الجمعة، 21 أكتوبر 2016

تربية الأطفال عن الإمتناع عن تعاطي التّدخين و المخدّرات

  
تربية الأطفال عن الإمتناع عن تعاطي التّدخين و المخدّرات
بيّنت عديد الدّراسات أنّ التّدخين هو بمثابة بوّابة تعاطي الكحوليـــات و المخدّرات لدى الأطفــــال و المراهقين. و أثبتت التّجربة أنّ التّوعية و التّحسيس وحده لا يكفي للإحداث تغيّرات سلــوكيّة تساعد على الحمــاية من هذه الآفات إذ يجب السّعي إلــى مراجعة المقاربات التّربويّة، و اعتماد منهجيات ترتكز على تنمية المهارات الحياتيّة الّتي تساعد النّاشئة على تبنّي سلوكيات صحيّة سليمة. و لعلّ المراوحة بين تبصير الناشئة بالقوانين و التّشريعات من ناحية، و التّحدّث عن قرب مع أفصالنا، و وضع إستراتيجيته لمناقشة الظّاهرة من ناحية أخرى وحدها كفيلة بتوعية الأطفال و تربينهم على امتناع التّعاطي و خوض هذه التّجربة الأليمة.  

1-  تناول ظاهرة الإدمان من زاوية التشريع التونسي.
لقد اعتبرت التّشريعات التّونسيّة ظاهرة المخدّرات من الممنوعات و خير دليل على ذلك هو إدراجها بالرّائد الرّسمي للجمهورية منذ حوالي 20 سنة. "و طبقا لقانون 52 بتاريخ 18 ماي 1992 الصادر بالرّائد الرّسمي للجمهورية التّونسيّة و المتعلّق بالمخدّرات".
Ø   يمنع زراعة و جني كلّ نبات يندرج ضمن القــــائمة « B » الّتي تضمّ المـــوادّ المخدّرة و يحذّر تداولها و خزنها و عرضها و ترويجهــــا و بيعها و التّوسّط في ذلك و شراءهــا و صنعهـــا و تحضيرها و لا يرخّص استعمالها العلاجي إلا عن طريق وصفة طبيّة خاصّة.
Ø   يعاقب بالسّجن من سنة (1) إلى خمس (5) سنوات و بخطيّة تراوح بين 1000 و 5000 دينارا على كلّ من يستهلك مادّة مخدّرة أو يتحوّز عليها لاستهلاكها الخاصّ خارج إطار القانون، كما أنّ محاولة ذلك توجب العقاب.
Ø   يعاقب الّذين يرتادون الأماكن المعروفة صراحة باستهلاك الموادّ المخدّرة.
Ø   يشدّد العقاب على مروّجي المخدّرات و المساهمين في ذلك.
Ø   يصادر الأموال النّاتجة عن تجارة المخدّرات و تبييض الأموال.
Ø   يتسامح مع المدمنين الرّاغبين طوعا في العلاج (إزالة السّموم) و عدم معاقبتهم.
لعلّ الطّفل و خاصّة المراهق عندما نقدّم له هذه القوانين لا يفهمها، و لا يراها من منظـور سليم، و أنّما يرى فيها تعسّفــا على شخصه و حدّا من حريّته، و لكن يجب تضـافر كلّ الجهود لتهيّئهـم و تبصيرهم بمخاطر هذه الآفات و تربيتهم على الامتناع عن تعاطيها. و رغم تأثيرات الإعلاميّة من أفلام، و موسيقى، و تلفاز و الوسائل المكتوبة من جرائد و مجلاّت و مطويات و الّتي تكشف عن مخاطر هذه الآفات القاتلة، فيبقى للأهل التّأثير الأكبر على قناعات الطّفل و المراهق لما علق بهم من ثقة و صدق. و من هنا تأخذ التّربية دورها في الامتناع عن تعاطي الشّابّ لهذه الآفات. فإلى أيّ مدى تسهم التّربية في امتناع الطّفل تعاطي التّدخين أو المسكرات أو المخدّرات؟  


2-  إسهامات التربية الأسريّة في إمتناع تعاطي الشّباب للتدخين و المخدّرات.
‌أ)    اتّخاذ موقف تجاه التّدخين و الإدمان في البيت من البداية: و ذلك بالحديث بشكل مباشر مع الأطفال عن مخاطر التّدخين، و إذا كان هناك صديق أو أحد الأقارب ممّن تعرّض للوفاة بسبب التّدخين فأخبر أطفالك عن ذلك و إذا كنت من المدخّنين، فأفضل خطوة تستطيع فعلها هو الإقلاع عن التّدخين. أمّا الآن فلا بدّ أن تراعي عدم التّدخين أمام أطفالك، أو عرض الدّخان عليهم، أو ترك السّجائر في مكان يسهل عليهم الوصول إليه.
Ø   نبدأ الحــــوار مع الأطفـــال عن التّدخين و المخــدّرات في سنّ الخـــامسة أو السّـــادسة و الاستمرار حتّى نهاية مرحلة الدّراسة الثانويّة. فعديد الأطفال و حسب الدّراسات يبدؤون التّدخين في سنّ الحادي عشر، و يصلون مرحلة الإدمان  في سنّ الرّابعة عشرة. كما نحاول أن نتعرّف إن كان أصدقاء أطفالنا من المدخّنين، فنتحدّث معهم عن أسلوب رفض التّدخين و المسكرات في حال عرضها عليهم من قبل الآخرين، و نتناقش مع أطفالنا عن الطّابع الفتّان الكاذب للتّدخين، و عن العالم المنشود للمسكرات و المخدّرات الّذي تظهره وسائل الإعلام، مثل الأفلام التّلفزيّة و المجلاّت.
‌ب) نضع لأطفالنا قوانين واضحة: يعتبــــر الحديــث مع الأطفـــــال عن مخـــاطر التّدخيــن و المسكرات من الخطوات المهمّة للحفاظ عليهم أصحّاء و في مأمن من الإدمان. لكن هناك العديد من الأهالي الّذين لا يلقون بالا أو اهتمامـا للخطوة الّتي تلـــي هذه الخطـــوة، و هي التّأكّد من أنّ القوانين بخصوص منع الإدمان واضحة للأطفال، فعدم إظهار موقفا واضحا و صريحا ضدّ هذه الظّاهرة، يؤدّي إلى إرباك الأطفال و بالتّالي إغرائهم بهذه التّجربة و من أجل ذلك يجب التأكّد من القيام بتوضيح الهدف من هذه القوانين وهو حمايتهم و أننــا نحبّهـم و نريد المحـــافظة على صحّتهــم. و لكن هناك بعض الأمور الّتي يجب علينا أن نضعها بعين الاعتبار عند القيم بوضع و تنفيذ القوانين.
Ø   الدّقة و الوضوح: حين نخبر أطفالنا بالقوانين و التّعرّف الّذي نتوقّعه منهم على سبيل المثال بإمكاننا أن نقول: "لا نسمح لكم بتدخين السّجائر  أو بتعاطي المسكرات فعائلتنا لا تدخّن، لأنّ ذلك أمر مضرّ بالصّحّة" فنطوّر العواقب المترتّبة عن خرق أيٍ من هذه القوانين و لو كان أطفالنا بعمر متقدّم، ثمّ نتركهم يساعدوننا في اقتراح عقوبات معقولة لمن يخالف القوانين الموضوعة بإمكانهم مثلا المساعدة في كتابة قائمة العقوبات المقترحة لمخالفة كلّ قانون.
Ø   الثّبات على مبدأ، بحيث يكون الأطفال قد فهموا أنّ هذه القوانين يجب أن تطبّق و تحترم في كلّ الأوقات، و أنّها أيضا تطبّق حتّى في حال تواجدهم في منازل آخرين، مع حرصنا على تنفيذ القانون متى ما تمّت مخالفته حتّى نكون قدوة حسنة لهم فالأطفال عندهم المقدرة و الدّقّة في ملاحظة ما نفعل خلاف ما نقول.
Ø   تحكيم العقل أكثر و ذلك بعدم تغيّر القوانين بعد الاتّفاق عليها أو إضافة عقوبات جديدة لمخالفة القوانين دون مناقشة الأمر مع الأطفال، كما نتجنّب التهديدات المبالغ فيها و غير الواقعيّة و في حال اكتشافنا أنّ أحد أطفالنا قد جرّب التّدخين أو إحدى المسكرات نتعامل مع الموضوع بعقلانيّة و هدوء و ننفّذ العقوبات الّتي وضعناها معا.
Ø   نميّز التّصرّف الجيّد و نظهر البهجة و السّعادة لأطفـالنــا عندما يقومون باحترام قــوانين المنزل و نقوم بمدح فعلهم، و نركّز أكثر على الأفعال الصّحيّة الّتي يقوم بها أطفالنا بدلا من التّركيز فقط على أخطائهم حتّى يشعر الأطفال بالرضا على أنفسهم ممّا يســاعدهم على زرع الثّقة في أنفسهم و ثقتهم بالقرارات و الخيارات الّتي يتّخذونها...  
‌ج)  محاولة معرفة المعلومات الّتي يمتلكها أطفالنا مسبقا عن التّدخين و المخدّرات:
هل نعلم ما يقرأ أطفالنا؟ أو إلى ماذا يستمعون؟ أو كيف يقضون وقتهم مع أصدقائهم؟
يبدو الحديث مع أطفالنا لنا عن اهتماماتهم ستفتح لنا العديد من الفرص لنشاركهم القيم الّتي يحملونها، فالأبحاث أثبتت أنّ مراقبة نشاط أطفالنا وسيلة مهمّة لتقليل فرص تورّطهم في أمور لا نوافقهم عليها خصوصا التّورّط في أمور مؤذية، فالأطفال الّذين لا توجد عليهم أيّ نوع من الرّقابة يملكون فرصا أكثر لاختبار و تجربة تصرّفات محفوفة بالمخاطر من ضمنها تعاطي المسكرات و التّدخين.
‌د)   كيف نمنح لأطفالنا أدوات ليقولوا "لا للتّدخين" "لا للمخدّرات" ؟ عادة ما يقول  الأطفال أنّهم يدخّنون فقط حتّى يتمكّنوا من التّأقلم و الانسجام مع الآخرين، لذلك يجب أن نتكلّم مع أطفالنا عن كيفيّة رفضهم للتّدخين و المسكرات في حال ما عرض علهم أحد ذلك، و يستطيعون وضع خطّة للرّدّ على الأطفال الآخرين  حينما يعرضوا عليهم التّدخين. فضغط الأقران و الأصدقاء حقيقي  و مؤثّر، لذا فإنّنا نستطيع مساعدتهم على التّخلّي بشخصيّة قويّة و أن يزرعوا في أنفسهـــم الثّقة، فالأطفــال في مرحلة مـــا قبل المراهقة و المراهقة لا يريد أن يسخر منهم الأطفال الآخرون، لذلك من المهمّ أن نتواصل مع أطفالنا في هذه المراحل لبحث جميع هذه الحالات و المواقف بأساليب يستطيع الأطفال فهمها و من أهمّ الأساليب الّتي يمكن أن نعلّمها لأطفالنا.
ü   قل: "لا شكرا": فالحلّ قد يكون بهذه البساطة ! لكن إن أصرّ الشّخص على إعطاء سيجارة أو قارورة الجعّة فعلى أطفالنــا أن يدعموا هذه الجملة بأســاليب و طرق أخرى ليواجهوا هذا الإلحاح.
ü   دعهُ يفقِدُ الأمل منكم و ذلك بالاستمرار في الرّفض لمرّات عديدة و بقدر ما يحتاجون لمواجهة إلحاح الشّخص عليهم بالتدخين، حتّى يتمكّنوا من وقف إلحاح هذا الشّخص عليهم أو ليماطلوا حتّى يفكّروا في جملة أخرى يقولونها حتّى يتفادوا هذا العرض.
ü   أعطوا للآخرين سببا، بحيث يكون بسيطا مثل "لا يُسمح لنا بالتّدخين" "المسكرات تضرّ بصحّتنا أو يمكنكم أن تعطوا عواقب مثل هذا الفعل كأن تقولوا "لا نريد التدخين، فإنّ ذلك سيجعلنا مرضى". من المهمّ أن يذكر أطفالنا سببا لرفضهم بثقة و أن لا يدخلوا في نقاش، لأنّ الهدف هو فقط رفض السّيجارة المقدّمة أو الجعّة...
ü   قوموا بتغيير الموضوع أو اقتراح فعل شيء آخر، فعلى سبيل المثال "لنقم بتمرين رياضي بدلا من الشّرب" فأطفالنا عندها يملكون فرصة ليس فقط لرفض تعاطي هاته الآفات، بل أيضا لمنع أصدقائهم من تعاطيها.
ü   تمسّكوا برأيكم، يعتبر هذا التّكتيك أهمّ جزء، لأنّه متى تمكّن أطفالنا من الدّفاع عن أنفسهم، فإنّهم بذلك يتعلّموا مهارة مهمّة في الحياة. و القدرة على إبداء موقفهم و رأيهم بحزم و الدّفاع عنه هو أمر يقدّره الكبار، فإذا تعلّم أطفالنا هذه المهارة الآن سيكونون بحال أفضل في المستقبل، و تذكّـــروا إنّ أفضل الطّرق و الأساليب لرفض التّدخين أو المسكرات يكون بقضاء الوقت مع الأشخاص الّدين لا يدخّنون، لذلك نساعد أطفالنا على تكوين صداقات و علاقات ايجابيّة مع الآخرين، كما نراقب نشاطاتهم عن كثب.

متى ما علّمنا أطفالنا مهارات و طرق الرّفض، حتّى نقوم بتدريبهم عليها و ممارستها معهم. فلكلّ فئة عمرية مشاكلها و حالاتها الخاصة، لذا من المهمّ أن ندرّبهم و نمارس معهم هذه المهارة، بافتراض وقائع و أحداث يمكن أن تحصل لهم، كما نسألهم ماذا سيفعلون في حال أراد شخص آخر دفعهم للقيام بشيء لا يريدون هم فعله، و نحاول تمثيل بعض الحالات التي نقوم فيها بدور الشّخص الذي يحاول عرض سيجارة أو قارورة خمر ثم نتركهم يقومون بالتدريب على هذه الطّرق حتّى يتمكّنوا من القدرة على الرّفض و مع انتهائنا من هذه التجارب حتما سيملكون القوّة اللازمة للقيام باتخاذ الخيارات الصحيحة.
و لكن هنا نتساءل، متى تكون بداية الحديث مع أطفالنا على التدخين و المخدّرات؟ 
   
نبدأ الحديث عن هذه الآفات مبكّرا، فما أن يصل الطّفل إلى مرحلة ما قبل المدرسة حتى يكون قد رأى العديد من البالغين المدخّنين أو المتعاطين للمسكرات، سواء أكان ذلك في الواقع أو عبر الأجهزة البصرية مثل التلفاز و الأفلام الكرتونيّة ... لذلك علينا أن نتأكّد من أنّه يعلم منذ البداية أنّنا نعتقد أنّ على المرء أن يبقى آمنا و بعيدا عن هذه الآفات، لأنّه كما سبق و أشرنا فإنّ العديد من الأطفال يبدؤون التدخين منذ السن الحادي عشر، و يصبحون مدمنين في سنّ الرابع عشر.
من المهمّ أن نتواصل مع طفلنا جيّدا و أن نحافظ على ذلك. فنجعل الكلام معه كلّ يوم عادة من عاداتنا اليومية، فبناء علاقة قوية و وثيقة مع طفلنا منذ البداية سيجعله يأتي إلينا في حال تعرّضه لأيّ مشكلة و سيجعلنا أكثر حساسية و فهم لتغيّر مزاجه، كما أن قربه منّا و علاقته الوثيقة بنـــا سيحميه من التّعرّض لأيّ مشكـــل نفسيّ أو وجدانيّ و عــدم خوضه تجربة التدخين و المخدّرات.
و يمكننا استغلال جميع الأحداث اليومية للتحدّث مع طفلنا فعلى سبيل المثال عندما نرى مجموعة من الأطفال يدخّنون، نتكلّم معه عن مضار التدخين، أو كيف أنّ المخدّرات تُذهب العقل و تضرّ الجسم و يجب إعطاءه كامل الاهتمام، فعلينا غلق التلفاز و الرّاديو والهاتف و جهاز الكمبيوتر لنستمع لطفلنا باهتمام و لا نحاول جعل اهتمامنا فقط بما نحاول قوله لطفلنا بل نرحّب بأسئلته و إنّ كنّا لا نعرف الإجابة عنها و نحاول العثور عليها معا.   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق