الاثنين، 10 أكتوبر، 2016

مفهوم القيم التنظيمية

مفهوم القيم التنظيمية:
     القيم وفق المنظور الاجتماعي[1] عبارة عن تنظيمات لأحكام عقلية انفعالية معممة، نحو الأشخاص والأشياء والمعاني وأوجه النشاط، توجه اختيارات الفرد بين بدائل السلوك في المواقف المختلفة، وهي التي تحدد له نوع السلوك المرغوب فيه في موقف ما توجد فيه عدة بدائل سلوكية. كما أن تعريف القيم التنظيمية، لا يختلف كثيراً عن تعريف القيم بالمنظور الاجتماعي، فالقيم التنظيمية[2] تعكس الخصائص الداخلية للمؤسسة، وتعمل على توجيه سلوك الموارد البشرية ضمن الظروف التنظيمية المختلفة، فهي بمثابة قواعد تمكن الفرد من التمييز بين الخطأ والصواب، وبين المرغوب فيه من سلوكيات، وهناك علاقة قوية بين القيم التنظيمية والأداء التنظيمي، يتوقف عليها نجاح المؤسسة في مجال الأعمال. وتجدر الإشارة إلى أن القيم التنظيمية لها تأثير كبير في عملية صنع القرار في المؤسسة، فهي[3] تؤثر في تحديد الأهداف وما يرافقها من اختيار وتوزيع لأولويات العمل المطلوب إنجازه، كما تؤثر قيم الفرد على نوع المعلومات التي يجمعها، وعلى ثقته في مصادرها وإدراكه لمعاني هذه المعلومات وكيفية تفسيرها، ويتدخل الحكم القيمي عند التفكير في البدائل، فلا يفكر الفرد ببدائل تتناقض مع القيم التي يؤمن بها، كما يتأثر تنفيذ القرار بالقيم التي يحملها منفذه، وخاصةً عند اختيار الوسائل المناسبة لتنفيذ القرار الذي وقع عليه الاختيار، بالإضافة إلى تدخل الحكم القيمي عند بحث النتائج وتقييم درجة فعاليتها، واكتشاف الانحرافات وتصحيح الأخطاء.

I.2- القيم التنظيمية حسب "Dave Francis" و "Mike Woodcock":
     يعتبر التقسيم الذي جاء به الباحثان "Dave Francis" و"Mike Woodcock"، في كتابهما "Unblocking organization values"، تجسيداً للنظرة الغربية إلى القيم السائدة في المؤسسات الغربية المعاصرة، حيث قسما القيم التنظيمية إلى اثنتا عشر قيمة، وصنَّفاها في أربعة مجموعات رئيسية هي[4]:

I.21.- قيم إدارة الإدارة: ويستمدها المسؤولون الإداريون من سلطتهم، وهي:
1- قيمة القوة (المديرون يجب أن يديروا): التي يمتلكها المديرون من امتلاكهم للمعلومات، وسلطة المركز الوظيفي، واتخاذ القرارات.
2- قيمة الصفوة (النخبة دائما في القمة): التي يكتسبها المديرون بحكم عملهم الإداري المعقد والمهم، فالأعمال الإدارية يجب أن يمسكها أفضل الأفراد.
3- قيمة المكافأة (الأداء ملك): وتأتي بعد تحديد الأداء الناجح للأفراد الذين يُسيِّرون المؤسسة، فمكافأتهم تعتبر أمراً مهماً.
I.22.- قيم إدارة المهمة: من الاهتمام بتحسين أداء العمل وتحقيق الأهداف، تنبثق:
1- قيمة الفعالية (أعمل الأشياء الصحيحة): تمكِّن المؤسسة من تركيز مواردها المتاحة، على الأنشطة التي تعود عليها بالنتائج.
2- قيمة الكفاية (أعمل الأشياء بطريقة صحيحة): وتعبر عن قدرة الإدارة على عمل مئات الأشياء الصغيرة بطريقة متقنة.
3- قيمة الاقتصاد (لا شيء مجاناً): إن فشل الأعمال التجارية غالباً ما يكون سببه ارتفاع تكاليف التنظيم، وهذه القيمة بمثابة معيار أساسي لنجاح المؤسسة.
I.23.- قيم إدارة العلاقات: هدفها الوصول بالموارد البشرية إلى أقصى درجات الالتزام الوظيفي، وهي:
1- قيمة العدل (من يهتم يكسب): يؤثر بها الرؤساء على نوعية الحياة التي يعيشها مرؤوسوهم، حيث تعزز لديهم الثقة في الإدارة، والولاء للمؤسسة.
2- قيمة العمل الجماعي (العمل معاً بانسجام): تنبثق من استمتاع الأفراد بالانضمام إلى بعضهم في العمل، الأمر الذي يضمن الإتقان في العمل المنجز، لأن موهبة فرد ما قد تعوض ضعف فرد آخر.
3- قيمة القانون والنظام (العدل لا بد أن يسود): تخول المديرين أن يتصرفوا كقضاة، يحكمون على أفعال مرؤوسيهم بدون إعطائهم حق الرد، فالإدارة الناجحة هي التي تبتكر وتدير باحترام نظاماً مناسباً من القواعد والإجراءات.
I.24.- قيم إدارة البيئة: تأتي من معرفة المؤسسة بالبيئة التي تعمل فيها، وهي:
1- قيمة الدفاع (اعرف عدوك): يستجيب من خلالها أفراد المؤسسة للتغيرات البيئية، وذلك بوضع الخطط الاستراتيجية، بعد دراسة التهديدات البيئية.
2- قيمة التنافس (البقاء للأصلح): ويتم إدراكها في المستويات الإدارية العليا للتنظيم، حيث تعبر عن القدرة التنافسية للمؤسسة.
3- قيمة استغلال الفرص (من يجرؤ يكسب): وتمكن المؤسسة من الوصول إلى الفرص الخارجية، قبل أن تصل إليها المؤسسات المنافسة، وانتهازها واستغلالها بسرعة، رغم ما قد يرافقها من مخاطرة.

I.3- وضع معايير للقيم الأخلاقية في تنفيذ أعمال المؤسسة:
     بعد تأمل القيم التنظيمية التي جاء بها كل من "Dave Francis" و"Mike Woodcock"، نلاحظ أنها تتسم بالإلزامية والموضوعية، وتبتعد عن الجانب الأخلاقي في حياة الفرد، وذلك راجع إلى النظرة المادية، التي تفصل بين القيم الأخلاقية والحياة الاقتصادية في الفكر الغربي، والتي تتنافى مع نظرة الفكر الإسلامي للقيم، ففي الإسلام[5] نسق قيمي موحد يحكم كل الجوانب الحياتية للفرد، والقيم الأخلاقية في الإسلام بمثابة مظلة للنظام الاجتماعي والاقتصادي، لهذا هناك علاقة وثيقة بين القيم الأخلاقية والواقع الاقتصادي.
و عليه، ستتبنى هذه الدراسة مدخلاً أخلاقياً، يمكن من خلاله وضع معايير أخلاقية تفسر سلوك الفرد العامل في المؤسسات التي تنتمي لمجتمعنا الإسلامي، آخذاً بعين الاعتبار خصوصية الثقافة الإسلامية، التي توازن بين الجانب الأخلاقي والجانب المادي في حياة الفرد، والفقرات التالية ستوضح ذلك:

3.I.1- الدافع لتنمية معايير للقيم الأخلاقية:
     أعتقد بأنه عند دراسة الموارد البشرية في المؤسسة، يجب أن ينظر إليها من منطلق أوسع، حتى يمكن أخذ كل العوامل المؤثرة في الموارد البشرية بعين الاعتبار، فالعوامل الأخلاقية لا تقل أهمية عن العوامل المادية والاجتماعية. ورغم أن الباحثين الإداريين، يعتبرون القيم الأخلاقية جزء لا يتجزأ من ثقافة المؤسسة، وبالتالي فهم يُقرِّون بوجود العامل الأخلاقي، ولكنهم لا يعترفون بتأثيره المباشر في كفاءة الأداء البشري، وهو الأمر الذي دفعني لتبني هذا المدخل الأخلاقي، بالإضافة إلى الدوافع التالية:
1- مدى صلاحية القيم التنظيمية الغربية لمؤسساتنا الاقتصادية:
     تعتبر القيم التنظيمية التي جاء بها كل من "D. Francis" و"M. Woodcock"، مناسبة للمؤسسات التي تعمل في المجتمع الغربي، لأن مصادر القيم التي استمدا منها تلك الاثنتي عشر قيمة، هي نفسها مصادر قيم المجتمع الذي تنتمي إليه الموارد البشرية العاملة في تلك المؤسسات، والتي تتعارض مع مصادر القيم للمجتمع الإسلامي الذي تنشط فيه مؤسساتنا الاقتصادية. وعليه، فإن القيم التنظيمية للمؤسسات التي تنشط في المجتمع الإسلامي، تختلف عن القيم التنظيمية للمؤسسات التي تنشط في المجتمع الغربي، من حيث مصدرها.
2- مصدر القيم التنظيمية للمؤسسات الاقتصادية في المجتمع الإسلامي:
      يستمد المجتمع الإسلامي قيمه من مصدرين رئيسيين هما: القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وباعتبار الموارد البشرية العاملة في مؤسسـاتنا الاقتصادية تنتمي إلى هذا المجتمع، فإن أي باحث في تصنيفه للقيم التنظيمية يجب أن يعتمد على هذين المصدرين، بحيث أن[6] كل نص من الكتاب أو السنة فيه أمر بالفعل أو الترك تشتق منه قيمة، وكل نص من الكتاب أو السنة يرغب في الفعل أو يحذر من الترك وبالعكس، تشتق منه قيمة.
3- تأثير الأخلاق التنظيمية في كفاءة الأداء البشري:
      تعرف الأخلاق التنظيمية بأنها[7] مجموعة القيم التي تُنشئها الموارد البشرية المرتبطة بعلاقات وظيفية، لتحكم سلوكها وأداءها لأعمالها، واستخدامها للموارد المتاحة في المؤسسة العاملة فيها.
وتختلف الأخلاق التنظيمية أو القيم الأخلاقية في المؤسسة عن القواعد القانونية، التي تتضمن مجموعة من المبادئ والتشريعات تصف التصرف المقبول لأفراد المؤسسة، فهي تشمل السلوكيات الرسمية في المؤسسة، ولا تغطي كل معايير الأخلاق التي تلتزم بها الموارد البشرية.

3.I.2- فرضيات المدخل الأخلاقي المقترح:
     يقوم المدخل الأخلاقي المقترح في هذه الدراسة على الفرضيات التالية:

1- المعايير الأخلاقية المقترحة تسعى إلى تحقيق الاتزان بين الجانب المادي والأخلاقي، في مختلف المستويات التنظيمية.
2- اقتراح معايير أخلاقية قابلة للاختبار العملي، وتبتعد عن المثالية في التطبيق.
3- توجد ثلاث مستويات للمعايير الأخلاقية: المستوى الإداري (القيادة) ترتبط المعايير الأخلاقية فيه بنمط التسيير، والمستوى التنفيذي (العمل) ترتبط المعايير الأخلاقية فيه بالتنظيم غير الرسمي، ومستوى المؤسسة ككل حيث تعتبر المعايير الأخلاقية فيه محصلة للمستويين الأول والثاني.
4- القيم الأخلاقية في المؤسسة (الأخلاق التنظيمية)، هي دالة تابعة لثلاثة متغيرات مستقلة، هي المعايير الأخلاقية في كل مستوى تنظيمي، ويمكن أن نعبر عنها بالعلاقة التالية:
تا (القيادة، العمل، المؤسسة) الأخلاق التنظيمية

II. معايير القيم الأخلاقية المقترحة حسب المدخل الأخلاقي المدرج في هذه الدراسة:
     بناء على ما تقدم ذكره من مراحل هذه الدراسة، يمكن تأسيس معايير للقيم الأخلاقية تعكس التزام الموارد البشرية في سلوكها واتجاهاتها، والقيمة التي توليها للقيادة والعمل والمؤسسة، حيث سيتم التركيز على إثبات مصداقية كل معيار في حياة الفرد، وبيان مدى تأثيره في مستوى الأداء البشري. وبالتالي، يمكن وضع معايير تحدد القيم الأخلاقية المنشودة في كل المستويات التنظيمية كما يلي:
II.1- معايير القيم الأخلاقية المرتبطة بالقيادة:
     يرتبط هذا النوع من المعايير بالقادة الإداريين للمؤسسة، ويُعنى بضبط سلوك الفرد القائد، باعتبار أن نوع سلوكه يؤثر في أدائه، وفي أداء الموارد البشرية العاملة تحت سلطته. ويبدأ تأثير هذا النوع من المعايير الأخلاقية، من أعلى هرم السلطة في المؤسسة متجها إلى أسفله، فهو يهدف إلى تهيئة المناخ الأخلاقي للمستويات العليا من التنظيم. وهذه المعايير هي قيم أخلاقية نهائية يجدر بالفرد القائد الوصول إليها، وفي سبيل ذلك، عليه أن يلتزم بمجموعة من القيم الأخلاقية


[1]- موسى عبد الفتاح حافظ وعبد الرحمن سيد سليمان وسميرة إبراهيم شند، مقدمة في علم النفس الاجتماعي، مكتبة زهراء الشرق، القـاهرة-مصر، سنة 1997 م، ص ص 209-210.
[2]- موسى المدهون و إبراهيم الجزراوي، تحليل السلـوك التنظيمـي، المركز العربـي للخدمـات الطلابية، عمـان-الأردن، سنة 1995 م، ص 400.
[3]- سعيد يس عامر، الفكر المعاصر في التنظيم والإدارة، مركز "سرفس" للاستشارات والتطوير،القاهرة-مصر، سنة 1994م،ص151.
[4]- ديف فرانسيس ومايك وودكوك، القيم التنظيمية، ترجمة: عبد الرحمن أحمد هيجان، مراجعة وحيد أحمد الهندي وعامر عبد الله الصعيري، معهد الإدارة العامة، الرياض-السعودية، سنة 1995 م، ص 39-45.
[5]- محمد أحمد بيومي، علم اجتماع القيم، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية-مصر، سنة 2002 م، ص 184.
[6]- علي خليل مصطفى، القيـم الإسلامية والتـربية، مكتبة "إبراهيم حلبـي"، المدينة المنورة-السعودية، سنة 1988 م، ص 209.
[7]- مصطفى محمود والسيد طه حسنين، المدير وتنمية سلوك العاملين: مدخل استراتيجي لإدارة السلوك الإنساني والتنظيمـي في المنظمات المعـاصرة، مطابع الولاء الحديثة، القاهرة-مصر، سنة 2005 م، ص 152.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق