الخميس، 13 أكتوبر، 2016

هل الادارة علم ام فن

الإدارة علم أم فن



المقصود بالعلم هنا هو المعرفة المنظمة ذات القوانين والعلاقات الثابتة، والَّتي يمكن تعميمها؛ وبالتالي لا تختلف باختلاف الأفراد والمجتمعات والأماكن، فمثلاً القول بأنَّ الماء يغلي عند درجة حرارة مائة. بينما يقصد بالفن المعرفة والسلوك المعتمد على الفرد بصفته الشخصية والنفسية والعقلية، وبالتالي لا يمكن تعميم هذه المعرفة مثل لوحة فنية أو القول بأنَّ الجو جميل.
تساؤل:
ما أن يُدْرَسَ موضوع من المواضيع الاجتماعية إلا وطرح سؤال هل هو علم أو فن، وكذا السؤال حول الإدارة، هل هي علم أم فن؟
ويقصد بهذا التساؤل :
هلْ للإدارة قوانين يمكن تحديدها وتعميمها مثل الفيزياء مثلاً؟
هلْ يمكن وضع الممارسة الإدارية في مختبر وتحديد وعزل المتغيرات عن بعضها وإجراء التجارب عليها؟
هلْ الإدارة نوع من الإبداع والموهبة الشخصية، والَّتي لا يمكن وضع أسس عامة لها وتعميمها على كافة المجتمعات والمواقف كالشعر والرواية ؟
هلْ الإدارة فلسفة تعتمد على قدرة الشخص في استنباط العلاقات والحكم عليها؟
والإجابة على السؤالين الأولين بالإيجاب يعنى أنَّ الإدارة علم ثابت له قوانين يمكن تعميمها والإجابة بالسلب يعني أنَّها فن تعتمد على الخبرة الشخصية. والعكس صحيح بالنسبة للسؤالين الأخيرين. ولكن لا يجب النظر إلى الإدارة من زاويةٍ واحدةٍ وحصرها فيها.
* الإدارة والعلوم الاجتماعية:
وحقيقةً أنَّ الإدارة management تصنف ضمن العلوم الاجتماعية social sciences وليس ضمن العلوم الطبيعية natural sciences، والعلوم الاجتماعية مرتبطة بالإنسان والمجتمع ويتمُّ تطبيق المنهج العلمي في دراستها ، لكن نتائجها لا تأخذ نفس درجة تعميم نتائج العلوم الطبيعية. فهي نتائج محدودة بزمانٍ مُحدَّدٍ وبمجتمعٍ مُحدَّدٍ وبظروفٍ مُحدَّدةٍ. فمثلاً يمكن تطبيق المنهج العلمي في تحديد معدل التضخم 5%؛ وهنا يجب تحديد زمن محدد وكذلك دولة محددة، وهكذا.
وهذا بالضرورة ينفي أن يكون للإدارة قوانين ثابتة يمكن تعميمها كقوانين الفيزياء والكيمياء.

* الإدارة كعلم:
الإدارة علم له أصوله وقواعده ونظرياته، ويمكن تطبيق المنهج العلمي في دراسته والتحقق منه؛ حيث يمتاز المنهج العلمي بمميزات ومن بينها: الموضوعية، وقابلية إثبات النتائج، والقابلية للتعميم، وإمكانية التنبؤ بالنتائج، والمرونة 5 . ويزيد في الناحية العلمية الموضوعية للإدارة أن هناك جوانب مادية تتعامل معها وبها الإدارة، وهذه يمكن دراستها وإخضاعها للتجارب تماما كما تخضع المواد في المختبرات العلمية للتجارب. كما قامت مدارس إدارية على تطبيق المنهج الرياضي والإحصائي في دراسة المشكلات الإدارية وهذا يعمق الجانب العلمي في الإدارة.

* الإدارة كفن:
وفي الجانب المقابل فإن للإدارة جانب فني فلسفي ، فهي تتعامل مع الإنسان والمجتمع، وهي تتعامل مع جوانب غير مادية في الإنسان والمجتمع، كما أنَّها تواجه مواقف كثيرة تحتاج فيها إلى الخبرة والحكم الشخصي والإبداع والمناورة واستنباط العلاقات، وهذا ما يجعل فيها لمسة فنية وضرباً فلسفياً لا يمكن لمدير ناجح الاستغناء عنها، وتؤثر الثقافة السائدة في المجتمع تأثيراً قوياً في هذا الجانب من الإدارة.
وعليه يمكن استخلاص أن الإدارة علم وفن وفلسفة في ذات الوقت.

* أسباب عدم الانتباه للإدارة كعلم:
وجدتْ الإدارة - كما سبق الإشارة - منذُ القدم، ولكنها لَمْ تُعرفْ كعلمٍ إلَّا متأخراً، وكان مِن أهمِّ العوامل الَّتي ساعدت على عدم الانتباه إليها ما يلي6[1]:
1.     ساد خلال القرون القديمة والوسطى في أوروبا النظر إلى التجارة والأعمال التجارية كأعمال وضيعة (6)[1]، وقد عزّز هذا التوجه وصف الكتاب والفلاسفة لهذه الأعمال بأوصافٍ تحط من قيمتها كالفيلسوف أرسطو والكاتب الاقتصادي الأول آدم سميث الذي وصف التجار في كتابه ثروة الأمم بأنهم مجموعة من الخداعيين الذين لا تتفق مصالحهم مع المصالح القومية للمجتمع، وهذا أدّى إلى عدم الاهتمام بالإدارة كعلم يمكن دراسته، وأدَّى إلى عزوف المفكرين الاقتصاديين والسياسيين عَن الإدارة.
2.     النظر إلى الإدارة بأنَّها فن يعتمد على الموهبة الشخصية، والقدرات الذاتية، وليس بحاجة إلى دراسة.
3.     الاهتمام بالنواحي الفنية والتقنية في المشروع، وزيادة مقدرته الفنية.
4.     ضآلة حدة المنافسة، والطلب الكبير على المنتجات.
* أسباب الانتباه للإدارة كعلم:
أمّا أهمِّ العوامل الَّتي ساعدتْ على الانتباه إلى أهمية الإدارة ما يُعرف في التاريخ الاقتصادي بالثورة الصناعية (1)[1] industrial revolution الَّتي كانَ مِن أهمِّ نتائجها ما يلي:
1.     استبدال الجهد البشري والحيواني بالجهد الآلي.
2.      ضخامة حجم منشآت الأعمال وانتقالها إلى الإنتاج الكبير mass production
3.      ضخامة حجم الأموال المستثمرة في منشآت الأعمال وظهور الشركات المساهمة العامَّة.
4.     انفصال الملكية عن الإدارة وظهور طبقة مديرين ممتهنين للإدارة.
5.     اتساع الأسواق من ناحية المدخلات والمخرجات وعدم قصرها على السوق المحلي.
6.     تعقد وتشابك وتزايد المتغيرات البيئية التي تعمل ضمنها المنشأة.
7.     ازدياد حدّة المنافسة والَّتي كانَ مِن أهمِّ نتائجها : زيادة في جودة وعدد المنتجات مع خفض تكلفتها؛ وبالتالي انخفاض أسعارها للمستهلك النهائي.
ثُمَّ جاءت الثورة الإلكترونية المعلوماتية في أعقاب الحرب العالمية الثانية(1) والَّتي ما زلنا نعيشُ آثارها وتطوراتها إلى هذه اللحظة، والتي أدَّت إلى تطورِ الكثيرِ من المفاهيم الإدارية.




(6) هذا خلاف للنظرة الإسلامية إلى التجارة باعتبارها عملاً مشرفاً، كما شجع الإسلام عليها ووضع لها القواعد والأصول.
(1)  بدأت الثورة الصناعية سنة …. باختراع الآلة البخارية في بريطانيا .
(1) أي في النصف الثاني من القرن الماضي .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق