الثلاثاء، 11 أكتوبر، 2016

أثر الاعتدال في معرفة ميدان الاجتهاد

أثر الاعتدال في معرفة ميدان الاجتهاد
  نقصد بميدان الاجتهاد هو المجال الذي يمكن للمجتهد أن يعمل فيه فكره ويبذل فيه وسعه ، لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ، وهو ما يعبر عنه علماء الأصول بـ ( المجتهد فيه) .[1]
وقد انتشر عند أهل العلم قديماً وحديثاً أن الاجتهاد إنما يكون في المسائل الفقهية العملية فقط , وأن المسائل العقدية لا يدخل فيها الاجتهاد ولا ينبغي فيها الخلاف ، وان المخطئ فيها آثم .
غير أن هذا الكلام ليس على إطلاقه ، فعند استقرائنا لنماذج الخلاف بين الصحابة والتابعين ومن بعدهم رضي الله عنهم نجد أن الاجتهاد يشمل كلا المجالين : الفقهي والعقدي , إلا أن اجتهاداتهم في المسائل العقدية قليلة جداً إذا ما قسناها على المسائل الفقهية .وسبب ذلك أن معظم أدلة العقيدة هي أدلة صريحة وقطعية مما يقلل ويضيق ميدان الاجتهاد فيها , على عكس أدلة المسائل الفرعية فأكثرها ظني الثبوت ظني الدلالة أيضاً مما يوسع دائرة الاجتهاد فيها . وقد تكلم الشيخ الدكتور أبو الفتح البيانوني عن هذه المسألة , وأوّل القاعدة المشتهرة بأن : " خلاف المسلمين في الفروع لا في الأصول " بأنّ المقصود بالفروع هنا : المسائل الفرعية الشرعية التي تعتمد غالباً على الأدلة الظنية , سواء من حيث ثبوتها , أو دلالتها , وسواء أكانت هذه المسائل عقدية أم فقهية .
كما أن المقصود بالأصول هنا : المسائل الأصلية , أو كبرى المسائل العلمية وأمهاتها , التي تعتمد غالباً على الأدلة القطعية , سواء من حيث ثبوتها أو دلالتها , وسواء كانت هذه المسائل الكبرى عقدية أم فقهية .ثم ذكر أمثلة على ذلك[2] .وهذا التأويل للقاعدة , وتصويبها ينسجم مع كثير من أقوال العلماء المحققين قديماً وحديثاً , كما ينسجم مع تأريخ الخلاف العلمي وواقعه , من زمن الصحابة - رضوان الله عليهم – فما بعدهم.[3]
وعند مراجعتنا لكثير من أقوال المحققين نجدهم يبينون هذه الحقيقة وهي أنّ مجال الاجتهاد هو النصوص الظنية سواء أكان من حيث الثبوت أم  من حيث الدلالة ، أمّا النصوص القطعية ثبوتاً ودلالةً فهي التي ليس فيها مجال لاجتهاد من أحد . يقول الإمام الزركشي في تعريفه للمجتهد فيه :( هو كل حكم شرعي عملي أو علمي يقصد به العلم ليس فيه دليل قطعي)[4].
يقول الشيخ محمد الحسن مفرقاً بين الأصول والفروع في شرحه على الورقات : والفروع: هي ما لم يحسمه دليل قطعي، فما حسمه الدليل القطعي فهو من الأصول، ولا يُقصد هنا بالفروع: الفروع الفقهية لإخراج العقائد، بل من العقائد ما لم يحسمه الدليل فيكون محلا للاجتهاد، ومن المسائل العملية ما حسمه الدليل فلا يكون محلا للاجتهاد، كوجوب الصلاة والزكاة ونحو ذلك، وحرمة الزنا والخمر ونحو ذلك، فهذه الأمور لا اجتهاد فيها، لأنها من الأصول، حيث حسمها الدليل.
قال: " ولا يجوز أن يقال: كل مجتهد في الأصول الكلامية مصيب؛ لأن ذلك يؤدى إلى تصويب أهل الضلالة من النصارى والمجوس والكفار والملحدين ".
هذه المسألة حصل فيها الخلاف بين المعتزلة وغيرهم، فقد قال النَّظَّامُ وتبعه على ذلك عدد من المعتزلة: " كل من اجتهد في طلب الصواب فهو مصيب سواء كان ذلك في العقائد أو في غيرها " وعلى هذا، يعذرون من كان من الكفار والمنافقين والضلال اجتهد في طلب الحق ولم يكابر، وإنما أداه عقله الذي خصه الله به إلى الوصول إلى رأي يراه عينَ الصواب وهو غير مكابر، فيعذرونه.
وهذا القول، دونه قولُ الذي ذهب إليه إمام الحرمين - هنا - وغيره من المتكلمين، من أن الأمور العقدية لا اجتهاد فيها مطلقا، وأن المخطئ فيها غيرُ معذور، وذكروا عن عدد من الأئمة أنه كان يقول: " اسألني في علم إذا أخطأتُ فيه قلتَ أخطأتَ ولم تقل كفرتَ، ولا تسألني عن علم إذا أخطأتُ فيه قلت كفرت ".
وقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أن من كان من أهل الإيمان والصلاح والالتزام فاجتهد فهو معذور مطلقا، سواء كان ذلك في العقائد أو في غيرها.
وهذا القول وسط بين القولين السابقين، ولعله أقرب للصواب، وأسعد بالدليل.
فإذا كان الإنسان معروفا بالصلاح والالتزام والخشية واجتهد فأخطأ في تأويل الصفات أو في غير ذلك من الأمور، فهو معذور في ذلك الاجتهاد، ولا يضره اجتهاده بل هو مثاب عليه. وإن كان معروفا بالفساد والإنكار لأمور الدين ونحو ذلك: فلا يُعذر، ولا يُقبل منه الاجتهاد أصلا في ذلك .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :( واتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها ؛ على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم ، كمسائل في العبادات والمناكح والمواريث والعطاء والسياسة وغير ذلك ... إلى أن قال : وتنازعوا في مسائل علمية اعتقادية كسماع الميت صوت الحي ، وتعذيب الميت ببكاء أهله ، ورؤية محمد (صلى الله عليه وسلم) ربّه قبل الموت ، مع بقاء الجماعة والألفة)[5].  ويقول في موضع آخر أيضاً  : ( والخطأ المغفور له في الاجتهاد هو في نوعي المسائل : الخبرية ، والعلمية , كما قد بسط في غير موضع كمن اعتقد ثبوت شيء لدلالة آية أو حديث , وكان لذلك ما يعارضه ، ويبين المراد ولم يعرفه ، مثل من اعتقد أن الذبيح إسحاق ، لحديث اعتقد ثبوته ، أو اعتقد أن الله لا يرى ، لقوله تعالى (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ )(الأنعام: من الآية103) ولقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ)(الشورى: من الآية51) . كما احتجت عائشة رضي الله عنها بهاتين الآيتين على انتفاء الرؤية في حق النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يدلان بطريق العموم ).[6]"
وعلى هذا فما لا يجوز فيه الاجتهاد هو :
1- المسائل الأصلية في العقيدة التي بنيت على دليل قاطع لا يحتمل التأويل .
2- ( ما جاء من الأحكام قطعياً في ثبوته وفي دلالته كحد الزاني وعقوبة القاذف , وتحديد أنصبة الورثة وسائر العقوبات والكفارات المقدرة في الكتاب , وكذلك وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج , وكل ما أصبح معلوماً من الدين بالضرورة كمشروعية البيع والزواج ,  وحرمة القتل والسرقة , فهذه الأحكام وأشباهها لا مجال للاجتهاد فيها ولا يتصور فيها خلاف.
3- الأحكام التي قام إجماع من الفقهاء عليها كعقد الاستصناع مثلاً )[7]
أما ما يجري فيه الاجتهاد فهو أربعة أقسام :
الأول : اجتهاد الفقيه في النص إذا كان قطعي الثبوت ظني الدلالة , وذلك كعدة المطلقة , فالنص الوارد فيها قطعي الثبوت لأنه قرآن , إلا أن دلالته على ما تعرف به العدة ظنية ، كقوله تعالى:  (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ )(البقرة: من الآية228) فإنه اختلف في معنى القرء , فقال بعض الفقهاء: إنه الحيض , وقال بعض الآخر : إنه الطهر , فيكون الاجتهاد في تحرير معنى القرء.
 الثاني : إجتهاد الفقيه في النص إذا كان ظني الثبوت قطعي الدلالة , كنظر المجتهد في وصيته صلى الله عليه وسلم في زكاة الإبل :" في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم من كل خمس شاة [8] فيقوم المجتهد بالنظر في سنده , فإذا ثبت سنده بأن كان حسناً أو صحيحاً حكم بموجب الزكاة في الإبل في كل خمس شاة .
الثالث : اجتهاد الفقيه في النص ظني الدلالة ، فيقوم المجتهد بالنظر والاجتهاد في ذلك النص كالنظر في قوله عليه الصلاة والسلام ." لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب[9] " فالنص الثابت فيها ظني , لأنه غير متواتر وأما من حيث الدلالة فإنه يحتمل معنيين : أحدهما : لا صلاة كاملة إلا بفاتحة الكتاب  والثاني : لا صلاة صحيحة إلا بفاتحة الكتاب .
الرابع : اجتهاد الفقيه فيما لا نص فيه ولا إجماع , وذلك باستعمال الأدلة الأخرى كالقياس والاستحسان والاستصحاب .[10]
وإذا كان العلماء قد أقروا بجواز الاجتهاد في مسائل فروع الاعتقاد من الناحية النظرية، فقد وقع ذلك منهم فعلا، فاجتهدوا في فروع الاعتقاد كما بينا في المطلب السابق؛ فإنهم قد ارتضوا بنتائج الاجتهاد، فأقروا بأن حكم المخالف والمجتهد في فروع الاعتقاد هو حكم المجتهد في مسائل الفقه، يؤجر على اجتهاده أجرين إن كان صائبا، ويؤجر أجرا واحدا إن كان مخطئا، إذا بذل وسعه في استنباط الحكم من النص، وبناء عليه: فإنهم لم يكفروا صاحب الرأي المخالف في فروع الاعتقاد، وكانوا يصلون وراء من يخالفهم في فروع الاعتقاد، ولم يزيلوا الولاء بين المسلمين للاختلاف في تلك الفروع من الاعتقاد، وإليك بعض أقوال العلماء في بيان هذه المسألة بدءا من الإمام أحمد بن حنبل وانتهاء بالعلماء المعاصرين في زماننا.
يقول الإمام أحمد بن حنبل: "لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً"[11] .
ممّا تقدّم يتضح لنا أنّ حدّ الاعتدال في هذه المسألة هو أنّ مجال الاجتهاد هو النصوص الظنية سواء أكان ذلك في المسائل العقدية أم في المسائل الفرعية العملية .والله أعلم .
أثر الاعتدال في فتح باب الاجتهاد وغلقه
  من المعلوم أنّ من خصائص شريعتنا الغرّاء هي صلاحها لكل زمان ومكان ، وإمكانية تطبيقها إنما تتأتى من فتح باب الاجتهاد فيها ، فلا بدّ إذن أن يكون هذا الباب مفتوحاً ، وهذا من محاسن هذه الشريعة التي يجعلها تواكب التغيرات ولا تضيق ذرعاً بكل مستجد ، وقد نص الشاطبي في موافقاته : "أنّ الوقائع في الوجود لا تنحصر فلا يصح دخولها تحت الأدلة المنحصرة ولذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد من القياس وغيره فلا بد من حدوث وقائع لا تكون منصوصا على حكمها ولا يوجد للأولين فيها اجتهاد
 وعند ذلك فإما أن يترك الناس فيها مع أهوائهم أو ينظر فيها بغير اجتهاد شرعي وهو أيضاً إتباع للهوى وذلك كله فساد فلا يكون بد من التوقف لا إلى غاية وهو معنى تعطيل التكليف لزوما وهو مؤد إلى تكليف ما لا يطاق فإذا لا بد من الاجتهاد في كل زمان لأن الوقائع المفروضة لا تختص بزمان دون زمان [12]"
لذلك فان الدعوة إلى غلق باب الاجتهاد هي دعوة إلى مجانبة الاعتدال ، وهذه الدعوة ظهرت بعد مضي أربعة قرون من عمر هذه الأمة حيث دونت فيها مسائل أصول الفقه ، وقعدت القواعد وفرعت الفروع ، يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي : (وإزاء هذا الغنى والوفرة من الأفكار الفقهية أصولاً وفروعاً شعر الكثيرون بأن لا حاجة إلى المزيد من الاجتهاد ، كما أن إعجابهم البالغ بتراث السابقين الهائل وشعورهم بتقصير أنفسهم اذا قيسوا إليهم ، وخشية بعض الورعين من دخول الأدعياء إلى هذا المجال ، فيفسدوا شريعة الله بالهوى والاحتيال ، كل هذا جعلهم يقرون سدّ باب الاجتهاد ، وان كان هناك من خالف في ذلك وأنكره ولاشك أنّ هذا الموقف كان نكسة أصابت الفقه الإسلامي العظيم ، حالت بينه وبين التجدد المطرد ، والنمو الكامل ، الذي كان يرجى أن يتم لو ظل باب الاجتهاد مفتوحاً كما كان في العصور الأولى )[13].
    وعدّ الدكتور وهبة الزحيلي هذا الأمر من باب السياسة الشرعية التي تعالج شأناً خاصاً، أو أمراً مؤقتاً ، أو فوضى اجتهادية قائمة بسبب ادعاء غير الأكفاء الاجتهاد حيث ذكر أنّ العلماء خافوا من ضعف الوازع الديني الذي قد يؤدي إلى هدم صرح الفقه الذي بناه الأئمة السابقون فتنادوا بالتزام المذاهب المتقدمة ، ودعوا إلى سد باب الاجتهاد منعاً من ولوج أناس ليسوا أهلاً للإجتهاد والاستنباط ، فإذا زال هذا الموجب لما سبق وجب العود الى أصل الحكم ، وهو فتح باب الاجتهاد ، إذ لا دليل أصلاً على سدّ باب  الاجتهاد وإنما هي " دعوى فارغة وحجة واهنة أوهن من بيت العنكبوت ، لأنها غير مستندة إلى دليل شرعي أو عقلي سوى التوارث "[14].
يقول الدكتور عمر عبيد حسنه في تقديمه لكتاب "الاجتهاد التنزيلي" مبيناً أهمية الاجتهاد والآثار السلبية لغلق باب الاجتهاد : ( وقد يكون من المعالم التي لا بد من التوقف عندها، أن الاجتهاد يعتبر من لوازم خاتمية النبوة، وتوقف الوحي، والتصويب من السماء، خاصة وأن النصوص تتناهى، والحياة والحوادث متجددة لا تتناهى، وأن الاجتهاد وتنزيل النصوص على الوقائع وتعديتها إلى ما يستجد من القضايا وبيان الحكم الشرعي لها، من لوازم الخلود أيضاً.. فالخاتمية والخلود إعلانٌ لحق الاجتهاد والنظر، وإطلاقٌ لحرية العقل والاجتهاد، بحيث لا يكون ذلك حق فقط، وإنما هو حق وواجب أيضاً.
وإن أي توقف عن الاجتهاد والنظر يعني محاصرة الخلود، وتجميد الشريعة، والحكم بعدم صلاحيتها لكل زمان ومكان، وإزاحة لها عن واقع الناس، ووضعها في خانة التاريخ، وإعطاء العقل المسلم إجازة عطالة، الأمر الذي مكن ويمكِّن من امتداد (الآخر) بقوانينه، وقيمه، أو على أحسن تقدير تحويل فاعلية العقل المسلم إلى المساهمة بإنتاج (الآخر).
ومن هنا ندرك المخاطر الكبيرة، العقلية والثقافية والقانونية والاجتماعية، التي ترتبت على إغلاق باب الاجتهاد، بحجة عدم توفر الأهلية أو درءاً للمفاسد، فكانت النتيجة هي الوقوع في المفاسد، وكأن الله الذي قضى بخلود الشريعة وخاتميتها وجعل الاجتهاد والتجديد من لوازمها وسبيل نموها غير عالم بالزمن وفساده، وتقلب أحواله، علماً بأن باب الاجتهاد لم يقفل عملياً إلا على أهل الورع والتقوى، الذين هم محل العلم والفتوى والاجتهاد، وأما أهل الفساد والإفساد والزيغ وفقهاء السلطان، فلم يردعهم شيء، وكان الأولى إطلاق أمر الاجتهاد حتى تسقط اجتهاداتهم وفتاواهم بوجود الفتوى والاجتهاد الأصلح، لأن البقاء والوراثة الثقافية والحضارية للأصلح والأصوب.
وإذا صح القول بضرورة إغلاق باب الاجتهاد في الأمور العبادية وأحكامها، والتوقف عند الصورة التي كان عليها الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، إلا في بعض الأمور الشكلية جداً المترافقة والميسرة لأدائها -نظراً لأنها توقيفية بطبيعتها وأدائها، وغير متطورة في نوعيتها وطبيعتها وجوهرها- فإن ذلك لا ينطبق بحال على الأمور الحياتية، بعلاقاتها ومشكلاتها وإمكاناتها ومتغيراتها ومعاملاتها، شديدة التعقيد والتداخل والمستجدات، وهذا ما نلمحه من تطور الفقه والاجتهاد وما استجد منه بين عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد عمر رضي الله عنه، على الرغم من أن الزمن لا يكاد يعدو عقداً واحداً، فكيف بنا اليوم أمام هذا التسارع العجيب، واختزال الزمان والمكان؟!)[15].
ودعوى غلق باب الاجتهاد مردودة من عدة وجوه :
الوجه الأول :أن العلماء من جميع المذاهب متفقون على أن الاجتهاد فرض من فروض الكفايات في كل عصر , وواجب على أهل كل زمان أن يقوم به بعضهم , وأنه متى قصر فيه أهل عصر بحيث خلا العصر عن مجتهد أثموا كلهم , وعصوا بأسرهم .      
الوجه الثاني : أن جمهور العلماء نصوا على أنه يستحيل عقلا خلو الزمان عن مجتهد , إلى أن تأتي أشراط الساعة الكبرى , وأنه متى خلا الزمان عن مجتهد تعطلت الشريعة , وزال التكليف , وسقطت الحجة , وصار الأمر كزمن الفترة[16].
ولكن المسلمين اليوم قد تفرقوا في موضوع الاجتهاد والتقليد:
فمنهم من زعم أن باب الاجتهاد مفتوح لكل مسلم ، ويستطيع أي واحد منهم ولوجه ،وبعضهم يوجب الاجتهاد، ويحرِّم التقليد على عامة الناس، وفريق آخر قابلوا هؤلاء فأوجبوا التقليد على عامة الناس[17].
على أننا حين ننادي بضرورة فتح باب الاجتهاد لابدّ لنا أن ننبه على عدة أمور:
الأول :أن العلماء من جميع المذاهب متفقون على أن الاجتهاد فرض من فروض الكفايات في كل عصر , وواجب على أهل كل زمان أن يقوم به بعضهم , وأنه متى قصر فيه أهل عصر بحيث خلا العصر عن مجتهد أثموا كلهم , وعصوا بأسرهم .
الثاني : أن جمهور العلماء نصوا على أنه يستحيل عقلا خلو الزمان عن مجتهد , إلى أن تأتي أشراط الساعة الكبرى , وأنه متى خلا الزمان عن مجتهد تعطلت الشريعة , وزال التكليف , وسقطت الحجة, وصار الأمر كزمن الفترة[18].
الثالث : أنّ العلماء عندما قرروا فتح باب الاجتهاد لبقاء مرونة الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، ليس معنى هذا أن يدخل هذا الباب كل من يريد دخوله ، وإنما لابدّ من شروط يجب توافرها فيمن يتصدى للعملية الاجتهادية  ، وهي الشروط التي سبق وذكرناها في مبحث شروط الاجتهاد .
الرابع : وقرروا أن المجتهدين أصناف :
مجتهد مطلق مستقل ،ومجتهد مطلق منتسب إلى إمام من الأئمة [ الأربعة ]  ،ومجتهد مقيد
وأن الصنف الأول فقد من القرن الرابع , ولم يبق إلا الصنفان الآخران : المطلق المنتسب , والمقيد[19]
غير أنّ هذا لا يعني أنه قد لا يوجد المجتهد المطلق بعد هذه الفترة ففضل الله واسع والخير في هذه الأمة مستمر إلى قيام الساعة .
 الخامس : أن العامي الذي لا يستطيع الاجتهاد يلزمه سؤال المجتهد أو المفتي والعمل بما يفتيه المجتهد


[1] - ينظر إرشاد الفحول للشوكاني (825 ) ، والمحصول للرازي ( 6/5)
[2] - ينظر دراسات في الاختلافات العلمية . د . محمد أبو الفتح البيانوني , دار السلام ، القاهرة الطبعة الثانية  ، 1428ﻫ-2007م, ص26
[3] - ينظر دراسات في الاختلافات العلمية . للبيانوني , ص26
[4] - البحر المحيط في أصول الفقه: بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي ،ت : محمد محمد تامر: دار الكتب العلمية، بيروت: الطبعة الأولى، 1421هـ / 2000م  : 4/515
[5] - مجموع الفتاوى ، احمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني , أبو العباس د.ت،  19/ 122.
[6] - مجموع الفتاوى : 20/33-36.
[7] - ينظر أصول الأحكام , أ.د. حمد الكبيسي , ط3 , 1425ﻫ - 2004م –ص 370-371 , بتصرف
[8] - رواه البخاري في باب زكاة الغنم عن انس : صحيح البخاري 2/ 52 رقم الحديث 1386 الإمام محمد بن إسماعيل البخاري ت 256ﻫ , دار ابن كثير- اليمامة - 1407ﻫ - 1987م. ط3 تحقيق : مصطفى دبيب البغا..
[9] - رواه البخاري في باب وجوب القراءة للإمام والمأموم عن عبادة بن الصامت ، صحيح البخاري 1/263 , ومسلم في باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة عن عبادة بن الصامت ، صحيح مسلم 1/295 حديث رقم 394.
[10] - ينظر الاجتهاد فيما لا نص فيه ص16-17 .
[11] -  سير أعلام النبلاء، شمس الدين محمد بن احمد بن عثمان الذهبي ، مؤسسة الرسالة، ط7، 1990م، 11/ 371
[12] -  الموافقات ، للشاطبي 4/104
[13] - شريعة الإسلام ، د. يوسف القرضاوي ، المكتب الإسلامي - بيروت ، ط3 ، 1403هـ - 1983م ، ص77
[14] - ينظر : أصول الفقه الإسلامي ، د. وهبة الزحيلي ،ط3 ، 1427هـ-2006م ،  2/370 ، وعمدة التحقيق في التقليد والتلفيق ، محمد سعيد الباني 62
[15] -   الاجتهاد التنزيلي ، للدكتور بشير بن مولود جحيش ، ص5
[16] - إرشاد المهتدين إلى نصرة المجتهدين : جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ،  ت: أبي يعلى البيضاوي ، ص 1
[17] - الخلاصة في أحكام الاجتهاد والتقليد ، إعداد :علي بن نايف الشحود ، ص1
[18] - إرشاد المهتدين   ص1
[19] - ينظر : المصدر نفسه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق