين([1]) .


([1]) هذا مذهب الجمهور ، وقيل : لا يجوز تجزؤ الاجتهاد ، انظر تفصيل ذلك في كتابي : المهذب (5/2329) ، والإتحاف (8/30) .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق