الجمعة، 21 أكتوبر، 2016

أسباب تعاطي المخدّرات و المسكرات


أسباب تعاطي المخدّرات و المسكرات:
أثبتت الأبحاث المتخصّصة في مجال تعاطي المخدّرات و المسكرات أنّه كلّما زاد تعرّض الفرد لعوامل خطر محدّدة وفقا لخصائص الفرد، كلّما زاد اِحتمال تهيّئته لقابليّة تعاطي المسكرات و المخدّرات، وهو ما يؤدّي إلى قرار استعمال المخدّرات و الاستمرار في تعاطيها و من ثمّ الإدمان عليها في حين أن من تعاطوا المخدّرات ثبت أنّ عوامل الحماية الّتي تقلّل من خطر الوصول إلى قرار تعاطي المخدّرات و إدمانها، كانت قليلة في حمايتهم، أو منخفضة الجودة، أو هم لم يتعرّضوا لها أصلا، و لم تعمل أسرهم و لا مدارسهم على توفيرها لهم بشكل ملائم خلال مراحل تربيتهم و تعليمهم لكي تمنعهم من الوقوع في تعاطي المسكرات و المخدّرات. و قد استقر العلماء بعد قرابة 30 سنة من البحث المتواصل  في مجال علم الإدمان و بواعث (أسباب) التّعاطي و عوامل انحراف الشّباب و الأطفال، إلا أنّ هناك أربعة (04) مجالات خارجة عن الفرد تشكّل مصدر خطورة فيما يتعلّق بتشكّل قابليّة التعاطي و سلوكيات المتعاطي،و هذه المجالات هي: المحيط الاجتماعي الجواري و الأسرة، و المدرسة و طبيعة التّفاعل بين الأقران أنفسهم.
فلا يولد الفرد بطبيعته منحرفا، و لكنّ في الغالب تدفع به الظّروف المحيطة إلى ممارسة السّلوكيات المنحرفة و الخطرة مثل تعاطـــي المسكــــرات و المخدّرات. كمــــا تشكّل شخصيّته و قيمه و اِنفعالاته و تفاعلاته و رصيد خبرته، و ميوله... و في تسعينات القرن الماضي طوّر العلماء منظور أسباب التّعاطي، لمسـاعدة الباحثين و المتخصّصين في المجـــالات الإجتمـــاعيّة و الطبية و الإعلاميّة و الأمنيّة و النّفسيّة، في مجال دراسة و فهم انحرافات الشّباب أو حتّى لمعرفة حالاتهم، لتوجيه عمليّات البحث و المعــالجة و التّعـــــامل و الطّرح الإعلاميّ و التّثقيف و التّعليم نحو أسباب الخطر التي تدفع بهم لتعاطي الموادّ المخدّرة و المؤثّرات العقليّة، و ثمّ وضع إطار عامّ للأسباب الّتي تشكّل خطرا يهدّد تعاطي المخدرات.
و اِسْتَمَرّ تطوير هذا النّموذج حتّى بداية الألفيّة الثّالثة، و بات حاليّا هو النّموذج العـــالميّ و الّذي يُستخدم لوصف الأسباب المتعدّدة و المتداخلة الّتي تتفاعل مع بعضها لتشكيل سلوك تعاطي المخدّرات و المؤثّرات العقليّة، كما يعدّ الاكتشاف العلمي الفاعل في مسيرة المجتمعات لحماية الشّباب و الصّغار من مخاطر السّلوكيات الخطيرة الماثلة في تعاطي الموادّ الخطرة على صحّة العقل و سلامة التّصرّف، و الّذي بات يواجه عالميّا عمليّة تصميم برامج الحماية و وضع سياسات متعددة، و استغنى النّاس عن منظور الوقاية الّذي كان مستخدما للوقـاية من  الانحراف، و باتت الاستخدامات الحديثة لمفهوم برامج الحماية ملزمة طبيّا و إعلاميّا، و اجتماعيا حتّى على المستوى التّنظيمي للمدرسة و الحيّ و المعهد و مؤسسة العمل. و بقي هذا المنظور يستخدم من قبل الباحثين و الأطباء، و خبراء المخدّرات و العاملين في مجال التّعليم للحماية من خطر التّعاطي. و نظرا لما أحدثه من مساعدة في بلورة فهم أسباب التّعاطي، و بات يستخدم من قبل المؤسّسات العدليّة و في برامج الإصلاح السلوكي و الفكري و قد صنّف الأسباب الّتي تدفع بالفرد إلى التّعاطي حسب الأهميّة:
·     أسباب ذاتيّة: تتمثّل في جملة ما يتعرّض له الفرد من صدمات نفسية تؤثّر على عمليّاته العقليّة، و تساهم في تطوّر شخصيّته السّالبة و ميله نحو التصرّفات الخطرة و بداياته المبكّرة مع الانحراف و رؤيته القاصرة الّتي يستخدمها في صناعة القرار.
·     أسباب جذورها عائليّة: يقال: "الفرد بشكل عامّ هو نتاج الإخراج الأسري" نظرا لأنّ حياة الأسرة تؤثّر بشكل قويّ جدّا في تشكّل الطّفل و المراهق، فالصّراعـــات الأسريّة و ضعف الإدارة في الأسرة و افتقار الوالدين لمهارات التّعامل الفاعليّة مع الأبناء جميعها دلالات على إمكانيّة تعاطي الأبناء للمخدّرات و المؤثّرات العقلية فضلا عن الانحراف بشكل عام.
فتأثير البيئة المنزليّة عادة ما يكــون الأكثر أهميّة في محلة الطّفـــولة، و تعاطي الآباء و الأمّهات و كبار السّنّ في الأسرة للتّدخين أو و المسكرات و المخدّرات.
·     الأسباب العائدة للرّفاق: يعدّ تأثير الرّفاق من أهمّ العوامل الفاعلة في تشكيل و تنمية احتمالات التّصرّف الخطيرة المؤدّية إلى تعاطي المسكرات و المخـدّرات، فالرّفاق الّذين لديهم اتّجاهات و سلوكيات تدعم استخدام المخدّرات و المؤثّرات العقليّة يساهمون في تشكيل البيئة الخطرة للفرد و الدّافعة للتّعاطي و الأصدقاء الّذين يملكون قيما عالية رافضة لتعاطي المخدّرات و المؤثّرات العقلية يشكّلون بيئة حامية للطّفل المراهق من الوقوع في تعاطي المخدّرات و غيرها. إذا فالأصدقاء و المعارف لهم التأثير الأعظم خلال فترة المراهقة، فالأقران الّذين يتعاطون المخدّرات و المسكرات مثلا قد يقنعون أصدقائهم بتجربة التّعاطي لأوّل مرّة حتّى و إن لم يتعرّض هؤلاء الأصدقاء لعوامل خطر خلال مرحلة الطّفولة.
·     الأسباب العائدة للمدرسة: يعتبر ضعف التعلّق بالمدرسة و العلامات المبكرة للإخفاق في الدّراسة من العلامات الهــــامّة في عمليّة التنبّؤ بإمكانيّة تعــــاطي الفرد للمخدّرات و المؤثّرات العقليّة.... بينما التّلاميذ الّذين يمتلكون روحا متعلّقة بالمدرسة و لديهم علامات قويّة و جيّدة مع زملائهم في المدرسة مع تميّزهم العلمي، و تكوين توقّعات جيّدة عن مستقبلهم من قبل المعلمين، هم يعيشون في بيئة و مستوى من الحماية تدلّ على عدم إمكانيّة تورّطهم في تعاطي المخدّرات و المسكرات...
·     أسبـــــــاب تعود إلى الجيرة: يعدّ الحيّ و الجيران الّذين تتّسم معالمهم بتقطّع الصّلات و التّواصل، أو هم دائمو التّحول و التّغيّر، أو لديهم معايير و قيم تشجّع على تعاطي المخدّرات و المسكرات أو هم يمارسون التّعاطي، بيئة خطرة على المراهقين قد تدفع بهم لتعاطي المخدّرات...
·     أسباب ثانويّة: إضافة إلى الأسباب الّتي تعدّ بالغة الأهميّة في تأثيراتها يمكن أن نذكر هذه الأسباب الثانوية و منها:
ü   توفّر المال مع وقت الفراغ، و هما سببان أساسيان في إقبال الشّباب على تعاطي المخدّرات و المسكرات، إذا لم يجد السليم لقضاء وقت الفراغ فيما هو نافع في مقابل عدم وجود التّوعية الرشيدة لطريقة إنفاق المال.
ü   الاعتقاد الخاطئ بأنّ المخدرات و المسكرات تزيل الشعــــور بالقلق و الاكتئــاب و الملل، و تزيد في القدرات الجنسية...
ü   استخدام المواد المخدّرة للعلاج استخداما سيّئا لا يتّبع فيه إرشادات الطّبيب ممّا يسبّب له الإدمان.
ü   الصّراع السياسي بين بعض الدّول و سعيها للحصول على أسرار الآخرين فالمخدرات هي البوّابة لمثل هذه الصّراعات.
·     تفاعليّة الأسباب و مساهمتها في عمليّة التعاطي:لا ينتج حدوث التّعاطي في الغالب بسبب عامل وحيد، بل تعدّ سلسلة من التفاعلات و التّبادلات، المساندة وظيفيّا بين عوامل الخطورة و فقدان عوامل الحمــاية تتمّ بطريقة ســـالبة و دراماتيكيّة متطــوّرة، و تتفاعل هذه العوامل بشكل تبادليّ على إحداث مناخ عامّ من قابليّة الفرد للتعاطي، لا تحدث مسألة قابليّة التّعاطي فجأة لدى الفرد، بل هناك تقريبا استعدادًا كامنا لفترات طويلة لممارسة المنحرف الماثل في التعاطي للمخدّرات و المسكرات و يبرز للسّطح كنتيجة و قرار يتّخذه الفرد في ظلّ توجيهات قيميّة داخلية دافعة للانحراف و أخرى مفقودة نتيجة لضحالة الوعي الصّحّي، و تلاشي قيم الحماية الدّاخليّة الّتي تأثّرت على المدى الطّويل نتيجة للتّعرّض المبكّر لعوامل الخطــورة الّتي عملت على اِضمحلالهـــا و على تنمية قيمة سالبة فضلا عن غياب عوامل الحماية المبكرة و عدم فاعليّة المتأخّرة منها. و بهذا يعرف أنّ هناك عوامل خطورة و حماية داخليّة راجعة للفرد و أخرى خارجيّة. و عوامل مبكّرة و أخرى متأخّرة، يتعرّض لها الفرد، و خلال مسيــرة نمـــوّه و توجّهه نحو مرحلة المراهقة.
و كلّما زادت عوامل الحماية كلّما قلّ خطر التعاطي، و كلّما زادت عوامل الخطورة إلا و زاد خطر التّعاطي. و هذه العوامل لا تمتلك ثقلا في التّأثّر متساويا. فمثلا هيمنة الرّفاق على الفرد خلال مرحلة المراهقة، و تفرّدهم به، في ظلّ اِتّصافهم بممارسة سلوكيات جانحة، تعدّ حالة خطورة عالية و يزيد خطرها كلّما كانت شخصيّة المراهق تابعة في ظلّ غياب الرّقابة الأسريّة...       

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق