السبت، 8 أكتوبر، 2016

عمليات العلم

عمليات العلم
Processes of Science

*
عمليات العلم هي الأنشطة أو الأعمال التي يقوم بها العلماء أثناء التوصل إلى نتائج العلم من جهة، وأثناء الحكم والتحقق من صدق هذه النتائج من جهة أخرى . وقد تؤدي ممارسة هذه العمليات إلى إثارة الاهتمامات العلمية لدى الممارسين لهذه العمليات مما يدفعهم إلى مزيد من البحث والاكتشاف .

*
عمليات العلم كثيرة نعرض فيما يلي عدداً منها:

أولاً: الملاحظة    Observing

*
يبدأ العلم بالملاحظة وينتهي بها، وتتم الملاحظة المباشرة باستخدام الحواس الخمس، وعندما تكون وسائل الملاحظة المباشرة غير كافية يتم اللجوء إلى الوسائل غير المباشرة كالأجهزة التكنولوجية المساعدة للحواس .

*
الملاحظة العلمية ليست عملية عشوائية أو وليدة الصدفة، ولكنها عملية هادفة مقصودة، وهي أساس عمليات العلم الأخرى، وإن كانت بعض الاكتشافات العلمية جاءت بعد ملاحظات لم يُخطط لها (مصادفة) فإن الصدفة لا تحابي إلا العقل المستعد لها .

*
تتطلب الملاحظة العلمية الدقة والأمانة في التسجيل، وهما جناحا الموضوعية العلمية. وتتوقف الملاحظة العلمية عند حد تسجيل الأحداث والظواهر، أما الذهاب فيما وراء الملاحظة فيمثل عمليات أخرى للعلم .

*
يتوقف صدق الملاحظة على صدق الملاحظ ولذلك ينبغي أن تُخضع نتائجها للتقويم السليم، كما تتوقف على صدق الأدوات المستخدمة، ومن هنا تبرز أهمية التوصيف الدقيق للأدوات المستخدمة في الملاحظة ومدى دقتها وذلك لبيان حدود الملاحظة .


*
تتضمن الملاحظة العلمية مجموعة من السلوكيات أهمها:
1- التمييز بين الفروق في الخصائص الفيزيائية للأشياء أو الظواهر بالملاحظة المباشرة .
2- استخدام أدوات لمساعدة الحواس في إجراء الملاحظة .
3- تكرار الملاحظة من أجل الدقة .
4- استخدام القياس لزيادة دقة الملاحظة – كلما كان ذلك ممكناً .
5- ترتيب الأحداث أو المشاهدات وفقاً لترتيب حدوثها .
6- التمييز بين الثوابت والمتغيرات .


ثانياً: التصنيف   Classifying

*
أحد الأهداف الرئيسة للعلم التوصل إلى نماذج تصنيفية أو تقسيمية يمكن استخدامها لدراسة الظواهر الطبيعية بهدف: التبسيط من جهة، والتنبؤ بخصائص العضو المنتمي لهذا التقسيم من جهة أخرى . وبالطبع تبدأ عملية التصنيف أو التقسيم بالملاحظة العلمية .

*
كلما كان نموذج التقسيم جامعاً مانعاً قام بوظيفتي التبسيط والتنبؤ على أتم وجه .
*
يُبنى التقسيم على أساس صفة واحدة مشتركة أو يُبنى على أكثر من صفة، كأن نقسم مجموعة من الصخور طبقاً للشكل فقط، أو طبقاً للون فقط، أو طبقاً للملمس فقط، أو طبقاً للشكل واللون والملمس معاً، وهكذا ..

*
يتضمن التصنيف مجموعة من السلوكيات أهمها:
1- الإلمام بمدى التماثل والتباين في خصائص الأشياء أو الظواهر المزمع تصنيفها .
2- التوصل إلى الخواص العامة المشتركة بين الأشياء .
3- تصنيف الأشياء طبقاً لهذه الخواص .
4- تقسيم الأشياء طبقاً لأكثر من خاصية .
5- التحقق من صدق التصنيف بإجراء ملاحظات جديدة .


@
أمثلة:
(أ) تقسيم الحيوانات طبقاً لعدد الخلايا: إلى حيوانات وحيدة الخلية وأخرى عديدة الخلايا .
(ب) تقسيم الحيوانات طبقاً لبيئة معيشتها: إلى حيوانات برية، وأخرى مائية، وثالثة برمائية، وهكذا ..
(ج) تقسيم العناصر طبقاً لخصائصها الكهربية إلى عناصر موصلة وشبه موصلة وعازلة .
(د) تقسيم المواد طبقاً لحالتها الفيزيائية: إلى مواد صلبة وأخرى سائلة وثالثة غازية .


ثالثاً: الاستدلال   Inferring

*
يهدف الاستدلال إلى التعرف على خصائص شيء مجهول من دراسة خصائص شيء معلوم .
@
مثال: تم الاستدلال من الحفريات المختلفة (معلوم) على خصائص العصور الجيولوجية السابقة (مجهول) .

*
قد يؤدي الاستدلال القائم على الملاحظة إلى الحاجة إلى إجراء ملاحظات أخرى، قد تؤدي بدورها إلى تعديل الاستدلال الأصلي .
*
ملاحظة استدلال ملاحظات جديدة تعديل الاستدلال الأصلي

@
مثال: ملاحظة العناصر المشعة ودراسة خصائص الإشعاعات الصادرة عنها (معلوم) أدت إلى القول بأن النواة مركبة وتحتوي جسيمات ألفا وجسيمات بيتا (مجهول) .وبإجراء مزيد من الملاحظات تم تعديل هذا الاستدلال إلى أن هذه الجسيمات لا توجد في النواة في صورة منفردة ولكنها تنشأ أثناء التحولات التي تحدث للجسيمات النووية .

*
ينبغي التمييز بين الملاحظة والاستدلال، والمثال التالي يوضح الفرق:
(أ) إذا غُمست ورقة عباد شمس حمراء في المحلول (A) فإنها تحمّر .
(ب)  المحلول (A) حامض .
#
 العبارة (أ) ملاحظة، والعبارة (ب) استدلال مبني عليها .

*
الاستدلال العلمي يتضمن مجموعة من السلوكيات أهمها:
1-  إجراء الملاحظات .
2-  التوصل إلى الخصائص الظاهرة .
3-  الاجتهاد في التوصل إلى الخصائص غير الظاهرة .
4- الربط بين الخصائص الظاهرة وغير الظاهرة .
5- التوصل إلى استدلال مبني على الملاحظة .
6- اختبار مدى صدق الاستدلال .
7- إجراء مجموعة جديدة من الملاحظات .
8- تأكيد الاستدلال السابق أو تعديله في ضوء الملاحظات الجديدة .


رابعاً: التنبؤ     Predicting

*
التنبؤ: عملية تهدف إلى التعرف على النتيجة المتوقعة إذا ما توافرت شروط معينة . وهو يختلف جذرياً عن التخمين حيث يعتمد التنبؤ العلمي على قوانين ومبادئ ونظريات علمية موثوق فيها .

@
مثال:
(أ) التخمين: أنا أتوقع أن في جيبك مبلغاً من النقود = كذا ..
(ب) التنبؤ العلمي: التنبؤ بخصائص الجيل الأول والثاني لنبات ناتج من تزاوج نباتين ذي خصائص معينة وذلك باستخدام قوانين مندل للوراثة .

*
إذا جاء التخمين صحيحاً مرة فهذا لا يعني أننا في كل مرة نخمن تخميناً صحيحاً، بينما التنبؤ العلمي يكون صحيحاً في كل مرة بفرض توفر نفس الظروف واستخدام نفس القانون في التنبؤ .

*
يعتمد ثبات التنبؤ على صدق القوانين والمبادئ والنظريات التي استُخدمت في التوصل إليه . وقد يتطلب التنبؤ العلمي استخدام التجريب لتأييد التنبؤ أو رفضه .


*
التنبؤ العلمي يتضمن مجموعة من السلوكيات أهمها:
1- إجراء مجموعة من الملاحظات .
2- تمييز الثوابت والمتغيرات التي تؤثر في الظاهرة .
3- التعرف على القانون أو المبدأ أو النظرية التي يمكن أن تخضع لها المتغيرات .
4- استخدام القانون أو المبدأ أو النظرية في التنبؤ .
5- التحقق من صدق التنبؤ واستخدام القياس الكمي – إذا كان ممكناً – لبيان دقة هذا التنبؤ .

خامساً: القياس   Measuring

*
يعتبر القياس الكمي أحد أساليب تقنين عمليات العلم المختلفة، فهو مثلاً أحد أساليب التحقق من صدق الملاحظات، وصدق التنبؤ . ويتطلب القياس تحديد شيء يُقاس أو صفة تُقاس، ووحدة للقياس .

*
يبدأ القياس عادة بإعطاء تقدير كمي لخصائص معينة، وقد توجد علاقات بين هذه الخصائص، عندئذ قد يُتوصل إلى تقدير كمي جديد له قيمة أكبر في وصف الظاهرة موضوع الدراسة، مثل البدء بقياس الأبعاد والكتلة، ومنها نتوصل إلى تقدير الكثافة .

*
القياس الكمي يتضمن مجموعة من السلوكيات أهمها:
1- إجراء مجموعة من الملاحظات .
2- تحديد الخاصية أو الخصائص موضوع القياس وتعريفها .
3- استخدام وحدات اختيارية لمقارنة الأشياء المتعلقة بالظاهرة على أساسها
4- تقنين هذه الوحدات .
5- استخدام أجهزة قياس موثوق فيها .





سادساً: التواصل    Communicating

*
بديهي أنه ينبغي أن توجد لغة مشتركة بين أفراد المجتمع العلمي لكي يتم التواصل بين أفراد هذا المجتمع .

*
لما كان محور العلوم هو الظواهر الطبيعية، فإن التواصل يتطلب تسجيلاً دقيقاً للأحدث مما يُيسر نقل الأفكار للآخرين والتفاعل معهم .

* التواصل يتضمن عمليتين أساسيتين:
-
الأولى: إدراك وفهم فرد ما لأفكار الآخرين .
-
الثانية: عرض هذا الفرد لأفكاره بطريقة مفهومة للآخرين .

*
التواصل بهذه الصورة يتطلب أشكالاً مختلفة لنقل الأفكار مثل: المعادلات، والجداول، والرسوم التوضيحية، والرسوم البيانية .

*
التواصل العلمي يتضمن مجموعة من السلوكيات أهمها:
1- إجراء الملاحظة .
2- وصف الملاحظات لفظياً .
3- تسجيل الملاحظة بطريقة منظمة .
4- تحويل الملاحظة إلى صورة رموز أو معادلات .
5- إنشاء الجداول والرسوم وعرض النتائج، واستخدامها في تفسير النتائج.

*
قد يتطلب التواصل – إضافة إلى ما سبق – كتابة تقرير عن عمل معين أو تجربة معينة بصورة مفهومة للآخرين .



سابعاً: التفسير   Interpreting

*
تفسير الأحداث والملاحظات يُيسر الفهم، ويختلف التفسير العلمي عن التفسير غير العلمي، فالتفسير العلمي يعني إرجاع الظاهرة أو الحدث إلى أسبابها الحقيقية، أي ربط السبب بالنتيجة من خلال قانون أو مبدأ أو نظرية علمية. أما التفسير غير العلمي فيُرجع الظاهرة إلى قوى خفية أو أسباب غيبية.

*
التفسير العلمي له مردود نفسي إيجابي، فمعرفة الأسباب الحقيقية تمنع الخوف من المجهول وتعطي الفرد مزيداً من الثقة بالنفس لإمكانية التحكم في الظاهرة . فمعرفة الأسباب الحقيقية للكوليرا مكّن من تحديد أسباب انتشارها وأساليب علاجها والوقاية منها .

*
التفسير العلمي يتضمن مجموعة من السلوكيات أهمها:
1- تحديد النتائج المتصلة بموضوع الظاهرة المراد تفسيرها .
2- معالجة النتائج لتوضيح العلاقات بينها .
3- تحديد القانون أو النظرية التي ترتبط بموضوع الظاهرة .
4- صياغة عدد من العبارات تفسر الظاهرة باستخدام القانون أو النظرية والتي تربط بين النتيجة وسببها .
5- اختبار صدق التفسير .


ثامناً: صياغة الفروض   Hypothesizing

*
الفرض العلمي: جملة تحت الاختبار، تبدأ بمجموعة من الملاحظات ولكن لعدم توافر المعلومات اللازمة للتوصل إلى ما وراء الملاحظات، أو للتوصل لاستدلالات معينة، فإن العالم يلجأ إلى صياغة عدد من الفروض .

*
قد تُصاغ الفروض بطريقة يمكن اختبار صدقها بطريقة مباشرة عن طريق الملاحظة أو التجريب، أو تُصاغ بطريقة يمكن اختبار صدقها بطريقة غير مباشرة عن طريق القياس أو التشابه الجزئي على ما تم اختباره من قبل .

@
أمثلة:
(أ) من فروض نظرية الحركة للغازات، أن جزيئات الغاز في حركة مستمرة وقوى الجذب فيها ضعيفة . يمكن اختبار صدق هذا الفرض عن طريق سرعة انتشار الغاز بطريقة مباشرة عن طريق ملاحظة سلوك الغازات .
(ب) عندما شاهد نيوتن التفاحة تسقط على الأرض صاغ فرضاً مؤداه: أن للأرض قوة تجذب بها الأجسام الأخرى، وقياساً على ذلك تم اختبار صدق الفرض أن للقمر قوة يجذب بها الأجسام الأخرى .

*
كلما كان عدد فروض النظرية العلمية أقل، وفي نفس الوقت لها قوة تفسيرية أكبر وأوسع زادت الثقة في هذه النظرية .

*
عملية فرض الفروض العلمية تضمن مجموعة من السلوكيات أهمها:
1- تحديد الأسئلة المراد الإجابة عنها لعبور الفجوة بين ما هو معلوم وما هو مجهول .
2- فصل الأسئلة التي يمكن إجابتها فلسفياً من تلك الأسئلة التي يمكن إجابتها عن طريق الخبرة .
3- تقسيم الأسئلة العريضة إلى أجزاء .
4- صياغة إجابة محتملة لكل سؤال بحيث تكون قابلة للاختبار، عن طريق التجريب، أو عن طريق القياس .
5- التمييز بين الفروض التي يمكن اختبارها وصفياً، والتي يمكن اختبارها كمياً .


تاسعاً: التجريب   Experimenting

*
التجربة: موقف اصطناعي يلجأ إليه العالم لجمع بيانات ومعلومات عن ظاهرة، أو للتأكد من صدق معلومة سبق التوصل إليها أو لاختبار صدق فرض، أو التوصل إلى حقائق وقوانين جديدة، أو التحقق من صدقها .

*
في التجريب قد يلجأ العالم إلى تثبيت بعض المتغيرات، وتغيير البعض الآخر بالزيادة أو النقصان، أو الاستبعاد، أو الإضافة، وذلك بهدف دراسة العلاقات السببية، أي العلاقة بين أثر متغير معين في متغير آخر .

*
التجريب يتضمن كل عمليات العلم السابق شرحها .

*
عملية التجريب تضمن مجموعة من السلوكيات أهمها:
1- التعرف على بعض المشكلات المتضمنة في عدد من الملاحظات .
2- تحديد المتغيرات ذات العلاقة بعدد من الملاحظات .
3- صياغة عدد من الفروض المطلوب اختبارها .
4- تصميم التجربة العملية (خطوات العمل) .
5- اختيار الأدوات والمواد والأجهزة اللازمة لتحقيق ما سبق .
6- التحكم في المتغيرات التي ينبغي تثبيتها أثناء التجربة .
7- الممارسة العملية وتنفيذ خطة العمل .
8- التعرف على مصادر الخطأ في التجربة .
9- وصف لمحددات التجربة بما فيها الأجهزة والأدوات والمواد المستخدمة .
10- كتابة تقرير مفصل عن التجربة يفيد مستقبلاً من يود تكرار التجربة .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق